وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
السؤال الأول: حكم التجنس بجنسية بلد غير إسلامي:
الجنسية أمر حادث نشأ في القرن الثامن عشر تبعًا لتطور المفهوم الوطني وقد قام أولًا على نظريتين متقابلتين:
النظرية الأولى: نظرية جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، "كل إنسان هو في ذاته ليس لأي كان مهما كانت الذريعة التي يتذرع بها أن يخضع غيره بدون موافقته، وانفتحت فكرة الإرادة العامة هذا أخيرًا على مبدأ السيادة القومية ، فتبع الإعلان عن حقوق الإنسان الإعلان عن حقوق الأمم.
فإذا كانت السيادة تكمن في الشعب وإذا كان القانون من جهة ثانية تعبيرًا عن الإرادة الجماعية فإنه يتبع ذلك أن الإدارة العامة هي وحدها المؤهلة لأن تفرض أو تتنازل أو تحول السيادة فيستطيع المجلس التأسيسي أن يعلن مبكرًا حق الشعوب في قيادة نفسها بنفسها".
أما النظرية الثانية: فهي النظرية الألمانية التي تؤمن بأن الجنسية هي عبارة عن اتخاذ جماعة بشرية في التاريخ واللغة والجنس ويقول فيشت في حواره الخامس: الجنسية الألمانية: إن الذين يتكلمون لغة واحدة هم ينسبون قبل كل شيء إلى جنسية واحدة.
تصارعت النظريتان بين الثوريين الفرنسيين الذين يرون الجنسية عقد يقوم على حرية الإرادة والنظرية الألمانية التي تقوم على أن الجنسية كائن عضوي يقوم على حرية الإرادة والنظرية الألمانية التي تقوم على أن الجنسية كائن عضوي بصفة أصلية في اللغة الأولى للشعب.
وكان ميدان الصراع الذي طبقت فيه النظريتان الألراس واللوران.
وقد انتهى الصراع بفوز النظرية الفرنسية خاصة بعد إعلان ولسون في الحرب العالمية الأولى وإعلان ميثاق الأطلنطي أثناء الحرب العالمية الثانية فكلما تألفت مجموعة بعقد اجتماعي بينها نابع من الإرادة الحرة، تكونت الدولة والجنسية الخاصة، إلا أن هذه الجماعة لتحمي نفسها ووحدتها تعطي شروط الانتساب إليها، فثارت قضية التجنس ويسرت بعض الشعوب قيود الانتساب إليها، وضيقت أمم أخرى حسب المصالح الخاصة لكل دولة، وبما أن الدولة عقد اجتماعي فكل داخل في الجنسية الجديدة هو قطعًا ملزم باحترام الميثاق الاجتماعي في كل بنوده وفصوله، وينفذ عليه، رعاية لما اتفقت عليه كلمة الجماعة.
ولما كان كل إنسان منتسبًا إلى دولة من الدول فإن خروجه عن جنسيته وانتسابه إلى جنسية أخرى يتبعها حتمًا انتهاء سيادة الدولة الأولى عليه وقبوله بسيادة الدولة الجديدة دون تفصيل، فهو يعامل حتى في بلده الأصلي معاملة الأجنبي عنه.
إلا أنه حدث في النصف الثاني من هذا القرن إمكانية جديدة تجعل الفرد قادرًا على الانتساب إلى جنسيته الأصلية، وإلى جنسية البلد الذي يقيم فيه جنسية مزدوجة.
وبهذا أصبح البشر على ثلاثة أنواع:
- محتفظ بجنسيته الأصلية لم يتخل عنها.
- متخل عن جنسيته الأصلية منتسب بعد قبوله إلى الدولة الجديدة.
- جامع لجنسيتين يعتبر في كلا البلدين مواطنًا لذلك البلد.
التحصيل على الجنسية:
يتبع المولود جنسية أبويه، وفي بعض الدول يعتبر مواطنًا يحمل جنسية البلد كل من ولد بين حدود ذلك البلد كما نصت التشريعات على الشروط التي يخول بموجبها قبول انتساب أي شخص من جنسية أخرى في جنسية البلد الذي يرغب في الانتقال إليه، فإذا ما قبل طبقت عليه أحكام ذلك البلد في الحقوق والواجبات.
التجنيس في العهد الاستعماري :
عملت بعض الدول الاستعمارية على تيسير دخول المستعمرين في جنسيتها بل أغرتهم على ذلك بفوائد مادية، وهي تهدف من ذلك إلى كثير أفراد شعبنا من ناحية وإلى سلخ القوة العديدة للشعب المستعمرة وقام العلماء في أقطار العالم الإسلامي بفضح الكيد الاستعماري وتحذير المسلمين من ذلك اعتبروا ذلك خروجًا عن الملة.
فبينوا أولًا: أن المتجنس هو شخص قد اختار عن طواعية رفض أحكام الشريعة مفضلًا عليها أحكام القانون الوضعي ، فيصبح ملزمًا في حياته الزوجية بتطبيق الأحكام الوضعية لا ينفذ له طلاق ويجبر على الإقامة معها والإنفاق عليها، وتقسيم تركته حسب القانون الوضعي المتغير، ولا يترافع في قضاياه إلى المحاكم الشرعية بل يرفعها إلى المحاكم القانونية الوضعية ويقبل أحكامها مطبقًا.
وحدوث الفتاوى بكفره اعتمادًا على ما جاء في الفتاوى الخيرية، سئل عن رجل قال: لا أعمل بالشرع، إنه إذا قال ذلك لاعتقاد عدم أحقية الشرع أو استخفافًا فلا ريب في كفره (ص 106) والمتجنس رافض لحكم الشرع.
وكذا على ما جاء في الفتاوى الهندية أنه لو طلب أحد الخصمين غريمه أن يذهب معه إلى الشرع فامتنع قائلًا: لا أذهب إلا جبرًا، يكون كافرًا (2 / 722) وفي نفس الصفحة لو قال الرجل لغيره: حكم الشرع في الحادثة كذا، فقال: أنا أعمل بالرسم لا بالشرع يكفر.
واستندت فتاواهم من كفر المتجنس إلى قوله تعالى{ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }.
وإلى قوله تعالى{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَنْ يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا } ثم قوله بعد ذلك { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا }.
والمتجنس في العهد الاستعماري هو رجل يقيم في دار الإسلام بعد أن تغلب عليها غير المسلمين فيكون اختباره لتغيير جنسيته رفضًا لأحكام الإسلام وتفضيلًا أن يطبق علي قانون الدولة الغازية، ولا شك أن ذلك موجبا للارتداد، يقول القرطبي : وكل من طعن في حكم الحاكم ورده فيه ردة، يستتاب، وأما إن طعن في الحاكم نفسه لا في الحكم فله تعزيره وله أن يصفح عنه (أحكام القرآن: 5/ 266) إذ الطعن في الحكم معناه رمي الشارع إما بالظلم أو القصور، وكلاهما موجب كفر .
ثم إنه بعد أن استقلت الأمم الإسلامية واجهت مشاكل متعددة بعضها اقتصادي إذ كانت سوق العمل لا تستطيع أن تستوعب الأيدي العاملة، فهاجر كثير من العمال بالفكر أو الساعد إلى الدول غير المسلمة، وهاجر البعض الآخر لأن ظروف العمل في الدول الصناعية أفضل منه في الدول الإسلامية ، وهاجر فريق ثالث لأن نشاطه الإسلامي يعرضه للخطر في بلده: إما في ذاته بالسجن أو التصفية الجسدية وإما في ماله.
القسم الأول والثاني:
منها أن العامل الأجنبي لا يتمتع بنفس الامتيازات التي يتمتع بها العامل من أبناء البلد، خاصة في المنح الاجتماعية، كما أن حقه في البقاء في عمله أضعف من حق ابن البلد، فكان هذا التمييز في الحقوق دافعًا لكثير من المقيمين بأرض الكفر أن يطلبوا سحب جنسية البلدان الكافرة عليهم، وفعلًا تحصل بعضهم على الجنسية المطلوبة وبعضهم في طريق التحصيل. اندفعوا إلى هذا الاختيار دون أن يعودوا بالسؤال لمعرفة حكم الله في العمل الذي قاموا به وهذا تقصير منهم وتهاون بمقتضيات دينهم.
إن من يتجنس بجنسية بلد غير إسلامي معناه أنه أصبح مواطنًا يتمتع بكامل الحقوق التي لأبناء ذلك الوطن ويلزم بأن يقوم أيضًا بكل الواجبات ويترتب على ذلك أحكام يلزم بها رغب في ذلك أو لم يرغب.
أولًا: إن قضايا العلاقات في تكوين الأسرة وانحلالها وحقوقها ونقل الملكية بطريق الإرث تطبق فيها الأحكام التي تقرها الدولة التي انتسب إليها:
1- هو راض عن زواجه لا يكون زواجًا إلا إذا سجل مدنيًا وهذا لا ضير فيه.
2- هو راض أنه لا تطلق زوجته عليه بلفظ الطلاق ولا بغيره إلا إذا حكم الحاكم ولو حكم بالفراق البدني مع بقاء العصمة فهو ملزم بقبوله.
وأن ابنته إذا بلغت سن الرشد القانوني ارتفعت كل ولاية له عليها، وأنه لا يستطيع أن يمنع ولده من ارتكاب أي محرم في الإسلام إذا كان قانون الدولة التي انتسب إليها يبيحه.
3- هو راض بأن تقسم تركته بعد موته حسب القانون وأن يرث هو غيره حسب القانون.
هو راض بأن الزنا إذا كان برضا الطرفين الراشدين لا منكر فيه.
ثانيًا: أنه عضو من أعضاء الدولة التي انتسب إليها فإذا اشتعلت الحرب بينها وبين دولة إسلامية فهو مطالب قيامًا بواجبه أن يقاتل المسلمين وأن يصب على رؤوسهم القنابل ويعمل جهده ويبذل كل طاقته لهزمهم والتنكيل بهم.
وقد طالعت في هذه السنة بجريدة لوموند الفرنسية (1986) أن الولايات المتحدة الأمريكية أجرت بحثًا سريًا لمعرفة قيام الجنود الأمريكيين من أصل ألماني قيامهم بواجبهم الوطني في تهديم القوة الألمانية حربيًا واقتصاديًا، فكشف البحث أنه لم يسجل أن أي جندي أمريكي غلب أصل انتسابه على واجباته القتالية إذ كانوا جميعًا متحمسين لهزيمة ألمانيا بلد أجدادهم وأصولهم.
الخلاصة:
أن كل ما قدمناه من لوازم التجنس هو رفض قاطع لأحكام الإسلام، وعزم أكيد على التنكر لها وابتغاء حكم غير حكم الله، وإطراح اختياري لما ثبت من ضروريات الدين، ولذا رأى بعض العلماء أن هذا موجب للردة، يقول القرطبي في تفسير قوله تعالى{ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }{ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } شرط وجوابه أي لأنه خالف الله تعالى ورسوله كما خالفوا ووجب معاداته كما وجبت معاداتهم، ووجبت له النار كما وجبت لهم فصار منهم أي من أصحابهم (6/ 217).
وذهب كثير من المفسرين إلى أنه من باب التغليط يقول الألوسي: "أي من جملتهم وحكمه حكمهم كالمستنتج من قبله وهو مخرج التشديد والمبالغة من الزجر لأنه لو كان المتولي منهم حقيقة لكان كافرًا وليس بمقصود، وقيل: المراد من{ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ } فإنه كافر مثلهم حقيقة، وحكى عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولعل ذلك إذا كان توليهم من حيث كونهم يهودًا أو نصارى (6/ 140).
فالألوسي يصرح بأن مجرد التحالف مع اليهود والنصارى والتناصر لا يخرج المؤمن من الإيمان وإنما الذي يوجب ارتداده واعتقاده أن دين اليهودية أو النصرانية أولى بالتزام وأن النصراني بالتحالف والتناصر لكونه نصرانيًّا، فهو إذن لا يعتبر مرتدًا إلا إذا فضَّل اليهودية أو النصرانية على الإسلام.
وهذا الحل هو الذي ارتضاه أبو حيان قال: ومن تولاهم بأفعاله دون معتقده ولا اختلاف بإيمان لهو منهم في المقت والمذمة، ومن تولاهم في المعتقد فهو منهم في الكفر (البحر: 3/ 506) .
وعلى هذا جاءت فتوى علماء الأندلس التي ذكرها الونشريسي في المعيار (12/ 148) وما بعدها فعلماء الأندلس لم يزيدوا على وصف الذين خرجوا عن جماعة المسلمين واستنصروا بصاحب قشتالة لم يعتبروهم مرتدين وإنما هو عصاة واحتجوا بالآية.
نص فتوى المعيار
حكم الشرع فيمن نبذ بيعة الإمام
وسئل فقهاء الأندلس بما نصه:
سيدي رضي الله عنكم وأدام النفع بكم، جوابكم في عصابة من قواد الأندلس وفرسانها نبذوا بيعة مولانا أبي الحسن نصره الله وخرجوا عن طاعته وقاموا بدعوة ابنه ودعوا الناس إلى بيعته، وطاوعهم على ذلك من شاء الله تعالى، إلى أن وقعت كائنة اللسان وفقد فيها جملة منهم وأُسِرَ الأمير وانجلى من سلم منهم عن الحضرة فلجأوا إلى صاحب قشتالة - دمره الله - مستنصرين به، ومعتصمين بحبل جواره، فواطؤوه على شروط التزموها، ووعدهم بتسريح الأمير المذكور للخروج به لأرض المسلمين وعقد له صلحًا ما طاع له من البلاد، ولا خفاء بما هو قصد الكافر قصمه الله في هذا الذي فعل فلكم الفضل في الجواب عن فعلهم، أولًا :هل كان له متمسك من الشرع أو إنما كل بمحض عصيان الله تعالى وخروج عن طاعة الله وطاعته رسوله؟ وإن قدرة الله بخروجهم من أرض النصارى مصرين على ما كانوا عليه من التعصب على الفتنة والخلاف، فهل يحل لأحد من المسلمين مساعدتهم على ذلك والأخذ معهم فيه؟ وهل يحل لأهل مدينة من المدن أو حصن من الحصون أن يأويهم؟ وما حكم الله فيمن آواهم وأعانهم وانتظم في سننهم أو مال بقلبه أو قوله أو فعله إليهم؟ بينوا لنا ذلك بيانًا شافيًا ليستضاء بنوره، ويهتدى بهديه، والله يبقي بركتكم، ويعطي أعلام العلماء درجتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجابوا بما نصه:
بسم اللـه الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
صدرت الفيتا من السادات العلماء، الجلة الأعلام، هداة الأنام، ومصابيح الظلام، بالحضرة العلية غرناطة حرسها الله، على السؤال فوقه: وهم: السيد البركة المفتي أبو عبد الله المواق، والسيد قاضي الجماعة أبو عبد الله محمد بن الأزرق، والسيد المفتي أبو الحسن علي بن داود، والسيد المفتي أبو عبد الله محمد الجعدالة، والسيد الخطيب أبو عبد الله محمد الفخار، والسيد الشيخ الحاج أبو الحسن علي القلصادي، والسيد الشيخ أبو حامد بن الحسن، والسيد القاضي أبو عبد الله محمد بن سرحونة، والسيد الخطيب أبو عبد الله محمد المشدالي، والسيد الخطيب أبو محمد عبد الله الزليجي، والسيد الخطيب أبو عبد الله محمد الحذام، والأستاذ الشيخ الحاج أبو جعفر أحمد بن عبد الجليل، والأستاذ أبو عبد الله محمد بن فتح، والقاضي أبو عبد الله محمد بن عبد البر، والأستاذ أبو جعفر محمد البقني، أبقى الله بركتهم، وحفظ في درجة العلام رتبتهم، بأن خلع القوم المسؤول عنهم، لبيعة مولانا أبي الحسن نصره الله، وقيامهم بدعوة ابنه، ليس له متمسك من دين الله.
وإنما هو محض عصيان، وخروج عن طاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ارتكبوه بذلك من وجوه المفاسد التي لا يرضى الله بها من شق عصا الإسلام في هذا الوطن الغريب، وتفريق أمره بعد ما كان مجتمعًا، وإيقاد نار الفتنة، وإلقاء العداوة والبغضاء بسببها في قلوب المسلمين وإفساد ذات البين التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنما هي الحالقة )) مع ما في ذلك من توهين المسلمين وإطماع العدو الكافر في استئصال بيضتهم، واستباحة حريمهم، وكل ذلك محرم بكتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجماع العلماء فإلى غير ذلك من وجوه المعاطب التي لا تخفر وأن ركونهم إلى الكفار واستنصارهم بهم، لا يخفى أنهم داخلون به في وعيد قول الله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } وقال سبحانه في الآية الأخرى{ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ }، وأن تجديد بيعتهم للأمير المأسور، إصرارًا على ما ذكر من المعاصي والمحرمات، وتأكيدا لما ارتكبوه من الجرائم والسيئات، فمن آواهم أو أعانهم بقول أو فعل، فهو معين على معصية الله تعالى، ومخالف لسنة رسوله، ومن هوى فعلهم أو أحب ظهورهم، فقد أحب أن يُعصى الله في أرضه بأعظم العصيان، هذا ما داموا مصرين على فعلهم، فإن تابوا ورجعوا عما هم عليه من الشقاق والخلاف، فالواجب على المسلمين قبولهم، لأن الله تعالى يقول:{ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ } نسأل الله أن يلهمنا رشدنا ، وأن يقينا شر نفوسنا، وأن يصلح ذات بيننا أنه ولي ذلك والقادر عليه، ومن أشهده السادات المذكورون فيه، بما سطر وكتب عنهم من الجواب على السؤال المنبه عليه، وأنهم قائلون به، وصادر عنهم ولا خفاء بمعرفتهم وهم بحال كما الإشهاد قيد بذلك شهادته في أواسط شهر رمضان المعظم، عام ثمانية وثمانين وثمانمائة عرفنا الله خيره، محمد بن شهد ومحمد بن علي بن شهد، أعلم بثبوته محمد بن علي الأصبحي، وفقه الله وكان له انتهى.
وإذ قد اختلف العلماء فيمن يوالي النصارى اليهود ويدخل في حلف معهم هل هو مرتد أو لا؟ وإذ قد تجاوزنا العهد الاستعماري الذي كان التجنس فيه مفضيًا لذوبان الأمة الإسلامية وفقد شخصيتها ونظرًا لما حققه الشاطبي من اختلاف الحكم يبن الجزئية المنفردة وبين الكلية العامة، وأن المباح بالجزء قد يصير واجبًا بالكل.
وانظر خاصة المسألة السادسة في الأوامر والنواهي في قوله: وأما المنهيات فإنك تجده قد جعل اتخاذ الكافرين أولياء والرضى بحكم الطاغوت والوهن بالأعداء والخيانة من النواهي التي لما بلغ بها نص الشارع الغاية من الترهيب فليس ذلك دليلًا على أن جزئياتها على وزان واحد بل هي محل اجتهاد (3/ 136 – 144).
لذلك كله فالذي مرجح عندي أن التجنس بجنسية دولة غير إسلامية معصية لا تبلغ درجة الردة إذا كان إقدامه على ذلك تسوية لأوضاعه المادية مع اقتناعه وإيمانه أن الإسلام هو الدين الوحيد وأنه يغضب الله من كل من يحاول النيل من الإسلام أو التطاول عليه، أما إذا كان أمر الدين عنده لا يوازي مصالحه وأنه متهاون به لا يشعر برابطة بينه وبين دينه إلا رابطة تاريخية ضعيفة الأثر فلا شك عندي في ارتداده، وخروجه من الملة.
على أن القسم الأول مطالب بأن يحرص على تلقين أبنائه أصول الإسلام وأن يحرص على إقامة شعائرهم معهم وأن لا يتهاون في هذا الأمر، ليكون ما في يقوله بلسانه مصدقًا بأعماله مع دعوته إلى العمل على الإقلاع عن المعصية والتوبة والعزم على عدم العودة بالإسراع للانسلاخ من الجنسية التي اكتسبها إن كان يحمل جنسية واحدة أو بالرجوع إلى بلده الأصلي إن كان يحمل جنسيتين.
القسم الثالث
الذين يتعرضون إلى الفتنة في حياتهم سجنًا وقتلًا أو في عائلاتهم تشريدًا وتتبعًا أو في أموالهم استصفاء فهؤلاء يجوز لهم أن يتجنسوا بجنسية غير إسلامية إذ لم يجدوا بلدًا إسلاميًا يقبلهم ويحميهم{ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ }.
قال ابن العربي : قسم العلماء رضي الله عنهم الذهاب من الأرض قسمين: هربًا وطلبًا.
فالأول: ينقسم إلى ستة أقسام:
الأول: الهجرة وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام وكان فرضًا من أيام النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، والتي انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان من أسلم في دار الحرب وجب عليه الخروج إلى دار الإسلام، فإن بقي في دار الحرب عصى ويختلف في حاله.
الثاني: الخروج من أرض البدعة ، قال ابن القاسم : سمعت مالكًا يقول لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يسب فيها السلف، قال ابن العربي: وهذا صحيح فإن المنكر إذا لم تقدر أن تغيره فزل عنه، قال تعالى:{ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } قوله (الظالمين).
الثالث: الخروج من أرض غلب عليها الحرام فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم.
الرابع: الفرار من الأذية في البدن وذلك فضل من الله رخص فيه، فإذا خشي على نفسه أذن الله في الخروج عنه والفرار بنفسه ليخلصها من ذلك المحذور.
وأول من فعله إبراهيم عليه السلام فإنه لما خاف من قومه قال:{ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي } وقال { وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ } وقال عن موسى{ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ }.
الخامس: خوف المرض في البلاد الوخمة والخروج منها إلى الأرض النزهة وقد أذن الله للرعاة حين استوخموا المدينة أن يخرجوا إلى المسرح فيكونوا فيه حتى يصحوا وقد استثنى من ذلك الخروج من الطاعون فمنع الله منه بالحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بيد أن علماءنا قالوا: هو مكروه.
السادس: الفرار خوف الأذية في المال فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه.
والأهل مثله وأوكد – ( القرطبي : 5/ 350).
وذكر ابن قدامة : أن الناس في الهجرة على ثلاثة أضرب:
أحدها: من تجب عليه وهو يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار فهذا تجب عليه الهجرة لقوله تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ } إلى قوله تعالى{ مَصِيرًا } وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب، ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
الثاني: من لا تجب عليه، وهو من يعجز عنها إما لمرض أو إكراه على الإقامة أو ضعف لقوله تعالى { إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ }.
الثالث: من تستحب له ولا تجب عليه وهو من يقدر عليها لكن يتمكن من إظهار دينه وإقامته في دار الكفر فتستحب له يتمكن من جهادهم وتكثير المسلمين وعمومتهم ويتخلص من تكثير الكفار ومخالطتهم ورؤية المنكر بينهم ولا تجب عليه لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة وقد كان العباس مقيمًا بمكة مع إسلامه (المغني: 2/ 457).
إن ما ذكره ابن العربي في القسم الرابع والسادس يبين لنا أن الملتجيء إلى دولة غير إسلامية حفاظًا على نفسه أو ماله لا يعد عاصيًا فضلًا عن كونه كافرًا وإذا كان أمنه لا يتم إلا بتجنسه كان له أن يتجنس مع شد عزمه على تحين أول فرصة يستطيع فيها أن يعش آمنًا في ديار الإسلام ليغتنمها، ذلك أن هذا قد أبيح له كضرورة تقدر بقدرها وعلى المضطر أن يجتهد للخروج من حالة الاستثناء.
والمنطبق على المتجنس في دار الكفر من تقسيم صاحب المغني هو القسم الثاني وليس الثالث ذلك أن المتجنس في بلاد الكفر لا يتمكن من إقامة دينه في جميع أحكامه وإن كانت بعض الأحكام في بلاد الإسلام لا يقرها الإسلام إلا أن الشعائر الدينية معلنة والمجتمع إسلامي يؤثر في تربية الأطفال.
السؤال الثاني
حكم الهجرة باعتبار تأثيره على الذرية
يقول أبو بكر الرازي الجصاص في قوله تعالى{ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا } هذا يدل على الخروج من أرض الشرك إلى أي أرض كانت من أرض الإسلام (2/ 305) .
وقال مالك : هذه الآية دالة على أنه ليس لأحد المقام بأرض يسب فيها السلف ويعمل فيه بغير الحق (جامع لأحكام القرآن للقرطبي: 5/ 348).
إن ما قدمناه في الجواب عن السؤال الأول يجري في الإجابة عن هذا السؤال على ما فصلنا له من الأقسام.
إن ما جاء في تبرير الهجرة وأن خطر الانحراف بذريتهم عن الإسلام وارد في بلاد الإسلام وروده من غيرها من بلاد الكفر بل أشد، ما جاء من التبرير هو مغالطة غير مقبولة فالدولة التي تجبر رعاياها على التنكر للإسلام هي دولة غير إسلامية، وما هو موجود في البرامج التعليمية من توضيح لبعض المذاهب المادية أو الفلسفات الإلحادية ليس دعوة إليها وإنما هو ثقافات عامة قد يسيء بعض الأساتذة عند السكوت عن تهافتها وسقطها، وليس معنى ذلك أن أية دولة إسلامية تدعو إلى الإلحاح، على أني أؤكد هنا ما ورد في الجواب السابق أن البيئة لها أثرها الكبير في تكوين الطفل، فسماعة للأذان، وابتهاج الأمة بشهر رمضان، وبعيد الفطر، ووفود الحجاج إلى بيت الله الحرام، وعيد الأضحى، وما يلقاه من عادات إسلامية في مباشرة الحياة، ومن حرص على الطهارة، وابتداء بالسلام، وذكر اسم الله على لسان كثير من أهل الفضل، كل ذلك يجعل البيئة الإسلامية بيئات تختلف أساسًا عن البيئة في بلاد الكفر.
السؤال الثالث
حكم زواج المسلمه بغير المسلم
يقول تعالى{ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} فزوج المسلمة لا بد أن يكون مسلمًا، وقد أكد القرآن هذا التأكيد ليركز في نفوس المؤمنات والمؤمنين أن زواج المسلمة بغير المسلم باطل ومنكر سواء نظرت إليه من جانب الزوج أو من جانب الزوجة{ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } نظير قوله تعالى{ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } إيماء إلى قوة الاتصال والتلبس.
أما الطمع في الإسلام فلا معنى للطمع في الأحكام إذ الأحكام تبنى على الواقع لا المتوقع إنما الحكمة التي يظهرها الفقهاء للأحكام تأليفًا للعقول بشرع الله هي التي يعتمد فيها الفقيه الواقع والمتوقع.
والكفاءة المتحدث عنها جماعها قوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض )) رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة (فيض القدير: 1/ 243).
ويقول الإمام الشافعي : إذا أسلمت لامرأة أو ولدت على الإسلام أو اسلم أحد أبويها وهي صبية لم تبلغ حرم على كل مشرك كتابي ووثني نكاحها بكل حال، ولو كان أبواها مشركين فوصفت الإسلام وهي تعقل صفته منعتها من أن ينكحها مشرك (الأم: 5/ 5) .
فيتبين مما قدمناه أنه يحرم زواج المسلمة بغير المسلم، ولا عذر يبرر ذلك، والنكاح لاغ غير معتبر شرعًا لو وقع فعلًا.
السؤال الرابع
حكم استمرار الزوجية إذا أسلمت الزوجة
إذا أسلمت المرأة وبقي الزوج كافرًا فإنه يفرق بينهما ويمكن أن تعود الزوجية بينهما بدون عقد جديد إذا أسلم زوجها السابق قبل أن تخرج من عدتها، أما إذا أسلم بعد العدة فلابد من عقد جديد وما ذكر في السؤال من ضياع الأولاد والانحراف احتمالات لاغية تؤثر في الحكم نظير احتمال موت الزوج المسلم.
السؤال الخامس
حكم دفن المسلم بمقابر غير المسلمين
الواجب الأول بعد تحقق الموت هو الغسل ثم الصلاة على الميت ثم دفنه فإذا مات بديار الإسلام دفن في مقابر المسلمين وإن كانت الهالكة حاملًا من زوج مسلم وهي غير مسلمة دفنت بين مقبرة المسلمين والنصارى ووجهها عكس القبلة ليكون جنينها متجهًا إلى القبلة، وإذا كانت الوفاة بأرض الكفر وتعذر نقله إلى بلاد الإسلام دفن حيثما تيسر وعلى المجموعات الإسلامية أن تتدارك هذه الناحية وتعمل على تخصيص جانب من المقبرة العامة لموتى المسلمين إذا لم يتيسر لها تخصيص المسلمين بمقبرة.
السؤال السادس
حكم بيع المسجد لانتقال الجالية الإسلامية
ذكر صاحب المعيار نازلتين:
الأولى : استفتي فيها الشيخ الحفار لما سئل عن رجل بنى مسجدًا لله في ملكه وحبس له أحباسًا من أرض وزيتون، ثم انتقل الناس عنها وبقي في ربضها القليل من الناس فهل لها أن تبدل إلى موقع آخر بالقرب من الديار الكثيرة ؟
وكان جوابه: أن نقل المسجد المذكور عن محله لا يحل ولا يجوز لأن ذلك تغيير للحبس من غير موجب بل يصلي فيه من بقي منهم ولو رجل واحد والله حسيب من يسعى في تغييره (7/ 136).
الثانية: استفتي فيها ابن سراج لما سئل عن مسجد قرية خلت من السكان ولم يبق فيها للسكنى إلا داران غير أن القرية والمسجد في وسط العمران وعلى طريق تسللك على الدوام فقلما يخلو المسجد ممن يصلي وله حبس أضيف إلى حبس مسجد القرية القريبة منه التي هي عامرة وأصبح ينتفع به ومسجد القرية هو جيد البناء إلا أن بعضه يحتاج إلى الإصلاح وفيه مدة جيدة فهل يجوز هدمه واستخلاص أنقاضه وآلته ويبنى بذلك مسجد القرية العامرة لكون بعض أهل الموضع يرون ذلك خوفًا أن يبقى المسجد الذي بالقرية الخالية على ما هو عليه فتهدم آلته أم يؤخذ من فائدة أحباسه التي أضيفت لمسجد القرية العامرة ما يصلح به بناؤه ويبقى مسجدًا كما كان ؟ على أن القرية الخالية لم يبق فيها أحد يسكن وهي منذ عشرين عامًا خالية وإنما بقي من الدارين اللتين بقيتا فيها بعض بنائهما بغير سكنى فكان جوابه: أنه إن كان المسجد المشار إليه في السؤال أعلاه يخاف من اجتماع أهل الشر والفساد فيه فيهدم ويستعان بنقضه في مسجد آخر وإن كان لا يخاف من ذلك فيه فيبنى ما تهدم منه من أوقاف التي نقلت لغيره من المساجد (7/ 154).
فالفتوى الأولى والثانية بينهما تكامل ذلك أن الفتوى الأولى عن مسجد في قرية لم تخل بتاتًا من السكان وإنما تحول معظم الناس عنها وبقي قليل فالباقي حقه ثابت في إقامة الصلاة بالمسجد ولا يحول المسجد عن مكانه، أما القضية الثانية فقد خلت القرية عن السكان تمامًا، وأن الدارين الباقيتين خاليتان من السكان ويخشى من بقائه في الخلاء وأن يتخذه أهل المنكر وكرًا للفساد فكان الجواب بهدمه ونقل نقضه.
وفي صورة السؤال الوارد إن انقطع السكان المسلمون تمامًا من ذلك ولم يبق أي واحد منهم فيجوز بيع المسجد وتحويل أمواله لشراء أو توسيع أو ترميم مسجد آخر يؤمه المسلمون لأداء الصلاة جماعة وإن لم ينقطع المسلمون من تلك البلدة بل قالوا فلا يحل نقل المسجد ولا التفويت فيه، إذ هو يقوم بوظيفته وأما في الصورة الأولى فقد انقطع عن القيام بوظيفته وسيحتله قطعًا غير المسلمين إما للسكنى أو لغير ذلك.
كما أني لا أجد وجهًا لصرف المال في أي وجه من وجوه الخير غير بناء أو ترميم مسجد آخر، لأن الذين ساهموا في تأسيس المسجد الأول إنما ساهموا في إقامة بيت من بيوت الله فلا يحول ما لهم إلى غير الجهة التي قصدوها.
السؤال السابع
سفر المرأة بدون محرم
من مقاصد الشريعة حفظ الأنساب وهو أصل من الأصول التي اتفقت عليها الشرائع ومما يكمل حفظ هذا الأصل ما جاء من الأمر بغض البصر وستر مواطن الفتنة، ومنع المرأة من السفر إلا مع ذي محرم يغار عليها ويحفظها، ولذا رأى مالك أن امرأة الأب لا تسافر مع ربيبها وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة، فروى مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا ومعها ذو محرم )) وفي رواية(( مسيرة ثلاث ليال )) وفي رواية (( فوق ثلاث )) وفي رواية(( يومين )) وفي رواية (( يوم )) وفي أخرى(( ليلة )) وفي أخرى (( لا يخلو رجل بامرأة إلا معها ذو محرم )).
يقول القرطبي : ليس هذا اختلافًا في الحديث ولكن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تكرر سؤاله عن السفر كل مرة بظرف فكان يجيب السائل حسب سؤاله .
ويقول الأبي : الفقه جمع أحاديث الباب وحق الناظر أن يستحضر جميعها وينظر أخصها وينيط به الحكم وأخصها باعتبار ترتيب الحكم عليه يوم لأنه إذا امتنع فيه امتنع فيما هوأكثر ثم أخص من يوم وصف السفر المذكور في جميعها فيمتنع في أقل ما يصدق عليه اسم سفر، ثم أخص من السفر الخلوة .
هذا في السفر غير الواجب وأما في السفر الواجب فرأى مالك و الشافعي أن لها أن تخرج مع رفقة مأمونة، يشترط الشافعي وجدود امرأة تقية مع الرجال، واختلف تأويل قول مالك واستند مالك و الشافعي إلى الآية{ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ } واستأنسا بأن المرأة إذا أسلمت هاجرت من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام ولو بدون محرم ولا رفقة.
وقال الباجي : إن هذه الأحكام هي في الانفراد والعدد القليل، وأما القوافل العظيمة فهي عندنا كالبلاد تسافر فيها دون فساد ودون محرم .
وقال آخرون: هذا التفصيل يعني من اشتراط المحرمية أو الرفقة المأمونة هو في الشابة: أما العجوز التي لا أرب لرجل فيها فلها أن تسافر وحدها.
( الأبي : 3/ 436، الزرقاني على الموطأ: 4/ 213).
ما نقلته عن العلماء يدل على أن الاختلاف بينهم في غير الحج هو على ثلاثة أنحاء:
1- لا تسافر إلا مع محرم.
2- تسافر مع القوافل العظيمة المأمونة.
3- الشابة لا تسافر إلا مع محرم والعجوز تسافر وحدها.
والذي أطمئن إليه حسبما ينشر في الصحف من انتشار حوادث الاغتصاب التي بلغت حدًا مفزعًا وتسلط الاغتصاب حتى على العجائز أنه لا تسافر المرأة إلا مع محرم يصونها ويحميها وأن التساهل في سفرها بدون رعاية محرمية قد تسببت عنه فضائح معلنة ومناكير وإن سترت على الأسماع وحفظت من القالة وإلا أنه دنس عنه الشرف واختلط النسب وقد يكون وضع المرأة في ظرف محدود ملجئًا لها إلى السفر فهي جزئية يعود فيها السائل أو السائلة بعينه ليعرضها على الفقيه الذي ينظر في كل الملابسات ويحدد الحكم حسب ظهور الضرورة وحدها ولا يصح إعطاء فتوى عامة.
السؤال الثامن
لا يجوز للمرأة المسلمة أن تقيم مع نسوة غير مسلمات بعيدة عن بلد الإسلام.
السؤال التاسع
لا خلاف بين العلماء أن عورة المرأة مع غير المحرم من الرجال جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها لما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها: أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (( يا أسماء، إن المرأة إذا بلغة المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه )) (مختصر المنذري6/ 58).
إلا أن ما ورد في السؤال من أن بعض الجهات تمنعهن من ستر ما أمر الله بستره، فالسؤال مجمل ولا تتسنى الإجابة عنه إلا إذا بين المواطن التي تؤمر بكشفها وما تتعرض له إذا لم تكشف وما هو موقف الجماعة الإسلامية من ذلك.
السؤال العاشر
يقول في البحر الرائق شارحًا لقول الكنز: وحمل خمر لذمي بأجرة يعني جاز ذلك، وهذا عند الإمام وقال يكره لأنه عليه الصلاة والسلام لعن في الخمرعشرة وعد منها حاملها وله الإدارة على الحمل وهو ليس معصية وإنما المعصية بفعل فاعل مختار فصار كمن استأجره لعصر خمر العنب وقطفه، والحديث يحمل على الحمل المقرون بقصد المعصية، وعلى هذا الخلاف إذا آجر دابته ليحمل عليها الخمر أو نفسه ليرعى الخنازير فإنه يطلب له الأجر عنده وعندهما يكره، وفي التتارخانية وإن آجر المسلم نفسه ليعمل في الكنيسة فلا بأس به (البحر: 8/ 231)، قال في النهاية: وقول الإمام قياس وقولهما استحسان ( ابن عابدين : 5/ 251).
وبناء على أن فرص العمل المحدودة بالنسبة للمسلمين في بلاد الكفر ولما كان الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه يبني على اصل القياس القول بجواز ذلك فإنه يفتى به ويعتمد، ولا أثم على العامل في مطعم يقدم فيه الخمر لغير المسلمين أما إذا كان أحد حرفاء المطعم مسلمًا وطلب أن يقدم له مع طعامه خمرًا أو لحم خنزير، فإنه يحرم على النادل أن يقوم بذلك.
وإذا جهل دين الحريف يحمل على أنه غير مسلم لأنه الغالب ومع الجهل يحمل على الغالب في كل شيء.
السؤال الحادي عشر
حكم التجارة في الخمر أو صناعته
حكم تجارة الخمر أو صناعتها لا شك في حرمتها وأن صاحبها ملعون ولو كان ذلك لغير المسلمين وما اتخذه بعض المسلمين حرفة لهم في بلاد الكفر لا يحل ما حرمه الله وفي الحلال سعة، مع أن علمي أنه حتى في بلاد الكفر تكونت جمعيات تحارب الخمور والتزم أصحابها أن لا يقدموا في مطاعمهم خمرًا وتحصلوا من الدولة على إعفاءات تعوض لهم بعض الخسارة وهم حماية للأخلاق تنازلوا عما يوفره لهم بيع الخمر من ربح مع أن دينهم لا يمنعهم من تناولها وترويجها، فكيف يليق بالمسلم الذي حرم الله عليه ملابسة الخمر أن يصبح مروجًا لها، وإن جرت له منفعة مالية{وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِنْ نَّفْعِهِمَا }.
السؤال الثاني عشر
الأدوية المحتوية على نسبة من الكحول ينظر فيها من ناحيتين:
1- الإسكار.
2- النجاسة
أما القسم الأول: فإن هذه الأدوية المحتوية على نسب من الكحول هي أدوية تفاعل فيها عنصر الكحول مع بقية العناصر من العقاقير وذهبت كل خصائص الكحول ولا يتخذ أي دواء للسكر.
ومن ناحية أخرى، فإن المسكر هو المطرب الذي يندفع به شاربه إلى ارتكاب الفواحش ويتكون منه نوع من الإقدام وارتفاع الحياة ما لا يجده عندما يكون صاحيا وهذه الأدوية لا يتكون منها ذلك بل على العكس هي توجب أضعاف التهيج والتشنجات.
وقد ذكر القرافي في الفرق الأربعين ما ملخصه: فالمسكر هو المغيب للعقل مع نشوة وسرور ويدلك على ضابط المسكر قول الشاعر:
ونشربها فتتركنا ملوكًا وأسدًا ما ينهنهنا اللقاء
فالمسكر يزيد في الشجاعة والمسرة وقوة النفس والميل إلى البطش والانتقال من الأعداء والمناسبة في العطاء أخلاق الكرماء.
ثم عقد تنبيهًا قال فيه ما ملخصه: تنفرد المسكرات عن المرقدات بثلاثة أحكام الحد والتنجس وتحريم اليسير، والمرقدات والمفسدات لا حد فيها ولا نجاسة فمن صلى بالبنج معه أو الأفيون لم تبطل صلاته إجماعًا ، ويجوز تناول اليسير منها لا لم يصل إلى حد التأثير في العقل أو الحواس.
وتناول الأدوية المختلطة بالكحول هو من النوع المرقد لا المسكر المحدث للنشوة ولا المفسد المثير للأخلاط الكامنة على أن الحنفية يرون عدم الحرمة أصلًا ولو خلط الخل بالخمر وصار حامضًا يحل وأن غلب الخمر وإذا دخل فيه بعض الحموضية لا يصير خلًا عنده حتى تذهب تمام المرارة وعندها يصير خلالً (5/ 295).
أما القسم الثاني: وهو نجاسة الدواء بحلول الكحول فيه، فالمسألة مختلف فيها يقول ابن عباس ، (5/ 291): عبارة صاحب الهداية في باب الأنجاس: وفي باقي الأشربة روايات التغليظ والتخفيف والطهارة، اهـ، وذهب إلى طهارتها ربيعة والليث والمزني وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة وقصروا الحرمة على شربها (الجامع لأحكام القرآن: 6/ 299).
السؤال الثالث عشر
الخمائر الجلاتين على نوعين حيوانية ونباتية، فالنباتية جائزة بلا خلاف ، وأما الجلاتين الحيواني فبعضه مستخرج من تحت جلد الخنزير وهذا لا خلاف في نجاسته وحرمة أكله ولا ضرورة تدعو للانتفاع به لإمكان الاستغناء عنه بالجلاتين النباتي أو الجلاتين الحيواني المستخرج من البقر.
السؤال الرابع عشر
يقول الله تعالى { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } فهذا هو القصد من بناء المسجد واختلف في تدريس العربية والشعر بها وكذلك اتخاذ القاضي مجلسه بها، يقول ابن عاصم:
وحيث لاق للقضاء يقعد وفي البلاد يستحب المسجد
وعللوا ذلك بأن المسجد لا يعترض على داخله فيصل إليه كل الناس.
وذكر الشيخ المهدي في خاتمة بحثه لجلوس القاضي في المسجد نقلًا عن ميارة، واعتبار حال الوقت يرجح ترك جلوسه اليوم بالمسجد، وإذا قال ابن عبد السلام: والأقرب من زماننا اليوم الكراهة وسلمه المصنف في التوضيح فكيف بزماننا هذا ؟ ولذا قال أبو علي بعد أن صرح بأن المشهور ما عند المصنف الجلوس به ما نصه: هذا تحرير الكلام من جهة النقل وأما من جهة المعنى فما قاله ابن عبد السلام والمصنف من أن الكراهة باعتبار وقت لا إشكال في أصله ولا يتوقف فيه إلا من لم ينصف أو من لم يطلع على ما يقع في المساجد في هذه الأزمنة التي هي بعد أزمنة ابن عبد السلام بكثير، وأما الكلام في تحريم القضاء في المسجد في هذه الأوقات والذي أتقلده وإن كنت لست أهلًا لأن أقلد هو التحريم لأن الأحكام تتغير بحسب ما يعرض لها وإن وردت عن الشارح وقد أشار علي الأجهوري لبعض هذا، وهذا الذي ذكرنا تلقيناه من أشياخنا غير ما مرة (ج أ كراس 15 ص 3 و 4).
وقد ختم الترمذي البيوع بباب النهي عن البيع في المسجد وروى فيه حديثًا حسنًا عن أبي هريرة (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيتم من يبيع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيها الضالة فقولوا: لا رد الله عليه )) علق عليه ابن العربي : اختلف فيه العلماء فمنهم من كرهه، ومنهم من رخص فيه، وقوله تعالى { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ } يعني عما لا يجوز فأما المباح فيجوز منه اليسير، أما النكاح فيه فجائز، وقد عقد صلى الله عليه وسلم في الموهوبة نصًا وذلك لأنه قربة ولأنه أيضًا نادر، والله أعلم (6/ 62).
وقد ذكر القرطبي في تفسير سورة النور من الجامع أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع صوت رجل في المسجد فقال: ما هذا الصوت؟ أتدري أين أنت؟ ثم قال: وقد كره بعض أصحابنا تعليم الصبيان في المساجد، ورأى أنه من باب البيع، وهذا إذا كان بأجرة فلو كان بغير أجرة لمنع أيضًا من وجه آخر، وهو أن الصبيان لا يتحرزون من الأقذار والوسخ.
وبهذا يتضح أن إقامة الحفلات في المساجد مع الرقص والإنشاد حرام ولا ضرورة لإقامة مثل ذلك إذ إن أمره صلى الله عليه وسلم بإعلان الزواج وإطعام بعض الناس لا يبلغ درجة الرقص والغناء.
السؤال الخامس عشر
أمر صلى الله عليه وسلم الوالد بأن يحسن تسمية ابنه، والأسماء الممنوعة هي الأسماء الدالة على شرك، فلا يجوز أن يسمي ابنه الله أو الواحد القهار، ولذا فإن اضطر الأب لتسمية ابنه من قائمة لا شرك فيها جائز، ولكن الذي شاهدته في الصين أن المولود يحمل اسمين اسمًا إداريًا على الطريقة الصينية، واسمًا عائليًا إسلاميًا تناديه به عائلته: محمد، علي، صالح، إلخ.
السؤال السادس عشر
جاء في السؤال حكم زواج الطالب أو الطالبة، والحكم لا يختص بالطالب أو الطالبة، إذ الزواج ينعقد إذا ما توفرت أركانه من الزوج والزوجة والصيغة والمهر والولي، والشهود على خلاف بين العلماء في بعض هذه الأركان.
ونية الزوج عند العقد أنه سيطلق زوجته بعد مدة إذا قدرها في نفسه ولم يبح لها ولم يقع عليها العقد، إن هذه النية غير مؤثرة كنية الزوج طلاق زوجته ولم يصرح ذلك فالعصمة قائمة.
ثم إن هذه النية كثيرًا ما ينفيها الزوج ذاته إذ يجد من زوجته ما يغريه بالحياة معها وكثيرًا ما ينجبان فيكون الولد عامل استقرار.
ونكاح المتعة المنهي عنه هو نكاح ينفسخ عند حلول الأجل من ذاته فهو من تاريخ العقد مبني على الاستمتاع المحدود الأجل فإذا جاء الأجل ذهب كل في سبيل حاله ولا يحتاج إلى طلاق.
السؤال الثامن عشر
عجبت من هذا السؤال، الحرج من عدم مد الأنثى يدها لمصافحة الأجانب عنها، الحرج من امتناع الرجل من مصافحة المرأة التي تمد يدها إليه كان مصدر عجبي تعميم كلمة الحرج في كل مناسبة وفي كل أمر فيه تراخٍ خلقي الحرج له مفهوم في الإسلام وهو كل ما أوقع المسلم في ضيق حقيقي لا وهمي يجد صعوبة زائدة على المعتاد ومشقة من تحمله، وهذا قد نفاه الله عن المسلمين فقال تعالى{ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ }.
أما مجرد الصعوبة والمشقة فهو أمر مقارن للتشريع، والتكليف ما أطلق حقيقة إلا على ما فيه كلفة، ولذلك وقع البحث في إدخال المباح في الأحكام التكليفية .
واتقاء الشبهات أصل من أصول تكوين الفرد المسلم (( فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام )).
لقد اتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الشبهة وهي مصافحة النساء فروى في الصحيح عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما مست يده يد امرأة قط )) وروي (( أنه بايعهن بين يديه وأيديهن في ثوب )).
وقالت أم عطية>>: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب فقام على الباب فسلم فرددن عليه السلام فقال: أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكن: ألا تشركن بالله شيئًا . فقلن: نعم، فمد يده من خارج البيت ومددن أيدينا من داخل البيت>> . ( القرطبي : 6550).
إن هذه الأحاديث لا خلاف بينها وإن لم يقبل منها ابن العربي إلا ما ورد في الصحيح لأنها تؤكد على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم تمس يده يد امرأة ولم يباشر ذلك.
وأن رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يمس هو يد امرأة معروفة بعينها وإنما كانت النساء خلف الستر والمبايعة مختلطة تنفي الريبة.
وما ورد من إطلاق في بيعة الصفا يحمل على المقيد الوارد فيه أن المبايعة كانت بحائل أو من وراء ستر.
وبناء على ما قدمناه فإن الذي نطمئن إليه أن المرأة لا تصافح أجنبيًا غير محرم ولا زوج، وأن الرجل لا يصافح امرأة أجنبية عنه، وقد رأيت في البلاد الشيوعية أن المرأة المسلمة لا تمد يدها لأي رجل أجنبي وتشير بابتسامة.
السؤال التاسع عشر
الصلاة في الكنائس إذا كانت على طاهر أو الأرض فالصلاة جائزة لقوله صلى الله عليه وسلم ((جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا )) فعم إذ لا دليل على التخصيص، والتماثيل لا تبطل الصلاة وإنما أمرها أنها ربما تشغل عن الصلاة فليصرف بصره عنها كما لا يتعمد التوجه إليها بل ينحرف قليلًا.
السؤال العشرون
طعام أهل الكتاب أنواع:
1- الطعام الذي لم يدخل اللحم في تركيبه، وهذا جائز أكله وهو الوجه الأول من الأوجه التي حملت عليها الآية { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ }.
يقول ابن العربي : في ذكر الطعام قولان:
أحدهما: أنه كل مطعوم على ما يقتضيه مطلق اللفظ وظاهر الاشتقاق، كان حالهم ألا يؤكل طعامهم لقلة احتراسهم عن النجاسات ولكن الشرع سمح بذلك لأنهم أيضًا يتوقون القاذورات ولهم في دينهم مروءة يوطونها، ألا ترى أن المجوس الذين لا تؤكل ذبائحهم لا يؤكل طعامهم ويستقدزرون ويستنجسون في أوانيهم.
2- الطعام الذي دخل اللحم في التركيبة، وهذا أيضًا على نوعين:
(أ) ما ذبح أو نحر على الطريقة الشرعية وسمي الله عليه فهذا يؤكل.
(ب) اللحم الذي لم يجمع شروط الذبح الشرعي كما لم يسم الذابح عليه اسم الله ، يقول ابن العربي : قال جماعة من العلماء: تؤكل ذبائحهم وإن ذكروا عليها اسم غير المسيح، وهي مسألة حسنة نذكر لكم منها قولًا بديعًا، وذلك أن الله سبحانه حرم ما لم يسم الله عليه من الذبائح وأذن في طعام أهل الكتاب وهم يقولون: إن الله هو المسيح ابن مريم وأنه ثالث ثلاثة، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، فإن لم يذكروا اسم الله سبحانه أُكِلَ طعامهم، وإن ذكروا فقد علم ربك ما ذكروا وأنه غير الإله وقد سمح فيه فلا ينبغي أن يخالف أمر الله ولا يقبل عليه، ولا تضرب الأمثال له.
وقد قلت لشيخنا المقدسي: إنهم يذكرون غير الله قال لي: هم من آبائهم، وقد جعلهم الله تبعًا لمن قبلهم مع علمه بحالهم، وكالقتل لا على الطريقة الشرعية وقد رأى ابن العربي جوازه أيضًا، يقول الحطاب : واختلف المذهب إذا كان يسل عنق الدجاجة فالمشهور لا تؤكل وأجاز ابن العربي أكلها ولو رأيناه يسل عنقها لأنه من طعامهم ، قال ابن عبد السلام: وهو يعمد ويحث معه (ابن عرفة: 3/ 213).
ومثله لابن ناجي في شرح الرسالة وقد انتصر لابن العربي اعتمادًا على قوله لأن الله لما أباح أكل طعامهم فهو عالم بطريقة إزهاق روح ما يأكلونه من الحيوان (ابن ناجي 1/ 337).
السؤال الواحد والعشرون
حكم حضور الحفلات التي تختلط فيها النساء بالرجال وتقدم الخمور حرام وإن كان في ذلك اعتزال المسلمين، والواجب أن يكونوا بعيدين عن هذه التجمعات وقد بين الفقهاء حكم إجابة الدعوة وأنها تكون حرامًا إذا كان مما يقع فيها حرامًا.
السؤال الثاني والعشرون
أوقات الصلاة في بعض البلدان التي لا تتبين فيها الأوقات ذكر ابن عابدين أن في ذلك ثلاثة أنظار:
1- أن الصلاة التي فقد وقتها تسقط عن المكلف باعتبار أن السبب ما يلزم من أجل وجوده الوجود ومن أجل عدمه العدم بالنظر لذاته وأوقات الصلوات أسباب الوجود فإذا لم يدخل الوقت يسقط الوجوب.
2- أن يقدر وقت دخول الصلاة على قرب البلدان إليهم ويكون أداء فينوي الأداء.
3- أن يقدر الوقت حسب أقرب البلاد إليهم وينوي القضاء لفوات الوقت بطلوع الفجر، (انظر رد المحتار: 1/ 242- 243).
وما يرجع عدم سقوط الصلاة الحديث الذي أخرجه مسلم عن النواس بن سمعان والذي جاء فيه ((قلنا يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يومًا يوم كسنة ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم، قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا اقدروا له قدرة )) (إكمال الإكمال: 7/ 269- 270).
كما أنه لا يستبعد بناء على الحديث الذي رواه مالك في موطئه، عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(( ما بين هذين وقت )) أن يكون وقت المدينة مرجعًا لمن تداخل عندهم الوقت ، والله أعلم.
السؤال الثالث والعشرون
الذي أعتقده حسبما هو مفصل في البحث الذي قدمته لمجمع الفقه الإسلامي أن دخول الشهور هو من الوقت الذي يمكن فيه رؤية الهلال وهذا الوقت قد يستند إلى الرؤية البصرية مع ما يصحب الرؤية البصرية من وهم وخداع نظر وإمكان كذب المخبر، وقد يستند إمكان رؤية الهلال إلى الحساب، وقد بلغ من الدقة في عصرنا هذا مبلغ اليقين وإذا كانت الرؤية البصرية ظنية والرؤية الحسابية يقينية فإن من القواعد تقديم اليقين على الظن إلا أن الحساب يجب أن يدقق لا على وقت ميلاد الهلال وإنما على وقت إمكان رؤيته.
السؤال الرابع والعشرون
حكم عمل المسلم في الدوائر الحكومية في البلدان المسلمة قد اختلفت فيه أقوال العلماء: فذهب ابن رشد إلى أن إجارة المسلم نفسه من الكافر على أربعة أنواع:
جائزة: أن يعمل المسلم عملًا في محله لا في محل الكافر كالصانع الذي يعمل للناس في مصنعه.
ومكروهة: أن يكون العمل كله للمؤجر، ولكنه ليس تحت يده كالمقارض والمساقي.
ومحظور: ما كان تحت يد الكافر كأجير في بيت وإجارة المرأة نفسها المرضع ولده.
والحرام: أن يؤاجر منه نفسه فما لا يحل من عمل الخمر ورعي الخنازير وهذا يفسخ فإن فات تصدق بالأجرة على المساكين ( الحطاب : 3/ 419).
وفي المهذب أن من الشافعية من قال: لو استأجر الكافر مسلمًا ففيه قولان: ومنهم من قال: يصح قولًا واحدا (التحفة بحاشية الشرواني: 6/ 122).
وبهذا فإن عمل المسلم في الحقل الإداري غير الإسلامي قد تبين حكمه في أعلاه ونزيد هنا بيانًا لبعض الخصوصيات: أن العمل في الدوائر الاستراتيجية أو الذرية إن كان الغرض من ذلك مجرد التحصيل على القوت بواسطة الشغل فإن العمل في هذه الدوائر لا يجوز لأن فيه عونا على تخريب العالم وتهديد أمنه، وإن كان الغرض منه اكتساب الخبرات ليستفيد منها العالم الإسلامي في يوم من الأيام فهي جائزة بل مأجور صاحبها.
السؤال الخامس والعشرون
لقد بينا في السؤال السابق حكم عمل المسلم بالدوائر الحكومية للدول غير الإسلامية وتصميم الكنائس هو كرعي الخنازير وعصر الخمر، وما ضيق الله الرزق على أحد.
وخبرتي أن المسلم المستقيم محترم في عمله ولا يضيق عليه ويجد مخرجًا من المضايق بعون ربه.
السؤال السادس والعشرون
لا يجوز للمسلم أن يأكل من المال الذي علم أنه مجموع من حرام عينًا، وهذا الرجل يجب عليه أن يقلع عن بيع الخمر وما لا يحل، وإذا كان من ينفق عليهم يجدون طريقة للاستغناء عن المال الحرام وجب عليهم الاستغناء والتكفف ولو بأقل مما ينفق عليهم، وإن كانوا عاجزين عن الشغل يرخص لهم بمقدار الضرورة، والله أعلم.
السؤال السابع والعشرون
تبرع المسلم أو الهيئات الإسلامية يجوز لغير المسلمين إلا ما كان نسكًا كالأضحية فلا يهدي منها مسلم وما كان فيه تعزيز لدين غير الإسلام لا يعين عليه المؤسسات التنصيرية والكنيسة وما كان من عون إنساني لبقاء الحياة فالحياة محترمة.
السؤال الثامن والعشرين
المهم هو صيغة العقد فإنه كانت صيغة لا أثر للربا فيها فهي جائزة إن كانت صيغة العقد ربوية فهي حرام.