أجوبة‎ فضيلة القاضي محمد تقي الدين العثماني ‎

‎بسم اللـه الرحمن الرحيم

التجنس‎ ‎بالجنسيات الأجنبية‎:

1- إن التجنس بجنسيات البلاد غير المسلمة‎ ‎يختلف حكمه حسب الظروف، والأحوال، ‏وأغراض هذا التجنس، على الشكل التالي‎:
إن‎ ‎اضطر إليه مسلم بسبب أنه أوذي في وطنه، أو اضطهد بالسجن، أو مصادرة أمواله ‏لغير ما‎ ‎ذنب أو جريمة، ولم يجد لنفسه مأمنًا إلا في مثل هذه البلاد، فإنه يجوز له التجنس‎ ‎بهذه ‏الجنسيات دون أي كراهة، بشرط أن يعزم على نفسه المحافظة على دينه في حياته‎ ‎العملية، ‏والابتعاد عن المنكرات الشائعة هناك‎.
والدليل على ذلك: أن الصحابة رضي‎ ‎الله عنهم هاجروا إلى‎ ‎الحبشة‎ ‎بعد ما اضطهدوا من ‏قبل أهل‎ ‎مكة‎ ‎، والحبشة يومئذ يسودها الكفار، وأقاموا بها حتى إن بعض الصحابة لم يزالوا‎ ‎مقيمين بها بعد ما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى‎ ‎المدينة‎ ‎،‎ ‎فإنما رجع‎ ‎أبو موسى ‏الأشعري‎ ‎رضي الله عنه عند غزوة‎ ‎خيبر‎ ‎، يعني في السنة السابعة من الهجرة‎.
ثم من حقوق النفس أن يصونها المرء من‎ ‎كل نوع من أنواع الظلم، فإذا لم يجد الإنسان ‏مأمنًا لنفسه إلا في بلاد الكفار، فلا‎ ‎مانع من هجرته إليها، ما دام يحتفظ بفرائضه الدينية، والابتعاد ‏عن المنكرات‎ ‎المحرمة‎.
وكذلك إن اضطر إليه مسلم بسب أنه لم تتيسر له في بلده وسائل المعاش‎ ‎الضرورية التي لا ‏بد له منها، ولم يجدها إلا في مثل هذه البلاد، فإنه يجوز له ذلك‎ ‎أيضًا بالشرط المذكور، وذلك أن ‏كسب المعاش فريضة بعد الفريضة، ولم يقيده الشرع‎ ‎بمكان دون مكان، فقال الله تعالى{‏‎ ‎هُوَ الَّذِي ‏جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا‎ ‎وَكُلُوا مِنْ رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ‎ ‎‏}‏‎.
ولو تجنس‎ ‎مسلم بهذه الجنسية لدعوة أهلها إلى الإسلام، أو لتبليغ‎ ‎الأحكام الشرعية‎ ‎إلى ‏المسلمين المقيمين بها، فإنه يثاب على ذلك، فضلًا عن كونه جائزًا، فكم من‎ ‎الصحابة والتابعين ‏رضي الله عنهم توطنوا بلاد الكفار لهذا الغرض المحمود وعد ذلك من‎ ‎مناقبهم وفضائلهم‎.
أما إذا كان الرجل تتيسر له وسائل المعاش في بلده المسلم على‎ ‎مستوى أهل بلده، ولكنه ‏هاجر إلى بلاد الكفار للاستزادة منها، والحصول على محض‎ ‎الترفه والتنعم، فإن ذلك لا يخلو من ‏كراهة، لما فيه من عرض النفس على المنكرات‎ ‎الشائعة هناك، وتحمل خطر الانهيار الخلقي ‏والديني من غير ضرورة داعية لذلك،‎ ‎والتجربة شاهدة على أن الذين يتجنسون بهذه الجنسيات ‏الأجنبية لمجرد الترفه، ينتقص‎ ‎فيه من الوازع الديني، فيذوبون أمام الإغراءات الكافرة ذوبانًا ‏ذريعًا، ومن هنا ورد‎ ‎في الحديث النهي عن مساكنة المشركين بدون حاجة ملحة‎.
أخرج‎ ‎أبو داود‎ ‎عن‎ ‎سمرة بن جندب‎ ‎، قال: أما بعد، قال رسول الله صلى الله عليه‎ ‎وسلم‎)) ‎من جامع المشرك، وسكن معه‎ ‎فإنه مثله‎ (( ‎أخرجه أبو داود قبيل كتاب الضحايا، وعلقه‎ ‎الترمذي‎ ‎في السير‎.
أخرج أبو داود،‎ ‎والترمذي‎ ‎عن جرير بن عبد الله أن‎ ‎رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‎)) ‎أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر‎ ‎المشركين، قالوا: يا رسول الله، لِمَ؟ قال: لا تراءى ناراهما‎ ‎‎((.
قال‎ ‎الخطابي‎ ‎في شرحه: "فيه وجوه: أحدها معناه، لا يستوي‎ ‎حكماهما، قاله بعض أهل العلم، ‏وقال بعضهم: معناه أن الله قد فرق بين داري الإسلام‎ ‎والكفر، فلا يجوز لمسلم أن يساكن الكفار ‏في بلادهم، حتى إذا أوقدوا نارًا كان منهم‎ ‎بحيث يراها، وفيه دلالة على كراهة دخول المسلم دار ‏الحرب للتجارة والمقام فيها أكثر‏‎ ‎من مدة أربعة أيام‎" (‎معالم السنن للخطابي، كتاب الجهاد، باب ‏على ما يقاتل‎ ‎المشركون، 3/ 437‏‎).
وأخرج أبو داود في المراسيل عن‎ ‎مكحول‎ ‎، عن‎ ‎النبي صلى الله عليه وسلم قال‎:(( ‎لا تتركوا ‏الذرية إزاء العدو‎ )) ‎ذكره‎ ‎ابن القيم‎ ‎رحمه الله في‎ ‎تهذيب السنن 3: 437، في سياق كراهة مساكنة ‏المشركين‎.
ومن هنا ذكر بعض الفقهاء‎ ‎أن سكنى دار الحرب وتكثير سوادهم لأجل المال مما يسقط‎ ‎العدالة‎ (‎راجع‎ ‎تكملة رد المحتار: 1/ 101‏‎).
أما إذا كان‎ ‎التجنس‎ ‎بالجنسيات‎ ‎الأجنبية اعتزازًا بها، وافتخارًا، أو لتفضيلها على الجنسيات ‏المسلمة، أو للتشبه‎ ‎بأهلها في الحياة العملية، فإن ذلك حرام مطلقًا، ولا حاجة إلى التدليل على ذلك‎. ‎‎
2- أما خطورة تنشئة‎ ‎الأبناء المسلمين في البلاد الأجنبية‎:

فخطورة واقعة فيجتنب عنها في‎ ‎الظروف التي يكره أو يحرم فيها‎ ‎التجنس‎ ‎حسب ما ذكرنا في ‏الجواب عن‎ ‎السؤال الأول‎.
وأما في الظروف التي يجوز فيها التجنس بدون كراهة، فإنها مواضع‎ ‎ضرورة، أو حاجة، ‏فيجب على المبتلي به في مثل هذه المواضع، أن يعنى بتربية أولاده‎ ‎عناية خاصة، ويجب على ‏المسلمين المقيمين في تلك البلاد أن يحدثوا من أجل ذلك جوًا‎ ‎تربويًا فيه الناشئة المسلمة محافظة ‏على عقائدها، وأعمالها، وأخلاقها الدينية‎. ‎
3‏‎ ‎و 4‏‎ – ‎زواج المسلمة بغير المسلم‎:

لا يجوز لمسلمة أن تنكح غير مسلم في حال من‎ ‎الأحوال، قال الله تعالى{‏‎ ‎وَلاَ تُنكِحُواْ ‏الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ‎ ‎مِّنْ مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ‏‎ ‎‏}‏‎ ‎وقال تعالى {‏‎ ‎لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ ‏وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ‎ ‎‏}‏‎.
وإن الطمع في‎ ‎الإسلام أحد لا يبرر لمسلمة أن تعقد معه الزواج، فإن مثل هذا الطمع ‏الموهوم لا يحل‎ ‎حرامًا‎.
وكذلك لو أسلمت المرأة وزوجها كافر، فإن النكاح ينقطع بينها وبينه‎ ‎بمجرد إسلامها عند ‏الجمهور، وبإنكار الزوج عن الإسلام بعد العرض عليه عند الحنفية،‎ ‎فلو أسلم الزوج وهي في ‏عدته، رجع النكاح الأول، ولو لم يسلم إلا بعد العدة، لا ترجع‎ ‎إليه الزوجة المسلمة إلا بنكاح جديد ‏بينهما، وهذا أمر فقد اتفق عليه الفقهاء قديمًا‏‎ ‎وحديثًا، وإن الطمع الموهوم في إسلام الزوج لا يغير ‏حكم الشرع‎. ‎
5- الدفن في مقابر‎ ‎غير المسلمين‎:

لا يجوز دفن موتى المسلمين في مقابر غير المسلمين إلا إذا‎ ‎لم يكن من ذلك بد، وذلك بأن ‏لا يكون للمسلمين مقبرة، ولا يسمح لهم بالدفن خارج‎ ‎مقبرة الكفار، كما هو مذكور في السؤال، ‏فحينئذ يجوز ذلك للضرورة‎. ‎
6- حكم بيع‎ ‎المساجد‎:

إن المواضع التي يصلي فيها المسلمون في البلاد الغربية على‎ ‎قسمين‎: الأول: ما يتخذونه موضع صلاة للمسلمين، ومحل اجتماعاتهم الدينية، دون أن‎ ‎يجعلوه مسجدًا ‏فقهيًا، بأن يقفوا ذلك المحل والبناء كمسجد، ولذلك ربما يسمونها‎ "‎المركز الإسلامي" أو "دار ‏صلاة" أو "دار جماعة" ولا يسمونه مسجدًا‎.
وأن الأمر‎ ‎في مثل هذه المواضع سهل ميسور، لأنها وإن كانت تستعمل للصلاة فيها، ليست ‏مساجد‎ ‎شرعية، لأن أهلها لم يجعلوها مسجدًا، فكلما أراد أهلها أن يبيعوا هذه المواضع لصالح‏‎ ‎المسلمين جاز لهم ذلك‎ ‎بالإجماع‎ .
والثاني: ما اتخذوه مسجدًا‎ ‎شرعيًا، وجعلوا أرضه وقفًا كمسجد، فالحكم في مثل ذلك عند ‏جمهور الفقهاء أن هذا‎ ‎المكان يبقى مسجدًا إلى قيام الساعة، ولا يجوز بيعه في حال من الأحوال، ‏ولا يرجع‎ ‎إلى ملك واقفه أبدًا، وهذا مذهب‎ ‎مالك‎ ‎، و‎ ‎الشافعي‎ ‎،‎ ‎وأبي حنيفة‎ ‎،‎ ‎وأبي يوسف‎ ‎رحمهم ‏الله تعالى‎.
يقول‎ ‎الخطيب الشربيني الشافعي‎ ‎رحمه الله: "ولو انهدم مسجد، وتعذرت‎ ‎إعادته أو تعطل ‏بخراب البلد مثلًا، لم يعد ملكًا، ولم يبع بحال، كالعبد إذا عتق، ثم‎ ‎زمن، ولم ينقض إن لم يخف ‏عليه لإمكان الصلاة فيه، ولإمكان عوده كما كان.. فإن خيف‎ ‎عليه نقض، وبنى الحاكم بنقضه ‏مسجدًا آخر إن رأى ذلك وإلا حفظه، وبناؤه بقربه أولى،‎ ‎ولا يبنى به بئرًا‎" .
ويقول‎ ‎المواق‎ ‎من فقهاء‎ ‎المالكية: "ابن عرفة من المدونة وغيرها: يمنع ما خرب من ربع ‏الحبس مطلقًا،.. وعبارة‎ ‎الرسالة: ولا يباع الحبس وإن خرب.. وفي الطرر عن ابن عبد الغفور: ‏لا يجوز بيع مواضع‎ ‎المسجد الخربة، لأنها وقف، ولا بأس ببيع نقضها‎" .
وجاء في الهداية من كتب‎ ‎الفقه الحنفي: "ومن اتخذ أرضه مسجدًا لم يكن له أني رجع فيه، ‏ولا يبيعه ولا يورث‎ ‎عنه، لأنه تجرد عن حق العباد، وصار خالصًا لله، وهذا لأن الأشياء كلها لله ‏تعالى،‎ ‎وإذا أسقط العقد ما ثبت له من الحق رجع إلى أصله، فانقطع تصرفه عنه، كما في‎ ‎الإعتاق، ولو خرب ما حول المسجد واستغنى عنه يبقى مسجدًا عند‎ ‎أبي يوسف‎ ‎لأنه إسقاط منه، ‏فلا يعود إلى ملكه" (المداية مع فتح القدير: 5/ 446‏‎). ‎
إلا أن مذهب الإمام‎ ‎أحمد‎ ‎رحمه الله في مثل هذا أن المسجد‎ ‎يجوز بيعه عندما وقع الاستغناء ‏عنه بالكلية‎ ‎فقد جاء في المغني‎ ‎لابن قدامة‎ : "‎أن الوقف إذا خرب، وتعطلت منافعه، كدار انهدمت ‏أو أرض‎ ‎خربت، وعادت مواتًا، ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه، وصار في ‏موضع‎ ‎لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله، ولم يمكن توسيعه في وضعه، أو تشعب جميعه، فلم تمكن‎ ‎عمارته ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه، جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته، وإن لم يمكن‎ ‎الانتفاع ‏بشيء منه بيع جميعه، (المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير: 6/ 225‏‎) .
وهناك قول آخر: وهو قول الإمام محمد بن الحسن الشيباني، أن الوقت إذا استغني‎ ‎عنه ‏تمامًا، فإنه يعود إلى ملك الواقف، أو إلى وراثه بعد موته، يقول صاحب الهداية‎: "‎وعند محمد ‏يعود إلى ملك الباني، أو إلى وراثه بعد موته، لأنه عينه لنوع قربة، وقد‎ ‎انقطعت، فصار كحصير ‏المسجد وحشيشه إذا استغني عنه" (5/ 446‏‎).
فإذا عاد إلى ملك‎ ‎الواقف جاز له بيعه بعد ذلك‎.
وأن الجمهور استدلوا على قولهم بعدم جواز البيع،‎ ‎وعدم انتقاله إلى ملك الواقف، بقصة ‏عمر رضي الله عنه‎ ‎بخيبر‎ ‎على عهد‎ ‎رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من شرائط الوقف‎: )) ‎أنه لا يباع أصلها، ولا تابع، ولا‎ ‎تورث ولا توهب‎ (( ‎أخرجه الشيخان وهذا لفظ مسلم في باب ‏الوقف‎.
واستدل‎ ‎الإمام‎ ‎أبو يوسف‎ ‎للجمهور بالكعبة أيضًا، فإن في زمن الفَتْرَة قد كان‎ ‎حول الكعبة ‏عبدة أصنام، وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية، ثم لم يخرج موضع‎ ‎الكعبة به من أن ‏يكون موضع طاعة وقربة خالصة لله تعالى فكذلك سائر المساجد، واعترض‎ ‎عليه ابن الهمام في ‏فتح القدير: 5/ 446، بأن الطواف لم يزل باقيًا على عهد الفترة‎ ‎أيضًا، فلم تترك العبادة المقصودة ‏بالكعبة رأسًا، وأجاب عنه الشيخ العثماني‎ ‎التهانوي رحمه الله بأن القربة التي عينت لها لكعبة هي ‏الصلاة إليها، دون الطواف‎ ‎وحده، لقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام بعد ذكر إسكانه ‏ذريته عند البيت‎ ‎الحرام{‏‎ ‎رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ‎ ‎‏}‏‎ ‎ولم يذكر الطواف، وقوله{‏‎ ‎وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ ‏وَالْقَائِمِينَ‎ ‎‏}‏‎ ‎مفسر بالمسافرين‎ ‎والمقيمين كقوله{‏‎ ‎سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ‎ ‎‏}‏‎ (‎راجع إعلاء السنن: ‏‏13/ 212)، وإن من‎ ‎أقوى أدلة الجمهور في هذا الباب قوله الله تعالى{‏‎ ‎وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا ‏تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا‎ ‎‏}‏‎.
قال‎ ‎ابن العربي‎ : ‎إذا تعينت لله أصلًا، وعينت له‎ ‎عقدًا، صارت عتيقة عن التملك، مشتركة ‏بين الخليفة في العبادة‎ " ‎أ" (أحكام‎ ‎القرآن لابن العربي: 4/ 1869) وأخرج ابن جرير في تفسيره ‏‏29/ 73 عن عكرمة{‏‎ ‎وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ‎ ‎‏}‏‎ ‎قال: المساجد كلها‎.
وأما الإمام‎ ‎أحمد‎ ‎فاستدل له‎ ‎ابن قدامة‎ ‎في المغني: 6/ 226، بما روي أن‎ ‎عمر رضي الله ‏عنه كتب إلى سعد لما بلغ أنه قد نقب‎ ‎بيت المال‎ ‎الذي‎ ‎بالكوفة‎ : ‎انقل المسجد الذي بالتمارين، ‏واجعل بيت المال قبلة المسجد،‎ ‎فإنه لن يزال في المسجد مصل‎.
وأجاب عنه ابن الهمام (في فتح القدير: 5/ 446) بأن‎ ‎يمكن أنه أمره باتخاذ بيت المال في ‏المسجد‎.
ويبدو أن المذهب الراجح في هذا مذهب‎ ‎الجمهور، فلا ينبغي أن يباع مسجد بعد ما تقرر ‏كونه مسجدًا، وإلا لصارت المساجد مثل‎ ‎كنائس النصارى، يبيعونها كلما شاءوا، ولكن المسألة لما ‏كانت مجتهدًا فيها، وفي كلا‎ ‎الجانبين دلائل من الكتاب والسنة، فلو خيف الاستيلاء من قبل الكفار ‏على مسجد ارتحل‎ ‎عن جواره أهله، ولم يرج عود المسلمين إلى ذلك المكان، ففي مثل هذه ‏الضرورة الشديدة،‎ ‎يبدو أنه لا بأس بالأخذ بقول الإمام‎ ‎أحمد‎ ‎أو‎ ‎محمد بن الحسن‎ ‎رحمهما الله ‏تعالى، ويباع بناء المسجد ويصرف ثمنه إلى بناء مسجد آخر، لا إلى‏‎ ‎مصرف سوى المسجد، قد ‏نص عليه فقهاء الحنابلة حيث قالوا: "ولو جاز جعل أسفل المسجد‎ ‎سقاية وحوانيت لهذه الحاجة، ‏لجاز تخريب المسجد، جعله سقاية وحوانيت، ويجعل بدله‎ ‎مسجدًا في موضع آخر" (راجع المغني‎ ‎لابن قدامة‎ : ‎‏6‏‎/ ‎‏228‏‎).
ثم إن‎ ‎جواز هذا البيع إنما يصار إليه أن تحقق انتقال جميع السكان هما حول المسجد، ولم‎ ‎يرجع عودهم إليه، فإن انتقل أكثر السكان، وبقي منهم بعض، فلا سبيل إليه، قد نص عليه‎ ‎الفقهاء ‏الحنابلة أيضًا حيث قالوا: "وإن لم تتعطل مصلحة الوقف بالكلية لكن قلت‎: ‎وكان غيره أنفع منه، ‏وأكثر ردًا على أهل الوقف لم يجز بيعه، لأن الأصل تحريم البيع،‎ ‎وإنما أبيح للضرورة صيانة ‏لمقصود الوقف عن الضياع مع إمكان تحصيله، ومع الانتفاع‎ ‎وإن قل ما يضيع المقصود (المغني‎ ‎لابن قدامة‎ : ‎‏6‏‎/ ‎‏227‏‎). ‎
7- سفر المرأة بغير‎ ‎محرم‎:

أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله‎ ‎صلى الله عليه ‏وسلم: ((‏‎ ‎لا تسافر‎ ‎المرأة فوق ثلاث إلا ومعها زوج أو ذو رحم محرم منها‎ ‎‏))‏‎ ‎هذا الحكم الصريح ‏قد‎ ‎أخذ به جمهور الفقهاء، حتى إنهم لم يجوزوا لها أن تسافر بدون محرم لضرورة الحج، وأن‎ ‎الدراسة والعمل في البلاد الأجنبية ليس من ضرورة النساء المسلمات في شيء، إن‎ ‎الشريعة لم ‏تأذن للمرأة بالخروج من دارها إلا لحاجة ملحة، وقد ألزم أباها وزوجها‎ ‎بأن يكفل لها بجميع ‏حاجاتها المالية، فليس لها أن تسافر بغير محرم لمثل هذه‎ ‎الحوائج‎.
أما إذا كانت المرأة ليس لها زوج أو أب، أو غيرهما من أقاربها الذين‎ ‎يتكفلون لها ‏بالمعيشة، وليس عندها من المال ما يسد حاجتها، فحينئذ يجوز لها أن تخرج‎ ‎للاكتساب بقدر ‏الضرورة، ملتزمة بأحكام الحجاب، فيكفي لها في مثل هذه الحال أن تكتسب‎ ‎في وطنها، ولا حاجة ‏لها إلى السفر إلى البلاد الأجنبية، ولو لم تجد بدًا من السفر‎ ‎في وطنها من بلد إلى آخر، ولم تجد ‏أحدًا من محارمها، ففي مثل هذه الحالة فقط يسع‎ ‎لها أن تأخذ بمذهب مالك، والشافعي، حيث ‏جوزوا لها السفر مع النساء المسلمات الثقات،‎ (‎راجع له المغني‎ ‎لابن قدامة‎ : ‎‏3‏‎/ ‎‏170‏‎). ‎
8- إقامة النساء‎ ‎بمفردهن‎:

قد ذكرنا في الجواب عن السؤال السابع أن النسوة المسلمات لا‎ ‎ينبغي لهن السفر إلى بلاد ‏غير المسلمين للدراسة أو الاكتساب، وأما إذا كانت المرأة‎ ‎قد توطنت إحدى هذه البلاد مع ‏محارمها، ثم بقيت مفردة لموت محارمها، أو انتقالهم من‎ ‎ذلك المكان لسبب ما، فإنه لا مانع لها ‏من الإقامة بمفردها، ما دامت ملتزمة بأحكام‏‎ ‎الشرع في الحجاب‎. ‎
9- ‏‎ ‎حجاب الوجه‎ ‎والكفين‎:

إن جواب هذا السؤال موقوف على مسألة مستقلة وهي: هل الوجه داخل‎ ‎في أحكام الحجاب ‏أو لا؟ وإن هذه المسألة تحتاج أن تكون موضوعًا مستقلًا من موضوعات‎ ‎الدراسة التي في ‏المجمع، فإن البحث فيه يطول، فالمناسب أن تجعل هذه المسألة في جدول‎ ‎أعمال المجمع لدورة ‏من الدورات القادمة‎. ‎
10‏‎ ‎و 11 – العمل في‏‎ ‎المطاعم التي تبيع الخمور والخنازير‎:

العمل في مطاعم الكفار إنما يجوز‎ ‎بشرط أن لا يباشر المسلم سقي الخمر أو تقديم الخنزير، ‏أو المحرمات الأخرى، فإن سقي‎ ‎الخمر أو تقديمها إلى من يشربها حرام بنص صريح، عن‎ ‎ابن ‏عمر‎ ‎قال: قال‎ ‎رسول الله صلى الله عليه وسلم((‏‎ ‎لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ‏ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها،‎ ‎والمحمولة إليه‎ ‎‏))‏‎.
‏‎ (‎أخرجه أبو داود في الأشربة، باب العنب يعصر للخمر‎: ‎‏3‏‎/ ‎‏326‏‎ ‎رقم الحديث: 3674‏‎). وأخرج‎ ‎الترمذي‎ ‎عن‎ ‎أنس بن‎ ‎مالك‎ ‎، قال: ((‏‎ ‎لعن رسول‎ ‎الله صلى الله عليه وسلم في الخمر ‏عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها،‎ ‎والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، ‏والمشتري لها، والمشتراة له))، قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أنس، وقد روى نحو ‏هذا عن‎ ‎ابن عباس‎ ‎،‎ ‎وابن مسعود‎ ‎،‎ ‎وابن عمر‎ ‎عن النبي‎ ‎صلى الله عليه وسلم‎.
‏‎ (‎جامع‎ ‎الترمذي‎ : ‎‏2‏‎/ ‎‏280‏‎ ‎كتاب البيوع باب ما‎ ‎جاء في بيع الخمر: رقم: 1313‏‎). وأخرج‎ ‎ابن ماجه‎ ‎حديث‎ ‎أنس‎ ‎بلفظ: ((‏‎ ‎عاصرها،‎ ‎ومعتصرها، والمعصورة له، وحاملها، ‏والمحمولة له، وبائعها، والمبيوعة له، وساقيها،‎ ‎والمستقاة له))‏‎ ‎(‎سنن‎ ‎ابن ماجه‎ : ‎‏6‏‎/ ‎‏1122، كتاب الأشربة،‎ ‎رقم: 3381‏‎).
وقد أخرج الشيخان عن‎ ‎عائشة‎ ‎قالت: ‏‎ ‎‏((لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة‎ ‎خرج رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم فاقترأهن على الناس، ثم نهى عن التجارة في الخمر‎ ‎‏)) أخرجه‎ ‎البخاري‎ ‎في المساجد، وفي البيوع، وفي تفسير سورة‎ ‎البقرة،‎ ‎ومسلم‎ ‎في البيوع، باب تحريم بيع الخمر‎). وأخرج مسلم عن‎ ‎ابن عباس‎ ‎مرفوعًا ((‏‎ ‎أن الذي حرم شربها حرم بيعها‎ ‎‏))‏‎ ‎وأخرجه‎ ‎أحمد‎ ‎في ‏مسنده: 1/ 244) عن عبد الرحمن بن وعلة أنه‎ ‎سأل ابن عباس، قال: إنا بأرض لنا بها الكروم، ‏وإن أكثر غلاتها الخمر فذكر ابن عباس‎ ‎أن رجلًا أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم رواية ‏خمر، فقال رسول الله صلى الله‎ ‎عليه وسلم ((‏‎ ‎إن الذي حرَّم شربها‎ ‎حرَّم بيعها‎ ‎‏))‏‎.
فتبين من هذه الأحاديث أن التجارة في الخمر أو حملها،‎ ‎أو سقيها بالأجرة حرام، وظهر من ‏فتوى‎ ‎ابن عباس‎ ‎رضي الله عنه أن ذلك‎ ‎لا يحل لمسلم، ولو للاكتساب في أرض شاع فيها عصر ‏الخمر من الكروم‎.
ولا أعلم‎ ‎أحدًا من الفقهاء أباح مثل هذا العمل‎. ‎ ‎
12- ‏‎ ‎حكم الأدوية‎ ‎المركبة من الكحول‎:

هذه المسألة لا تختص بالبلاد الأجنبية، وإنما عمت‎ ‎بها البلوى في سائر البلدان، بما فيه ‏البلاد الإسلامية، والحكم فيها على طريق‎ ‎الحنفية سهل، لأن الأشربة المتخذة من غير العنب ‏والتمر تحل عند‎ ‎أبي حنيفة‎ ‎وأبي يوسف‎ ‎بقصد التقوي أو‎ ‎التداوي‎ ‎، ما لم تبلغ‎ ‎حد الإسكار (كما في ‏فتح القدير: 8/ 160)، وإن معظم الكحول المستعملة في الأدوية‏‎ ‎اليوم لا تصنع من عنب ولا تمر، ‏
وإنما تصنع من السلفات والكبريتات، والعسل، والدبس،‎ ‎والحب، والشعير، والجودار، ‏وغيرها‎.
‏‎ (‎راجع دائرة المعارف البريطانية: 6/ 544،‎ ‎المطبوعة 1950 م‏‎).
فإن كانت الكحول المستعملة في الأدوية متخذة من غير العنب‎ ‎والتمر فإن تناولها جائز في ‏مذهب‎ ‎أبي حنيفة‎ ‎وأبي يوسف‎ ‎رحمهما الله، ما لم تبلغ حد الإسكار، ويمكن أن يؤخذ بقولهما لحاجة‎ ‎التداوي‎ ‎، وأما إذا كانت الكحول متخذة من العنب أو التمر، فلا يجوز‎ ‎استعمالها إلا إذا أخبر طبيب ‏عدل أنه ليس له دواء آخر، لأن التداوي بالمحرم يجوز‎ ‎عند الحنفية في هذه الحالة (كما في البحر ‏الرائق 1/ 116‏‎).
وأما الشافعية فلا‎ ‎يجوز عندهم استعمال الأشربة المحرمة للدواء صرفًا، ولكن إذا كانت ‏مستهلكة مع دواء‎ ‎آخر، فيجوز التداوي بها عندهم إن عرف بنفعها وتعيينها، بأن لا يغني عنها ‏طاهر،‎ ‎كما صرح به‎ ‎الرملي‎ ‎في نهاية المحتاج حيث قال: "أما مستهلكة مع‎ ‎دواء آخر، فيجوز ‏التداوي بها، كصرف بقية النجاسات إن عرف، أو أخبره طبيب عدل بنفعها‎ ‎بأن لا يغني عنها ‏طاهر‎" .
‏‎ (‎نهاية المحتاج للرملي: 8/ 12‏‎).
والكحول لا‎ ‎تستعمل للدواء صرفًا، وإنما تكون مستهلكة في دواء آخر، فتناولها لحاجة ‏الدواء جائز‎ ‎عند الشافعية أيضًا‎.
وأما المالكية والحنابلة فلا يجوز عندهم فيما أعلم‎ ‎التداوي‎ ‎بالمحرم في حال من الأحوال إلا ‏عند الاضطرار‎.
وحيث‎ ‎عمت البلوى في هذه الأدوية، فينبغي أن يؤخذ في هذا الباب بمذهب الحنفية، أو‎ ‎الشافعية، والله أعلم‎.
ثم هناك جهة أخرى، ينبغي أن يسأل عنها خبراء الكيمياء‎ ‎وهو: أن هذه الكحول بعد تركيبها ‏بأدوية أخرى، هل تبقى على حقيقتها أو تستحيل‎ ‎حقيقتها وماهيتها بعمليات كيمياوية؟ فإن كانت ‏ماهيتها تستحيل بهذه العمليات بحيث لا‎ ‎تبقى "كحول" وإنما تصير شيئًا آخر، فيظهر أن عند ذلك ‏يجوز تناولها باتفاق الأئمة،‎ ‎لأن الخمر إذا صارت خلًّا جاز تناولها في قولهم جميعًا لاستحالة ‏الحقيقة‎. ‎
13- ‏‎ ‎الخمائر‎ ‎والجلاتين المتخذة عن الخنزير‎:

إن كان العنصر المستخلص من الخنزير‎ ‎تستحيل ماهيته بعملية كيمياوية، بحيث تنقلب ‏حقيقته تمامًا، زالت حرمته ونجاسته، وإن‎ ‎لم تنقلب حقيقته بقي على حرمته ونجاسته، لأن انقلاب ‏الحقيقة مؤثر في زوال الطهارة‎ ‎والحرمة عند الحنفية‎. ‎
14- حفلات الزواج في‎ ‎المساجد‎:

أما عقد النكاح في المسجد فشيء مندوب، نطقت باستحبابه الأحاديث‎ ‎ولكن ما يصحبه من ‏الرقص، والغناء فلا يجوز أصلًا، فإن كانت حفلات الزواج لا تخلو من‏‎ ‎هذه المنكرات، فلتجنب ‏المساجد منها‎. ‎
15- التسمي بالأسماء‎ ‎النصرانية‎:

إذ كان التسمي بالأسماء النصرانية لازمًا من قبل الحكومة،‎ ‎فيجوز أن يختار من الأسماء ما ‏هو مشترك بين المسلمين، والنصارى، كإسحاق، وداود،‎ ‎وسليمان، ومريم، ولبنى، وراحيل، ‏وصفوراء، وما إلى ذلك، ويمكن أيضًا أن يسجل المولود‎ ‎باسم من أسماء القائمة اللازمة في دوائر ‏الحكومة، ويدعى في البيت باسم آخر إسلامي‎. ‎
16- النكاح بإضمار‎ ‎نية الفرقة‎:

ما دامت صيغة النكاح لا تتقيد بوقت ولا زمان، وتستوفي‎ ‎الشروط انعقاد النكاح، فإن النكاح ‏منعقد، والتمتع به جائز، وأما ما يضمره‎ ‎المتعاقدان أو أحدهما من نية الفرقة بعد اكتمال مدة ما، ‏فلا أثر له في صحة النكاح‎ ‎غير أنه لما كان النكاح في الشريعة عقدًا مؤبدًا، فالمطلوب فيه أن ‏يستدام من قبل‎ ‎الزوجين، ولا ينقص إلا عند حاجة شديدة تقتضي ذلك، وإن إضمار نية الفرقة منذ ‏أول‎ ‎الأمر ينافي هذا المقصود، فلا يخلو من كراهية ديانة، فلا يصار إليه لا عند الضرورة‎ ‎من ‏شدة الشبق فرارًا من الزنا الحرام‎. ‎
17- التزين في محلات‎ ‎العمل‎:

قد أسلفنا في الجواب عن السؤال السابع حكم خروج المرأة للاكتساب،‎ ‎وبناء على ذلك، لو ‏كان هنالك ما يبرر خروجها شرعًا، فمن اللازم عليها ألا تخرج‎ ‎متبرجة بزينة‎. ‎
18‏‎- ‎مصافحة المرأة‎ ‎للأجانب‎:

إن مصافحة المرأة للأجانب لا تجوز بحال، قد نطقت بذلك‎ ‎الأحاديث، واتفق عليها الفقهاء‎. ‎
19- استئجار الكنائس‎ ‎لإقامة الصلاة‎:

لا بأس باستئجار الكنائس لتتخذ أماكن لإقامة الصلاة،‎ ‎لقوله عليه الصلاة والسلام: ((‏‎ ‎جعلت ‏لي الأرض كلها مسجدًا‎ ‎‏))‏‎ ‎ولكن ينبغي أن تزاح منها التماثيل والأصنام،‎ ‎فإن الصلاة في بيت فيه ‏تماثيل مكروهة، وقد امتنع‎ ‎عمر بن الخطاب‎ ‎رضي‎ ‎الله عنه من دخول الكنائس من أجل التماثيل، ‏فيما علقه البخاري في كتاب الصلاة، باب‎ ‎الصلاة في البيعة، وأسنده‎ ‎عبد الرزاق‎ ‎، وذكر‎ ‎البخاري‎ ‎أيضًا أن‎ ‎ابن عباس‎ ‎كان يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تماثيل‎ ‎وأسنده البغوي في الجعديات، وزاد ‏فيه: "فإن كان فيها تماثيل خرج، فصلى في المطر‎" (‎راجع فتح الباري: 1/ 532 رقم 435‏‎). ‎
20- حكم ذبائح أهل‎ ‎الكتاب‎:

الذي أعتقده وأدين الله تعالى عليه أن مجرد كون الذابح من أهل‎ ‎الكتاب لا يجعل الذبيحة ‏حلالًا، حتى يسمى الله تعالى عليه، ويفري الأوداج بطريق‎ ‎شرعي، كما أن مجرد كون الذابح ‏مسلمًا، لا يذكي الذبيحة، حتى يستوفي جميع شرائط‎ ‎الزكاة الشرعية، وإنما أحل الإسلام ذبائح أهل ‏الكتاب دون من سواهم من المشركين؛ لأن‎ ‎أهل الكتاب كانوا ملتزمين بشروط الزكاة الإسلامية‎. وعلى هذا الأساس، لا تحل‎ ‎ذبائح أهل الكتاب إلا بهذه الشروط، وبما أن معظم النصارى قد تركوا ‏اليوم الالتزام‎ ‎بشروط الزكاة التي هي واجبة في أصل دينهم فإن ذبائحهم لا تحل للمسلمين إلا إذا ‏تحقق‎ ‎أنهم قد استوفوا هذه الشروط‎.
وهذا بخلاف ما يزعمه كثير من الناس اليوم أن‎ ‎ذبائحهم حلال، وإن لم يذكروا اسم الله ‏عليها، وعندي في ذلك دلائل قوية من الكتاب‎ ‎والسنة، وأقوال الفقهاء، وعبارات كتب أهل الكتاب، ‏ولكن هذا الموضوع يحتاج إلى تفصيل‎ ‎لا يسعه هذه الفتوى فالأحسن أن يدرج هذا الموضوع في ‏قائمة أعمال المجمع، ويطلب من‎ ‎الأعضاء الكتابة عليه كموضوع مستقل، وحينئذ تعرض الدلائل ‏ببسط وتفصيل إن شاء الله‎ ‎تعالى‎. ‎
21- حضور المناسبات‎ ‎التي فيها منكرات شرعية‎:

لا يجوز للمسلمين أن يحضروا مثل هذه المناسبات‎ ‎التي تتعاطى فيها الخمور والخنازير، ‏وتراقص فيها النساء الرجال، ولا ضرورة داعية‎ ‎لذلك، إلا الحصول على الجاه والسمعة، ولا ‏ينبغي لمسلم أن يخضع لكل ما يعتريه من‎ ‎أسباب الفسق، وخوارم الديانة، وإنما ييجب عليه في ‏مثل هذه المواضع أن يصمد على دينه‎ ‎ولو أجمع المسلمون- وعددهم في البلاد الأجنبية غير ‏قليل- على تجنب مثل هذه‏‎ ‎المناسبات، للجأ الأجانب عند دعوتهم إلى إخلائها من هذه المنكرات‎. ‎
22‏‎ ‎و 23‏‎ – ‎إن هذين السؤالين يجب أن يكونا موضوعين مستقلين في قائمة أعمال ‏الدراسات في‎ ‎المجمع، لأن الجواب عنهما يحتاج إلى دراسة أوسع وأعمق‎.

24- عمل المسلم في‎ ‎دوائر الحكومة‎:

لا باس بأن يتوظف الرجل عملًا في دوائر وزارات‎ ‎الحكومة الأمريكية‎ ‎، أو غيرها من ‏حكومات البلاد الكافرة، وكذلك لا بأس‎ ‎بقبول مثل هذه الأعمال في مجالات الصناعة الذرية، أو ‏الدراسات الاستراتيجية، ولكن‎ ‎إن فرض إليه عمل يضر بعامة المسلمين في بلد من البلاد، فمن ‏الواجب عليه أن يتجنبه،‎ ‎ولا يعنيهم لفي ذلك ولو على قيمة استقالته من ذلك العمل‎. ‎
25- تصميم المهندس‎ ‎كنائس النصارى‎:

لا يجوز لمهندس مسلم أن يصمم معابد الكفار لقوله‎ ‎تعالى‎:‎‏{‏‎ ‎وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ ‏تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ‎ ‎وَالْعُدْوَانِ‎ ‎‏}‏‎. ‎
26- عمل الأزواج‎ ‎والآباء في بيع الخمور‎:

يجب على الزوجات في مثل هذه الحال أن يبذلوا‏‎ ‎أقصى ما في وسعهم في تحذير أزواجهن ‏عن العمل في بيع الخمور والخنازير ولكنهم إن‎ ‎أبوا إلا العمل فيه، فإن تيسر لهن تحمل نفقات ‏أنفسهن بطرق مباحة، فلا يجوز لهن‎ ‎الأكل من أموال أزواجهن، وإن لم يتيسر لهن ذلك، فيسع لهم ‏الأكل، والإثم على الأزواج‎ ‎والآباء، للأطفال الصغار حكم الزوجات، أما الأولاد الكبار فعليهم أن ‏يكتسبوا‎ ‎لأنفسهم، ولا يأكلوا من هذا المال‎.
وجواز الأكل للزوجة في مثل هذه الحالة قد‎ ‎صرح به بعض الفقهاء،‎ ‎قال‎ ‎ابن عابدين‎ ‎رحمه ‏الله: "امرأة‎ ‎زوجها في أرض الجور، إذا أكلت من طعامه ولم يكن عينه غصبًا أو اشترى طعامًا ‏أو كسوة‎ ‎مال أصله ليس بطيب فهي في سعة من ذلك، والإثم على الزوج‎" (‎رد المحتار، كتاب‎ ‎الحظر‎ ‎والإباحة‎ ‎، فصل في البيع: 5/ 247 وكتاب البيوع، باب البيع‏‎ ‎الفاسد‎). ‎
27- التبرع‎ ‎للكنيسة‎:

لا يجوز لمسلم سواء كان فردًا أو هيئة، أن يتبرع لمؤسسات‎ ‎تنصيرية، أو كنيسة أما ‏المؤسسات التعليمية الخالصة، فلا بأس بالتبرع لها‎. ‎
28- شراء‎ ‎المنزل بواسطة البنوك‎:

إن المعاملة المذكورة غير جائزة لاشتمالها على‎ ‎الربا الحرام شرعًا، وينبغي للمسلمين ‏وعددهم غير قليل أن يجتهدوا لإيجاد بدائل هذه‎ ‎المعاملة الموافقة للشرعية الإسلامية، بأن يكون‏‎ ‎البنك‎ ‎نفسه هوا‎ ‎لبائع بتقسيط، ويزيد في ثمن البيوت وغيرها من الثمن المعروف، فيشتريها من ‏الباعة،‎ ‎ويبيعها إلى زبائنها بربح مناسب، وينبغي أن تطرح هذه المسألة على لجنة مستقلة تكون‎ ‎لتخطيط نظام البنوك اللاربوي، لتنظر في تفاصيلها‎. هذا ما تبين لي، الله سبحانه‎ ‎وتعالى أعلم بالصواب‎. ‎ ‎