أجوبة‎ فضيلة الشيخ محمد المختار السلامي ‎

‎بسم اللـه الرحمن الرحيم

‎وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله‎ ‎وصحبه وسلم تسليمًا‎. ‎
‎السؤال‎ ‎الأول: حكم‎ ‎التجنس‎ ‎بجنسية بلد غير إسلامي‎:
‎الجنسية أمر‎ ‎حادث نشأ في القرن الثامن عشر تبعًا لتطور المفهوم الوطني وقد قام أولًا على‎ ‎نظريتين متقابلتين‎: ‎
‎النظرية الأولى: نظرية جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، "كل‎ ‎إنسان هو في ذاته ليس ‏لأي كان مهما كانت الذريعة التي يتذرع بها أن يخضع غيره بدون‏‎ ‎موافقته، وانفتحت فكرة الإرادة ‏العامة هذا أخيرًا على مبدأ‎ ‎السيادة‎ ‎القومية‎ ‎، فتبع الإعلان عن‎ ‎حقوق الإنسان‎ ‎الإعلان عن حقوق‎ ‎الأمم‎. ‎
‎فإذا كانت‎ ‎السيادة‎ ‎تكمن في الشعب وإذا كان‎ ‎القانون‎ ‎من جهة ثانية تعبيرًا عن الإرادة ‏الجماعية فإنه يتبع ذلك أن الإدارة العامة هي‎ ‎وحدها المؤهلة لأن تفرض أو تتنازل أو تحول ‏السيادة فيستطيع‎ ‎المجلس‎ ‎التأسيسي أن يعلن مبكرًا حق الشعوب في قيادة نفسها بنفسها‎". ‎
‎أما النظرية‎ ‎الثانية: فهي النظرية الألمانية التي تؤمن بأن الجنسية هي عبارة عن اتخاذ ‏جماعة‎ ‎بشرية في التاريخ واللغة والجنس ويقول فيشت في حواره الخامس: الجنسية الألمانية: إن‎ ‎الذين يتكلمون لغة واحدة هم ينسبون قبل كل شيء إلى جنسية واحدة‎. ‎
‎تصارعت‎ ‎النظريتان بين الثوريين الفرنسيين الذين يرون الجنسية عقد يقوم على حرية ‏الإرادة‎ ‎والنظرية الألمانية التي تقوم على أن الجنسية كائن عضوي يقوم على حرية الإرادة‏‎ ‎والنظرية الألمانية التي تقوم على أن الجنسية كائن عضوي بصفة أصلية في اللغة الأولى‎ ‎للشعب‎. وكان ميدان الصراع الذي طبقت فيه النظريتان الألراس واللوران‎. ‎
‎وقد‎ ‎انتهى الصراع بفوز النظرية الفرنسية خاصة بعد إعلان ولسون في‎ ‎الحرب‎ ‎العالمية ‏الأولى‎ ‎وإعلان ميثاق الأطلنطي‎ ‎أثناء‎ ‎الحرب‎ ‎العالمية الثانية‎ ‎فكلما تألفت مجموعة بعقد اجتماعي ‏بينها نابع من الإرادة‎ ‎الحرة، تكونت الدولة والجنسية الخاصة، إلا أن هذه الجماعة لتحمي نفسها ‏ووحدتها تعطي‎ ‎شروط الانتساب إليها، فثارت قضية‎ ‎التجنس‎ ‎ويسرت بعض الشعوب قيود‎ ‎الانتساب ‏إليها، وضيقت أمم أخرى حسب المصالح الخاصة لكل دولة، وبما أن الدولة عقد‎ ‎اجتماعي فكل ‏داخل في الجنسية الجديدة هو قطعًا ملزم باحترام الميثاق الاجتماعي في‎ ‎كل بنوده وفصوله، وينفذ ‏عليه، رعاية لما اتفقت عليه كلمة الجماعة‎. ‎ ‎
‎ولما‎ ‎كان كل إنسان منتسبًا إلى دولة من الدول فإن خروجه عن جنسيته وانتسابه إلى جنسية‎ ‎أخرى يتبعها حتمًا انتهاء سيادة الدولة الأولى عليه وقبوله بسيادة الدولة الجديدة‎ ‎دون تفصيل، فهو ‏يعامل حتى في بلده الأصلي معاملة الأجنبي عنه‎. ‎
‎إلا أنه حدث في‎ ‎النصف الثاني من هذا القرن إمكانية جديدة تجعل الفرد قادرًا على الانتساب ‏إلى‎ ‎جنسيته الأصلية، وإلى جنسية البلد الذي يقيم فيه جنسية مزدوجة‎. ‎
‎وبهذا أصبح‎ ‎البشر على ثلاثة أنواع‎: ‎
- ‎محتفظ بجنسيته الأصلية لم يتخل عنها‎. ‎
- ‎متخل عن‎ ‎جنسيته الأصلية منتسب بعد قبوله إلى الدولة الجديدة‎. ‎
- ‎جامع لجنسيتين يعتبر في‎ ‎كلا البلدين مواطنًا لذلك البلد‎. ‎
‎التحصيل على الجنسية‎: ‎
‎يتبع المولود جنسية‎ ‎أبويه، وفي بعض الدول يعتبر مواطنًا يحمل جنسية البلد كل من ولد بين ‏حدود ذلك البلد‎ ‎كما نصت التشريعات على الشروط التي يخول بموجبها قبول انتساب أي شخص ‏من جنسية أخرى‎ ‎في جنسية البلد الذي يرغب في الانتقال إليه، فإذا ما قبل طبقت عليه أحكام ذلك ‏البلد‎ ‎في‎ ‎الحقوق‎ ‎والواجبات‎. ‎
‎التجنيس في‎ ‎العهد الاستعماري‎ :
‎عملت بعض الدول الاستعمارية على تيسير‎ ‎دخول المستعمرين في جنسيتها بل أغرتهم على ‏ذلك بفوائد مادية، وهي تهدف من ذلك إلى‎ ‎كثير أفراد شعبنا من ناحية وإلى سلخ القوة العديدة ‏للشعب المستعمرة وقام العلماء في‎ ‎أقطار العالم الإسلامي بفضح الكيد الاستعماري وتحذير ‏المسلمين من ذلك اعتبروا ذلك‎ ‎خروجًا عن الملة‎. ‎
‎فبينوا أولًا: أن المتجنس هو شخص قد اختار عن طواعية‎ ‎رفض أحكام الشريعة مفضلًا ‏عليها أحكام‎ ‎القانون الوضعي‎ ‎، فيصبح‎ ‎ملزمًا في حياته الزوجية بتطبيق الأحكام الوضعية لا ينفذ ‏له طلاق ويجبر على الإقامة‎ ‎معها والإنفاق عليها، وتقسيم تركته حسب القانون الوضعي المتغير، ‏ولا يترافع في‎ ‎قضاياه إلى المحاكم الشرعية بل يرفعها إلى المحاكم القانونية الوضعية ويقبل ‏أحكامها‎ ‎مطبقًا‎. ‎
‎وحدوث الفتاوى بكفره اعتمادًا على ما جاء في الفتاوى الخيرية، سئل عن‎ ‎رجل قال: لا ‏أعمل بالشرع، إنه إذا قال ذلك لاعتقاد عدم أحقية الشرع أو استخفافًا‎ ‎فلا ريب في كفره (ص ‏‏106) والمتجنس رافض لحكم الشرع‎. ‎
‎وكذا على ما جاء في الفتاوى‎ ‎الهندية أنه لو طلب أحد الخصمين غريمه أن يذهب معه إلى ‏الشرع فامتنع قائلًا: لا‎ ‎أذهب إلا جبرًا، يكون كافرًا (2 / 722) وفي نفس الصفحة لو قال الرجل ‏لغيره: حكم‎ ‎الشرع في الحادثة كذا، فقال: أنا أعمل بالرسم لا بالشرع يكفر‎. ‎
‎واستندت فتاواهم‎ ‎من كفر المتجنس إلى قوله تعالى{‏‎ ‎وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ ‏مِنْهُ وَهُوَ فِي‎ ‎الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ‎ ‎‏}‏‎. ‎
‎وإلى قوله تعالى{‏‎ ‎أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ‎ ‎إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ‏يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُواْ إِلَى‎ ‎الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَنْ يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ‎ ‎يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا ‏بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ‎ ‎اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا‏‎ } ‎ثم قوله بعد ذلك {‏‎ ‎فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ‎ ‎ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ ‏حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ‎ ‎تَسْلِيمًا‎ ‎‏}‏‎. ‎
‎والمتجنس في‎ ‎العهد الاستعماري‎ ‎هو‎ ‎رجل يقيم في دار الإسلام بعد أن تغلب عليها غير ‏المسلمين فيكون اختباره لتغيير‎ ‎جنسيته رفضًا لأحكام الإسلام وتفضيلًا أن يطبق علي قانون الدولة ‏الغازية، ولا شك أن‎ ‎ذلك موجبا للارتداد،‎ ‎يقول‎ ‎القرطبي‎ : ‎وكل من طعن في حكم‎ ‎الحاكم ورده فيه ‏ردة، يستتاب، وأما إن طعن في الحاكم نفسه لا في الحكم فله تعزيره‎ ‎وله أن يصفح عنه (أحكام ‏القرآن: 5/ 266) إذ الطعن في الحكم معناه رمي الشارع إما‎ ‎بالظلم أو القصور، وكلاهما موجب ‏كفر‎ . ‎
‎ثم إنه بعد أن استقلت الأمم‎ ‎الإسلامية واجهت مشاكل متعددة بعضها اقتصادي إذ كانت ‏سوق العمل لا تستطيع أن تستوعب‎ ‎الأيدي العاملة، فهاجر كثير من العمال بالفكر أو الساعد إلى ‏الدول غير المسلمة،‎ ‎وهاجر البعض الآخر لأن ظروف العمل في الدول الصناعية أفضل منه في‎ ‎الدول‎ ‎الإسلامية‎ ‎، وهاجر فريق ثالث لأن نشاطه الإسلامي يعرضه للخطر في بلده: إما في‎ ‎ذاته ‏بالسجن أو التصفية الجسدية وإما في ماله‎. ‎
‎القسم الأول‎ ‎والثاني‎:
‎منها أن العامل الأجنبي لا يتمتع بنفس الامتيازات التي يتمتع‎ ‎بها العامل من أبناء البلد، ‏خاصة في المنح الاجتماعية، كما أن حقه في البقاء في‎ ‎عمله أضعف من حق ابن البلد، فكان هذا ‏التمييز في‎ ‎الحقوق‎ ‎دافعًا لكثير من‎ ‎المقيمين بأرض الكفر أن يطلبوا سحب جنسية البلدان الكافرة ‏عليهم، وفعلًا تحصل بعضهم‎ ‎على الجنسية المطلوبة وبعضهم في طريق التحصيل. اندفعوا إلى هذا ‏الاختيار دون أن‎ ‎يعودوا بالسؤال لمعرفة حكم الله في العمل الذي قاموا به وهذا تقصير منهم ‏وتهاون‎ ‎بمقتضيات دينهم‎. ‎
‎إن من يتجنس بجنسية بلد غير إسلامي معناه أنه أصبح مواطنًا‎ ‎يتمتع بكامل الحقوق التي ‏لأبناء ذلك الوطن ويلزم بأن يقوم أيضًا بكل الواجبات‎ ‎ويترتب على ذلك أحكام يلزم بها رغب في ‏ذلك أو لم يرغب‎. ‎
‎أولًا: إن قضايا‎ ‎العلاقات في تكوين الأسرة وانحلالها وحقوقها‎ ‎ونقل الملكية‎ ‎بطريق الإرث‎ ‎تطبق فيها الأحكام التي تقرها الدولة التي انتسب إليها‎: ‎
‎‏1- هو راض عن زواجه لا‎ ‎يكون زواجًا إلا إذا سجل مدنيًا وهذا لا ضير فيه‎. ‎
‎‏2- هو راض أنه لا تطلق زوجته‎ ‎عليه بلفظ الطلاق ولا بغيره إلا إذا حكم الحاكم ولو حكم ‏بالفراق البدني مع بقاء‎ ‎العصمة فهو ملزم بقبوله‎. ‎
‎وأن ابنته إذا بلغت سن الرشد القانوني ارتفعت كل ولاية‎ ‎له عليها، وأنه لا يستطيع أن يمنع ‏ولده من ارتكاب أي محرم في الإسلام إذا كان قانون‎ ‎الدولة التي انتسب إليها يبيحه‎. ‎
‎‏3- هو راض بأن تقسم تركته بعد موته حسب‎ ‎القانون وأن يرث هو غيره حسب القانون‎. هو راض بأن الزنا إذا كان برضا الطرفين‎ ‎الراشدين لا منكر فيه‎. ‎
‎ثانيًا: أنه عضو من أعضاء الدولة التي انتسب إليها فإذا‎ ‎اشتعلت الحرب بينها وبين دولة ‏إسلامية فهو مطالب قيامًا بواجبه أن يقاتل المسلمين‎ ‎وأن يصب على رؤوسهم القنابل ويعمل جهده ‏ويبذل كل طاقته لهزمهم والتنكيل بهم‎. ‎
‎وقد طالعت في هذه السنة بجريدة لوموند الفرنسية (1986) أن الولايات المتحدة‎ ‎الأمريكية ‏أجرت بحثًا سريًا لمعرفة قيام الجنود الأمريكيين من أصل ألماني قيامهم‎ ‎بواجبهم الوطني في تهديم ‏القوة الألمانية حربيًا واقتصاديًا، فكشف البحث أنه لم‎ ‎يسجل أن أي جندي أمريكي غلب أصل ‏انتسابه على واجباته القتالية إذ كانوا جميعًا‎ ‎متحمسين لهزيمة‎ ‎ألمانيا‎ ‎بلد أجدادهم وأصولهم‎. ‎
‎الخلاصة‎:
‎أن كل ما قدمناه من لوازم‎ ‎التجنس‎ ‎هو رفض قاطع لأحكام الإسلام،‎ ‎وعزم أكيد على التنكر ‏لها وابتغاء حكم غير حكم الله، وإطراح اختياري لما ثبت من‎ ‎ضروريات الدين، ولذا رأى بعض ‏العلماء أن هذا موجب للردة،‎ ‎يقول‎ ‎القرطبي‎ ‎في تفسير قوله تعالى{‏‎ ‎وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ‏اللَّهَ لَا يَهْدِي‎ ‎الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‎ }{ ‎وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ‎ ‎‏}‏‎ ‎شرط وجوابه أي لأنه‎ ‎خالف الله ‏تعالى ورسوله كما خالفوا ووجب معاداته كما وجبت معاداتهم، ووجبت له النار‎ ‎كما وجبت لهم ‏فصار منهم أي من أصحابهم‎ (‎‏6‏‎/ ‎‏217‏‎). ‎
‎وذهب كثير من‎ ‎المفسرين إلى أنه من باب التغليط يقول الألوسي: "أي من جملتهم وحكمه ‏حكمهم‎ ‎كالمستنتج من قبله وهو مخرج التشديد والمبالغة من الزجر لأنه لو كان المتولي منهم‎ ‎حقيقة لكان كافرًا وليس بمقصود، وقيل: المراد من{‏‎ ‎يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ‎ ‎‏}‏‎ ‎فإنه كافر مثلهم حقيقة، وحكى ‏عن‎ ‎ابن عباس‎ ‎رضي الله عنهما، ولعل ذلك إذا كان توليهم من حيث كونهم يهودًا أو نصارى (6‏‎/ ‎‏140‏‎). ‎
‎فالألوسي يصرح بأن مجرد التحالف مع اليهود والنصارى والتناصر لا يخرج‎ ‎المؤمن من ‏الإيمان وإنما الذي يوجب ارتداده واعتقاده أن دين اليهودية أو النصرانية‎ ‎أولى بالتزام وأن ‏النصراني بالتحالف والتناصر لكونه نصرانيًّا، فهو إذن لا يعتبر‎ ‎مرتدًا إلا إذا فضَّل اليهودية أو ‏النصرانية على الإسلام‎. ‎
‎وهذا الحل هو الذي‎ ‎ارتضاه‎ ‎أبو حيان‎ ‎قال: ومن تولاهم بأفعاله دون معتقده ولا اختلاف‎ ‎بإيمان لهو منهم في المقت والمذمة، ومن تولاهم في المعتقد فهو منهم في الكفر‎ (‎البحر: 3/ 506‏‎) ‎‎. ‎
‎وعلى هذا جاءت فتوى علماء‎ ‎الأندلس‎ ‎التي‎ ‎ذكرها الونشريسي في المعيار (12/ 148) وما ‏بعدها فعلماء الأندلس لم يزيدوا على وصف‎ ‎الذين خرجوا عن جماعة المسلمين واستنصروا ‏بصاحب قشتالة لم يعتبروهم مرتدين وإنما هو‎ ‎عصاة واحتجوا بالآية‎. ‎
‎نص‎ ‎فتوى المعيار‎
‎حكم الشرع فيمن نبذ بيعة الإمام‎
‎وسئل فقهاء‎ ‎الأندلس‎ ‎بما نصه‎: ‎
‎سيدي رضي الله عنكم وأدام النفع بكم، جوابكم في‎ ‎عصابة من قواد الأندلس وفرسانها نبذوا ‏بيعة مولانا أبي الحسن نصره الله وخرجوا عن‎ ‎طاعته وقاموا بدعوة ابنه ودعوا الناس إلى بيعته، ‏وطاوعهم على ذلك من شاء الله‎ ‎تعالى، إلى أن وقعت كائنة اللسان وفقد فيها جملة منهم وأُسِرَ ‏الأمير وانجلى من سلم‎ ‎منهم عن الحضرة فلجأوا إلى صاحب قشتالة - دمره الله - مستنصرين ‏به، ومعتصمين بحبل‎ ‎جواره، فواطؤوه على شروط التزموها، ووعدهم بتسريح الأمير المذكور ‏للخروج به لأرض‎ ‎المسلمين وعقد له صلحًا ما طاع له من البلاد، ولا خفاء بما هو قصد الكافر ‏قصمه الله‎ ‎في هذا الذي فعل فلكم الفضل في الجواب عن فعلهم، أولًا :هل كان له متمسك من ‏الشرع‎ ‎أو إنما كل بمحض عصيان الله تعالى وخروج عن طاعة الله وطاعته رسوله؟ وإن قدرة ‏الله‎ ‎بخروجهم من أرض النصارى مصرين على ما كانوا عليه من التعصب على الفتنة والخلاف، ‏فهل‎ ‎يحل لأحد من المسلمين مساعدتهم على ذلك والأخذ معهم فيه؟ وهل يحل لأهل مدينة من‎ ‎المدن أو حصن من الحصون أن يأويهم؟ وما حكم الله فيمن آواهم وأعانهم وانتظم في‎ ‎سننهم أو ‏مال بقلبه أو قوله أو فعله إليهم؟ بينوا لنا ذلك بيانًا شافيًا ليستضاء‎ ‎بنوره، ويهتدى بهديه، والله يبقي ‏بركتكم، ويعطي أعلام العلماء درجتكم، والسلام‎ ‎عليكم ورحمة الله وبركاته‎. فأجابوا بما نصه‎: ‎ ‎
‎بسم اللـه الرحمن الرحيم ‎
‎وصلى الله على سيدنا محمد وآله‎. ‎
‎صدرت‎ ‎الفيتا من السادات العلماء، الجلة الأعلام، هداة الأنام، ومصابيح الظلام، بالحضرة‏‎ ‎العلية غرناطة حرسها الله، على السؤال فوقه: وهم: السيد البركة المفتي أبو عبد الله‎ ‎المواق، ‏والسيد قاضي الجماعة أبو عبد الله محمد بن الأزرق، والسيد المفتي أبو الحسن‎ ‎علي بن داود، ‏والسيد المفتي أبو عبد الله محمد الجعدالة، والسيد الخطيب أبو عبد‎ ‎الله محمد الفخار، والسيد الشيخ ‏الحاج أبو الحسن علي القلصادي، والسيد الشيخ أبو‎ ‎حامد بن الحسن، والسيد القاضي أبو عبد الله ‏محمد بن سرحونة، والسيد الخطيب أبو عبد‎ ‎الله محمد المشدالي، والسيد الخطيب أبو محمد عبد الله ‏الزليجي، والسيد الخطيب أبو‎ ‎عبد الله محمد الحذام، والأستاذ الشيخ الحاج أبو جعفر أحمد بن عبد ‏الجليل، والأستاذ‎ ‎أبو عبد الله محمد بن فتح، والقاضي أبو عبد الله محمد بن عبد البر، والأستاذ أبو‎ ‎جعفر محمد البقني، أبقى الله بركتهم، وحفظ في درجة العلام رتبتهم، بأن خلع القوم‎ ‎المسؤول ‏عنهم، لبيعة مولانا أبي الحسن نصره الله، وقيامهم بدعوة ابنه، ليس له متمسك‎ ‎من دين الله‎. ‎
‎وإنما هو محض عصيان، وخروج عن طاعة الله وطاعة رسول الله‎ ‎صلى الله عليه وسلم ‏لما ارتكبوه بذلك من وجوه المفاسد التي لا يرضى الله بها من شق‎ ‎عصا الإسلام في هذا الوطن ‏الغريب، وتفريق أمره بعد ما كان مجتمعًا، وإيقاد نار‎ ‎الفتنة، وإلقاء العداوة والبغضاء بسببها في ‏قلوب المسلمين وإفساد ذات البين التي‎ ‎قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((‏‎ ‎إنما هي ‏الحالقة‎ ‎‏))‏‎ ‎مع ما في‎ ‎ذلك من توهين المسلمين وإطماع العدو الكافر في‎ ‎استئصال‎ ‎بيضتهم،‎ ‎واستباحة حريمهم، وكل ذلك محرم بكتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم،‎ ‎وإجماع ‏العلماء فإلى غير ذلك من وجوه المعاطب التي لا تخفر وأن ركونهم إلى الكفار‎ ‎واستنصارهم بهم، ‏لا يخفى أنهم داخلون به في وعيد قول الله تعالى‎:‎‏{‏‎ ‎يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ ‏وَالنَّصَارَى‎ ‎أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ‎ ‎فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ ‏الظَّالِمِينَ‎ } ‎وقال سبحانه في الآية الأخرى‎{ ‎وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ‎ ‎‏}، وأن تجديد‎ ‎بيعتهم للأمير المأسور، إصرارًا على ما ذكر من المعاصي والمحرمات، وتأكيدا لما‎ ‎ارتكبوه من ‏الجرائم والسيئات، فمن آواهم أو أعانهم بقول أو فعل، فهو معين على معصية‎ ‎الله تعالى، ومخالف ‏لسنة رسوله، ومن هوى فعلهم أو أحب ظهورهم، فقد أحب أن يُعصى‎ ‎الله في أرضه بأعظم ‏العصيان، هذا ما داموا مصرين على فعلهم، فإن تابوا ورجعوا عما‎ ‎هم عليه من الشقاق والخلاف، ‏فالواجب على المسلمين قبولهم، لأن الله تعالى‎ ‎يقول‎:‎‏{‏‎ ‎فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ ‏يَتُوبُ عَلَيْهِ‎ ‎‏}‏‎ ‎نسأل الله أن يلهمنا رشدنا ، وأن يقينا شر نفوسنا، وأن يصلح ذات بيننا أنه‎ ‎ولي ذلك ‏والقادر عليه، ومن أشهده السادات المذكورون فيه، بما سطر وكتب عنهم من‎ ‎الجواب على السؤال ‏المنبه عليه، وأنهم قائلون به، وصادر عنهم ولا خفاء بمعرفتهم وهم‎ ‎بحال كما‎ ‎الإشهاد‎ ‎قيد بذلك ‏شهادته في أواسط شهر رمضان المعظم، عام‎ ‎ثمانية وثمانين وثمانمائة عرفنا الله خيره، محمد بن ‏شهد ومحمد بن علي بن شهد، أعلم‎ ‎بثبوته محمد بن علي الأصبحي، وفقه الله وكان له انتهى‎. ‎
‎وإذ قد اختلف‎ ‎العلماء فيمن يوالي النصارى اليهود ويدخل في حلف معهم هل هو مرتد أو ‏لا؟ وإذ قد‎ ‎تجاوزنا‎ ‎العهد الاستعماري‎ ‎الذي كان‎ ‎التجنس‎ ‎فيه‎ ‎مفضيًا لذوبان‎ ‎الأمة الإسلامية‎ ‎وفقد ‏شخصيتها ونظرًا لما حققه‎ ‎الشاطبي‎ ‎من اختلاف الحكم يبن الجزئية المنفردة وبين الكلية العامة، ‏وأن‎ ‎المباح بالجزء قد يصير واجبًا بالكل‎. ‎
‎وانظر خاصة المسألة السادسة في الأوامر‎ ‎والنواهي في‎ ‎قوله: وأما المنهيات فإنك تجده قد ‏جعل اتخاذ الكافرين أولياء والرضى‎ ‎بحكم الطاغوت والوهن بالأعداء والخيانة من النواهي التي ‏لما بلغ بها نص الشارع‎ ‎الغاية من الترهيب فليس ذلك دليلًا على أن جزئياتها على وزان واحد بل ‏هي محل اجتهاد‎ (‎‏3‏‎/ ‎‏136‏‎ – ‎‏144‏‎). ‎
‎لذلك كله فالذي مرجح عندي أن‎ ‎التجنس‎ ‎بجنسية‎ ‎دولة غير إسلامية معصية لا تبلغ درجة ‏الردة إذا كان إقدامه على ذلك تسوية لأوضاعه‎ ‎المادية مع اقتناعه وإيمانه أن الإسلام هو الدين ‏الوحيد وأنه يغضب الله من كل من‎ ‎يحاول النيل من الإسلام أو التطاول عليه، أما إذا كان أمر ‏الدين عنده لا يوازي‎ ‎مصالحه وأنه متهاون به لا يشعر برابطة بينه وبين دينه إلا رابطة تاريخية ‏ضعيفة‎ ‎الأثر فلا شك عندي في ارتداده، وخروجه من الملة‎. ‎
‎على أن القسم الأول مطالب بأن‎ ‎يحرص على تلقين أبنائه أصول الإسلام وأن يحرص على ‏إقامة شعائرهم معهم وأن لا يتهاون‏‎ ‎في هذا الأمر، ليكون ما في يقوله بلسانه مصدقًا بأعماله مع ‏دعوته إلى العمل على‎ ‎الإقلاع عن المعصية والتوبة والعزم على عدم العودة بالإسراع للانسلاخ ‏من الجنسية‎ ‎التي اكتسبها إن كان يحمل جنسية واحدة أو بالرجوع إلى بلده الأصلي إن كان يحمل‎ ‎جنسيتين‎. ‎
‎القسم‎ ‎الثالث‎
‎الذين يتعرضون إلى الفتنة في حياتهم سجنًا وقتلًا أو في عائلاتهم‎ ‎تشريدًا وتتبعًا أو في ‏أموالهم استصفاء فهؤلاء يجوز لهم أن يتجنسوا بجنسية غير‎ ‎إسلامية إذ لم يجدوا بلدًا إسلاميًا ‏يقبلهم ويحميهم{‏‎ ‎إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ‏‎ ‎‏}‏‎. ‎
‎قال‎ ‎ابن العربي‎ : ‎قسم العلماء رضي الله عنهم الذهاب من الأرض قسمين‎: ‎هربًا وطلبًا‎. ‎
‎فالأول: ينقسم إلى ستة أقسام‎: ‎
‎الأول‎: ‎الهجرة‎ ‎وهي‎ ‎الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام وكان فرضًا من أيام النبي ‏صلى الله عليه وسلم‎ ‎وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، والتي انقطعت بالفتح هي القصد ‏إلى النبي‎ ‎صلى الله عليه وسلم حيث كان من أسلم في دار الحرب وجب عليه الخروج إلى دار ‏الإسلام،‎ ‎فإن بقي في دار الحرب عصى ويختلف في حاله‎. ‎
‎الثاني: الخروج من أرض‎ ‎البدعة‎ ‎، قال‎ ‎ابن القاسم‎ : ‎سمعت‎ ‎مالكًا‎ ‎يقول لا يحل لأحد أن يقيم ‏بأرض يسب فيها السلف، قال ابن العربي: وهذا صحيح فإن‎ ‎المنكر إذا لم تقدر أن تغيره فزل ‏عنه، قال تعالى‎:‎‏{‏‎ ‎وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ‎ ‎‏}‏‎ ‎قوله (الظالمين‎). الثالث: الخروج من أرض غلب عليها الحرام فإن طلب‎ ‎الحلال فرض على كل مسلم‎. ‎
‎الرابع: الفرار من الأذية في البدن وذلك فضل من الله‎ ‎رخص فيه، فإذا خشي على نفسه أذن ‏الله في الخروج عنه والفرار بنفسه ليخلصها من ذلك‎ ‎المحذور‎. ‎
‎وأول من فعله إبراهيم عليه السلام فإنه لما خاف من قومه قال‎:‎‏{‏‎ ‎إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي‏‎ ‎‏}‏‎ ‎وقال {‏‎ ‎وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ‎ ‎‏}‏‎ ‎وقال عن موسى{‏‎ ‎فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ‎ ‎‏}‏‎. الخامس: خوف المرض في البلاد‎ ‎الوخمة والخروج منها إلى الأرض النزهة وقد أذن الله للرعاة ‏حين استوخموا‎ ‎المدينة‎ ‎أن يخرجوا إلى المسرح فيكونوا فيه حتى يصحوا وقد استثنى من ذلك‎ ‎الخروج من الطاعون فمنع الله منه بالحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بيد‎ ‎أن ‏علماءنا قالوا: هو مكروه‎. ‎
‎السادس: الفرار خوف الأذية في المال فإن‎ ‎حرمة مال المسلم كحرمة دمه‎. والأهل مثله وأوكد‎ – ( ‎القرطبي‎ : ‎‏5‏‎/ ‎‏350‏‎). ‎
‎وذكر‎ ‎ابن قدامة‎ : ‎أن الناس في‎ ‎الهجرة‎ ‎على ثلاثة أضرب‎: ‎
‎أحدها: من تجب عليه وهو يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه‎ ‎ولا تمكنه إقامة واجبات دينه ‏مع المقام بين الكفار فهذا تجب عليه الهجرة لقوله‎ ‎تعالى‎:‎‏{‏‎ ‎إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي ‏أَنْفُسِهِمْ‎ ‎‏}‏‎ ‎إلى‎ ‎قوله تعالى{‏‎ ‎مَصِيرًا‎ ‎‏}‏‎ ‎وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب، ولأن القيام بواجب دينه ‏واجب على‎ ‎من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته‎ ‎وما لا يتم الواجب إلا به‎ ‎فهو ‏واجب‎ . ‎
‎الثاني: من لا تجب عليه، وهو من يعجز عنها إما لمرض أو إكراه‎ ‎على الإقامة أو ضعف ‏لقوله تعالى {‏‎ ‎إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ‎ ‎‏}‏‎. ‎
‎الثالث: من تستحب له ولا تجب عليه وهو من‎ ‎يقدر عليها لكن يتمكن من إظهار دينه ‏وإقامته في دار الكفر فتستحب له يتمكن من‎ ‎جهادهم وتكثير المسلمين وعمومتهم ويتخلص من ‏تكثير الكفار ومخالطتهم ورؤية المنكر‏‎ ‎بينهم ولا تجب عليه لإمكان إقامة واجب دينه بدون‎ ‎الهجرة‎ ‎وقد كان‎ ‎العباس‎ ‎مقيمًا بمكة مع إسلامه (المغني: 2/ 457)‏‎. ‎
‎إن ما ذكره‎ ‎ابن العربي‎ ‎في القسم الرابع والسادس يبين لنا أن الملتجيء إلى دولة غير‎ ‎إسلامية حفاظًا على نفسه أو ماله لا يعد عاصيًا فضلًا عن كونه كافرًا وإذا كان أمنه‏‎ ‎لا يتم إلا ‏بتجنسه كان له أن يتجنس مع شد عزمه على تحين أول فرصة يستطيع فيها أن‎ ‎يعش آمنًا في ديار ‏الإسلام ليغتنمها، ذلك أن هذا قد أبيح له كضرورة تقدر بقدرها‎ ‎وعلى المضطر أن يجتهد للخروج ‏من حالة الاستثناء‎. ‎
‎والمنطبق على المتجنس في دار‎ ‎الكفر من تقسيم صاحب المغني هو القسم الثاني وليس ‏الثالث ذلك أن المتجنس في بلاد‎ ‎الكفر لا يتمكن من إقامة دينه في جميع أحكامه وإن كانت بعض ‏الأحكام في بلاد الإسلام‎ ‎لا يقرها الإسلام إلا أن الشعائر الدينية معلنة‎ ‎والمجتمع إسلامي‎ ‎يؤثر في‎ ‎تربية الأطفال‎. ‎
‎السؤال‎ ‎الثاني‎
‎حكم‎ ‎الهجرة‎ ‎باعتبار تأثيره على الذرية‎
‎يقول‎ ‎أبو بكر الرازي الجصاص‎ ‎في قوله تعالى{‏‎ ‎أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا‎ ‎‏}‏‎ ‎هذا يدل على‎ ‎الخروج من أرض الشرك إلى أي أرض كانت من أرض الإسلام (2/ 305‏‎) . وقال‎ ‎مالك‎ : ‎هذه الآية دالة على أنه ليس لأحد المقام بأرض يسب‎ ‎فيها السلف ويعمل فيه بغير ‏الحق‎ (‎جامع لأحكام القرآن للقرطبي: 5/ 348‏‎). ‎
‎إن‎ ‎ما قدمناه في الجواب عن السؤال الأول يجري في الإجابة عن هذا السؤال على ما فصلنا‎ ‎له من الأقسام‎. ‎
‎إن ما جاء في تبرير‎ ‎الهجرة‎ ‎وأن خطر الانحراف بذريتهم‎ ‎عن الإسلام وارد في بلاد الإسلام ‏وروده من غيرها من بلاد الكفر بل أشد، ما جاء من‎ ‎التبرير هو مغالطة غير مقبولة فالدولة التي ‏تجبر رعاياها على التنكر للإسلام هي‎ ‎دولة غير إسلامية، وما هو موجود في البرامج التعليمية ‏من توضيح لبعض المذاهب‏‎ ‎المادية أو الفلسفات الإلحادية ليس دعوة إليها وإنما هو ثقافات عامة ‏قد يسيء بعض‎ ‎الأساتذة عند السكوت عن تهافتها وسقطها، وليس معنى ذلك أن أية دولة إسلامية ‏تدعو‎ ‎إلى الإلحاح، على أني أؤكد هنا ما ورد في الجواب السابق أن البيئة لها أثرها الكبير‎ ‎في ‏تكوين الطفل، فسماعة للأذان، وابتهاج الأمة بشهر رمضان، وبعيد الفطر، ووفود‎ ‎الحجاج إلى ‏بيت الله الحرام، وعيد الأضحى، وما يلقاه من عادات إسلامية في مباشرة‎ ‎الحياة، ومن حرص ‏على الطهارة، وابتداء بالسلام، وذكر اسم الله على لسان كثير من أهل‎ ‎الفضل، كل ذلك يجعل ‏البيئة الإسلامية بيئات تختلف أساسًا عن البيئة في بلاد الكفر‎. ‎
‎السؤال‎ ‎الثالث‎
‎حكم زواج المسلمه بغير المسلم‎
‎يقول تعالى{‏‎ ‎فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا‎ ‎هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ ‏يَحِلُّونَ لَهُنَّ} فزوج المسلمة لا بد أن‎ ‎يكون مسلمًا، وقد أكد القرآن هذا التأكيد ليركز في نفوس ‏المؤمنات والمؤمنين أن زواج‎ ‎المسلمة بغير المسلم باطل ومنكر سواء نظرت إليه من جانب ‏الزوج أو من جانب‎ ‎الزوجة{‏‎ ‎لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ‎ ‎‏}‏‎ ‎نظير قوله‎ ‎تعالى{‏‎ ‎هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ ‏وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ‎ ‎‏}‏‎ ‎إيماء إلى قوة الاتصال‎ ‎والتلبس‎. ‎
‎أما الطمع في الإسلام فلا معنى للطمع في الأحكام إذ الأحكام تبنى على‎ ‎الواقع لا المتوقع ‏إنما الحكمة التي يظهرها الفقهاء للأحكام تأليفًا للعقول بشرع‎ ‎الله هي التي يعتمد فيها الفقيه الواقع ‏والمتوقع‎. ‎
‎والكفاءة المتحدث عنها جماعها‎ ‎قوله صلى الله عليه وسلم: ((‏‎ ‎إذا‎ ‎أتاكم من ترضون خلقه ‏ودينه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض‎ ‎‏))‏‎ ‎رواه‎ ‎الترمذي‎ ‎وابن ماجه‎ ‎والحاكم ‏عن‎ ‎أبي هريرة‎ (‎فيض القدير: 1/ 243)‏‎. ‎
‎ويقول‎ ‎الإمام‎ ‎الشافعي‎ : ‎إذا أسلمت لامرأة أو ولدت على الإسلام أو اسلم أحد أبويها وهي ‏صبية‎ ‎لم تبلغ حرم على كل مشرك كتابي ووثني نكاحها بكل حال، ولو كان أبواها مشركين ‏فوصفت‎ ‎الإسلام وهي تعقل صفته منعتها من أن ينكحها مشرك (الأم: 5/ 5‏‎) . فيتبين مما‎ ‎قدمناه أنه يحرم زواج المسلمة بغير المسلم، ولا عذر يبرر ذلك، والنكاح لاغ غير‎ ‎معتبر شرعًا لو وقع فعلًا‎. ‎
‎السؤال‎ ‎الرابع‎
‎حكم استمرار الزوجية إذا أسلمت الزوجة‎
‎إذا أسلمت المرأة وبقي‎ ‎الزوج كافرًا فإنه يفرق بينهما ويمكن أن تعود الزوجية بينهما بدون ‏عقد جديد إذا‎ ‎أسلم زوجها السابق قبل أن تخرج من عدتها، أما إذا أسلم بعد العدة فلابد من عقد ‏جديد‎ ‎وما ذكر في السؤال من ضياع الأولاد والانحراف احتمالات لاغية تؤثر في الحكم نظير‎ ‎احتمال موت الزوج المسلم‎. ‎
‎السؤال‎ ‎الخامس‎ ‎
‎حكم دفن المسلم بمقابر غير المسلمين‎ ‎
‎الواجب الأول بعد تحقق‎ ‎الموت هو الغسل ثم الصلاة على الميت ثم دفنه فإذا مات بديار ‏الإسلام دفن في مقابر‎ ‎المسلمين وإن كانت الهالكة حاملًا من زوج مسلم وهي غير مسلمة دفنت ‏بين مقبرة‎ ‎المسلمين والنصارى ووجهها عكس القبلة ليكون جنينها متجهًا إلى القبلة، وإذا كانت‎ ‎الوفاة بأرض الكفر وتعذر نقله إلى بلاد الإسلام دفن حيثما تيسر وعلى المجموعات‎ ‎الإسلامية أن ‏تتدارك هذه الناحية وتعمل على تخصيص جانب من المقبرة العامة لموتى‎ ‎المسلمين إذا لم يتيسر ‏لها تخصيص المسلمين بمقبرة‏‎. ‎
‎السؤال‎ ‎السادس‎
‎حكم بيع المسجد لانتقال الجالية الإسلامية‎
‎ذكر صاحب المعيار‎ ‎نازلتين‎: ‎
‎الأولى : استفتي فيها الشيخ الحفار لما سئل عن رجل بنى مسجدًا لله في‎ ‎ملكه وحبس له ‏أحباسًا من أرض وزيتون، ثم انتقل الناس عنها وبقي في ربضها القليل من‏‎ ‎الناس فهل لها أن تبدل ‏إلى موقع آخر بالقرب من الديار الكثيرة ؟‎ ‎
‎وكان جوابه: أن‎ ‎نقل المسجد المذكور عن محله لا يحل ولا يجوز لأن ذلك تغيير للحبس ‏من غير موجب بل‎ ‎يصلي فيه من بقي منهم ولو رجل واحد والله حسيب من يسعى في تغييره (7/ ‏‏136)‏‎. ‎
‎الثانية: استفتي فيها ابن سراج لما سئل عن مسجد قرية خلت من السكان ولم يبق‎ ‎فيها ‏للسكنى إلا داران غير أن القرية والمسجد في وسط العمران وعلى طريق تسللك على‎ ‎الدوام فقلما ‏يخلو المسجد ممن يصلي وله حبس أضيف إلى حبس مسجد القرية القريبة منه‎ ‎التي هي عامرة ‏وأصبح ينتفع به ومسجد القرية هو جيد البناء إلا أن بعضه يحتاج إلى‎ ‎الإصلاح وفيه مدة جيدة ‏فهل يجوز هدمه واستخلاص أنقاضه وآلته ويبنى بذلك مسجد القرية‎ ‎العامرة لكون بعض أهل ‏الموضع يرون ذلك خوفًا أن يبقى المسجد الذي بالقرية الخالية‎ ‎على ما هو عليه فتهدم آلته أم يؤخذ ‏من فائدة أحباسه التي أضيفت لمسجد القرية‎ ‎العامرة ما يصلح به بناؤه ويبقى مسجدًا كما كان ؟ ‏على أن القرية الخالية لم يبق‎ ‎فيها أحد يسكن وهي منذ عشرين عامًا خالية وإنما بقي من الدارين ‏اللتين بقيتا فيها‎ ‎بعض بنائهما بغير سكنى فكان جوابه: أنه إن كان المسجد المشار إليه في السؤال ‏أعلاه‎ ‎يخاف من اجتماع أهل الشر والفساد فيه فيهدم ويستعان بنقضه في مسجد آخر وإن كان لا‎ ‎يخاف من ذلك فيه فيبنى ما تهدم منه من أوقاف التي نقلت لغيره من المساجد (7/ 154)‏‎. ‎
‎فالفتوى الأولى والثانية بينهما تكامل ذلك أن الفتوى الأولى عن مسجد في قرية لم‏‎ ‎تخل بتاتًا ‏من السكان وإنما تحول معظم الناس عنها وبقي قليل فالباقي حقه ثابت في‎ ‎إقامة الصلاة بالمسجد ‏ولا يحول المسجد عن مكانه، أما القضية الثانية فقد خلت القرية‎ ‎عن السكان تمامًا، وأن الدارين ‏الباقيتين خاليتان من السكان ويخشى من بقائه في‎ ‎الخلاء وأن يتخذه أهل المنكر وكرًا للفساد فكان ‏الجواب بهدمه ونقل نقضه‎. ‎
‎وفي‎ ‎صورة السؤال الوارد إن انقطع السكان المسلمون تمامًا من ذلك ولم يبق أي واحد منهم‎ ‎فيجوز بيع المسجد وتحويل أمواله لشراء أو توسيع أو ترميم مسجد آخر يؤمه المسلمون‎ ‎لأداء ‏الصلاة جماعة وإن لم ينقطع المسلمون من تلك البلدة بل قالوا فلا يحل نقل‎ ‎المسجد ولا التفويت ‏فيه، إذ هو يقوم بوظيفته وأما في الصورة الأولى فقد انقطع عن‎ ‎القيام بوظيفته وسيحتله قطعًا غير ‏المسلمين إما للسكنى أو لغير ذلك‎. ‎
‎كما أني لا‎ ‎أجد وجهًا لصرف المال في أي وجه من وجوه الخير غير بناء أو ترميم مسجد ‏آخر، لأن‎ ‎الذين ساهموا في تأسيس المسجد الأول إنما ساهموا في إقامة بيت من بيوت الله فلا‎ ‎يحول ما لهم إلى غير الجهة التي قصدوها‎. ‎ ‎ ‎
‎السؤال‎ ‎السابع‎
‎سفر المرأة بدون محرم‎
‎من مقاصد الشريعة حفظ الأنساب وهو أصل‎ ‎من الأصول التي اتفقت عليها الشرائع ومما ‏يكمل حفظ هذا الأصل ما جاء من الأمر بغض‎ ‎البصر وستر مواطن الفتنة، ومنع المرأة من السفر ‏إلا مع ذي محرم يغار عليها ويحفظها،‎ ‎ولذا رأى‎ ‎مالك‎ ‎أن امرأة الأب لا تسافر مع ربيبها وقد ورد ‏عن رسول‎ ‎الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة، فروى مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله‎ ‎عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((‏‎ ‎لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا ومعها‎ ‎ذو محرم‎ ‎‏))‏‎ ‎وفي ‏رواية((‏‎ ‎مسيرة ثلاث ليال‎ ‎‏))‏‎ ‎وفي رواية ((‏‎ ‎فوق ثلاث‎ ‎‏))‏‎ ‎وفي رواية((‏‎ ‎يومين‎ ‎‏))‏‎ ‎وفي رواية ((‏‎ ‎يوم‎ ‎‏))‏‎ ‎وفي أخرى((‏‎ ‎ليلة‎ ‎‏))‏‎ ‎وفي أخرى ((‏‎ ‎لا يخلو رجل بامرأة إلا معها ذو‎ ‎محرم‎ ‎‏))‏‎. ‎
‎يقول‎ ‎القرطبي‎ : ‎ليس هذا اختلافًا في‎ ‎الحديث ولكن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏تكرر سؤاله عن السفر كل مرة بظرف‎ ‎فكان يجيب السائل حسب سؤاله‎ . ‎
‎ويقول‎ ‎الأبي‎ : ‎الفقه جمع‎ ‎أحاديث الباب وحق الناظر أن يستحضر جميعها وينظر أخصها ‏وينيط به الحكم وأخصها‎ ‎باعتبار ترتيب الحكم عليه يوم لأنه إذا امتنع فيه امتنع فيما هوأكثر ثم ‏أخص من يوم‎ ‎وصف السفر المذكور في جميعها فيمتنع في أقل ما يصدق عليه اسم سفر، ثم ‏أخص من السفر‎ ‎الخلوة‎ . ‎
‎هذا في السفر غير الواجب وأما في السفر الواجب فرأى‎ ‎مالك‎ ‎و‎ ‎الشافعي‎ ‎أن لها أن تخرج ‏مع رفقة مأمونة، يشترط‎ ‎الشافعي وجدود امرأة تقية مع الرجال، واختلف تأويل قول‎ ‎مالك‎ ‎واستند‎ ‎مالك‎ ‎و‎ ‎الشافعي‎ ‎إلى الآية‎{ ‎وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ‎ } ‎واستأنسا بأن المرأة إذا أسلمت‎ ‎هاجرت ‏من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام ولو بدون محرم ولا رفقة‎. ‎
‎وقال‎ ‎الباجي‎ : ‎إن هذه الأحكام هي في الانفراد والعدد القليل، وأما‎ ‎القوافل العظيمة فهي عندنا ‏كالبلاد تسافر فيها دون فساد ودون محرم‎ . ‎
‎وقال‎ ‎آخرون: هذا التفصيل يعني من اشتراط المحرمية أو الرفقة المأمونة هو في الشابة: ‏أما‎ ‎العجوز التي لا أرب لرجل فيها فلها أن تسافر وحدها‎. ‎( ‎الأبي‎ : ‎‏3‏‎/ ‎‏436، الزرقاني على الموطأ: 4/ 213)‏‎. ‎
‎ما نقلته عن العلماء يدل على أن‎ ‎الاختلاف بينهم في غير الحج هو على ثلاثة أنحاء‎: ‎
‎‏1- لا تسافر إلا مع محرم‎. ‎
‎‏2- تسافر مع القوافل العظيمة المأمونة‎. ‎
‎‏3- ‏‎ ‎الشابة لا تسافر إلا مع محرم‎ ‎والعجوز تسافر وحدها‎. ‎
‎والذي أطمئن إليه حسبما ينشر في الصحف من انتشار حوادث‎ ‎الاغتصاب التي بلغت حدًا ‏مفزعًا وتسلط الاغتصاب حتى على العجائز أنه لا تسافر‎ ‎المرأة إلا مع محرم يصونها ويحميها ‏وأن التساهل في سفرها بدون رعاية محرمية قد‎ ‎تسببت عنه فضائح معلنة ومناكير وإن سترت ‏على الأسماع وحفظت من القالة وإلا أنه دنس‎ ‎عنه الشرف واختلط النسب وقد يكون وضع المرأة ‏في ظرف محدود ملجئًا لها إلى السفر فهي‎ ‎جزئية يعود فيها السائل أو السائلة بعينه ليعرضها على ‏الفقيه الذي ينظر في كل‎ ‎الملابسات ويحدد الحكم حسب ظهور الضرورة وحدها ولا يصح إعطاء ‏فتوى عامة‎. ‎
‎السؤال‎ ‎الثامن‎
‎لا يجوز للمرأة المسلمة أن تقيم مع نسوة غير مسلمات بعيدة عن بلد‎ ‎الإسلام‎. ‎
‎السؤال‎ ‎التاسع‎
‎لا خلاف بين العلماء أن عورة المرأة مع غير المحرم من الرجال‎ ‎جميع بدنها ما عدا وجهها ‏وكفيها لما رواه أبو داود عن‎ ‎عائشة‎ ‎رضي الله‎ ‎عنها: أن‎ ‎أسماء بنت أبي بكر‎ ‎رضي الله عنها ‏دخلت على رسول الله صلى‎ ‎الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم‎ ‎وقال‎:‎‏ ((‏‎ ‎يا أسماء، إن المرأة إذا‎ ‎بلغة المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا ‏وأشار إلى وجهه وكفيه‎ ‎‏)) (مختصر المنذري6/ 58)‏‎. ‎
‎إلا أن ما ورد في السؤال من أن بعض الجهات تمنعهن من ستر‎ ‎ما أمر الله بستره، فالسؤال ‏مجمل ولا تتسنى الإجابة عنه إلا إذا بين المواطن التي‎ ‎تؤمر بكشفها وما تتعرض له إذا لم تكشف ‏وما هو موقف‎ ‎الجماعة الإسلامية‎ ‎من ذلك‎. ‎
‎السؤال‎ ‎العاشر‎
‎يقول في البحر الرائق شارحًا لقول الكنز: وحمل خمر لذمي بأجرة‎ ‎يعني جاز ذلك، وهذا ‏عند الإمام وقال يكره لأنه عليه الصلاة والسلام لعن في‎ ‎الخمرعشرة وعد منها حاملها وله الإدارة ‏على‎ ‎الحمل‎ ‎وهو ليس معصية‎ ‎وإنما المعصية بفعل فاعل مختار فصار كمن استأجره لعصر خمر ‏العنب وقطفه، والحديث‎ ‎يحمل على الحمل المقرون بقصد المعصية، وعلى هذا الخلاف إذا آجر ‏دابته ليحمل عليها‎ ‎الخمر أو نفسه ليرعى الخنازير فإنه يطلب له الأجر عنده وعندهما يكره، وفي‎ ‎التتارخانية وإن آجر المسلم نفسه ليعمل في الكنيسة فلا بأس به (البحر: 8/ 231)، قال‎ ‎في ‏النهاية: وقول الإمام قياس وقولهما استحسان‎ ( ‎ابن عابدين‎ : ‎‏5‏‎/ ‎‏251)‏‎. ‎
‎وبناء على أن فرص العمل المحدودة بالنسبة للمسلمين في بلاد الكفر ولما‎ ‎كان الإمام‎ ‎أبو ‏حنيفة‎ ‎رضي الله عنه يبني على اصل القياس القول بجواز‎ ‎ذلك فإنه يفتى به ويعتمد، ولا أثم على ‏العامل في مطعم يقدم فيه الخمر لغير المسلمين‎ ‎أما إذا كان أحد حرفاء المطعم مسلمًا وطلب أن ‏يقدم له مع طعامه خمرًا أو لحم خنزير،‎ ‎فإنه يحرم على النادل أن يقوم بذلك‎. وإذا جهل دين الحريف يحمل على أنه غير مسلم‎ ‎لأنه الغالب ومع الجهل يحمل على الغالب في ‏كل شيء‎. ‎
‎السؤال‎ ‎الحادي عشر‎
‎حكم التجارة في الخمر أو صناعته‎
‎حكم تجارة الخمر أو‎ ‎صناعتها لا شك في حرمتها وأن صاحبها ملعون ولو كان ذلك لغير ‏المسلمين وما اتخذه بعض‎ ‎المسلمين حرفة لهم في بلاد الكفر لا يحل ما حرمه الله وفي الحلال ‏سعة، مع أن علمي‎ ‎أنه حتى في بلاد الكفر تكونت جمعيات تحارب الخمور والتزم أصحابها أن لا ‏يقدموا في‎ ‎مطاعمهم خمرًا وتحصلوا من الدولة على إعفاءات تعوض لهم بعض الخسارة وهم ‏حماية‎ ‎للأخلاق تنازلوا عما يوفره لهم بيع الخمر من ربح مع أن دينهم لا يمنعهم من تناولها‏‎ ‎وترويجها، فكيف يليق بالمسلم الذي حرم الله عليه ملابسة الخمر أن يصبح مروجًا لها،‎ ‎وإن جرت ‏له منفعة مالية{وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِنْ نَّفْعِهِمَا‎ ‎‏}‏‎. ‎
‎السؤال‎ ‎الثاني عشر‎
‎الأدوية المحتوية على نسبة من الكحول ينظر فيها من ناحيتين‎: ‎
‎‏1- الإسكار‎. ‎
‎‏2- النجاسة‎ ‎
‎أما القسم الأول: فإن هذه الأدوية المحتوية على‎ ‎نسب من الكحول هي أدوية تفاعل فيها ‏عنصر الكحول مع بقية العناصر من العقاقير وذهبت‎ ‎كل خصائص الكحول ولا يتخذ أي دواء ‏للسكر‎. ‎
‎ومن ناحية أخرى، فإن المسكر هو المطرب‎ ‎الذي يندفع به شاربه إلى ارتكاب الفواحش ‏ويتكون منه نوع من الإقدام وارتفاع الحياة‎ ‎ما لا يجده عندما يكون صاحيا وهذه الأدوية لا يتكون ‏منها ذلك بل على العكس هي توجب‎ ‎أضعاف التهيج والتشنجات‎. ‎
‎وقد ذكر‎ ‎القرافي‎ ‎في الفرق الأربعين ما‎ ‎ملخصه: فالمسكر هو المغيب للعقل مع نشوة ‏وسرور ويدلك على ضابط المسكر قول الشاعر‎: ‎ ‎ ‎
‎ونشربها فتتركنا ملوكًا وأسدًا ما ينهنهنا اللقاء‎ ‎ ‎ ‎
‎فالمسكر يزيد في‎ ‎الشجاعة والمسرة وقوة النفس والميل إلى البطش والانتقال من الأعداء ‏والمناسبة في‎ ‎العطاء أخلاق الكرماء‎. ‎
‎ثم عقد تنبيهًا قال فيه ما ملخصه: تنفرد المسكرات عن‎ ‎المرقدات بثلاثة أحكام الحد والتنجس ‏وتحريم اليسير، والمرقدات والمفسدات لا حد فيها‎ ‎ولا نجاسة فمن صلى بالبنج معه أو الأفيون لم ‏تبطل صلاته‎ ‎إجماعًا‎ ‎،‎ ‎ويجوز تناول اليسير منها لا لم يصل إلى حد التأثير في العقل أو الحواس‎. ‎
‎وتناول الأدوية المختلطة بالكحول هو من النوع المرقد لا المسكر المحدث‎ ‎للنشوة ولا المفسد ‏المثير للأخلاط الكامنة على أن الحنفية يرون عدم الحرمة أصلًا‎ ‎ولو خلط الخل بالخمر وصار ‏حامضًا يحل وأن غلب الخمر وإذا دخل فيه بعض الحموضية لا‎ ‎يصير خلًا عنده حتى تذهب تمام ‏المرارة وعندها يصير خلالً (5/ 295)‏‎. ‎
‎أما القسم‎ ‎الثاني: وهو نجاسة الدواء بحلول الكحول فيه، فالمسألة مختلف فيها يقول‎ ‎ابن‎ ‎عباس‎ ‎، ‏‎(‎‏5‏‎/ ‎‏291‏‎): ‎عبارة صاحب الهداية في باب الأنجاس: وفي باقي الأشربة روايات‎ ‎التغليظ ‏والتخفيف والطهارة، اهـ، وذهب إلى طهارتها ربيعة‎ ‎والليث‎ ‎والمزني‎ ‎وبعض المتأخرين من ‏البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة‎ ‎وقصروا الحرمة على شربها (الجامع لأحكام القرآن: 6/ ‏‏299)‏‎. ‎
‎السؤال‎ ‎الثالث عشر‎
‎الخمائر الجلاتين على نوعين حيوانية ونباتية، فالنباتية‎ ‎جائزة بلا خلاف ، وأما الجلاتين ‏الحيواني فبعضه مستخرج من تحت جلد الخنزير وهذا لا‎ ‎خلاف في نجاسته وحرمة أكله ولا ‏ضرورة تدعو للانتفاع به لإمكان الاستغناء عنه‎ ‎بالجلاتين النباتي أو الجلاتين الحيواني المستخرج ‏من البقر‎. ‎
‎السؤال‎ ‎الرابع عشر‎
‎يقول الله تعالى {‏‎ ‎فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ‏‎ ‎‏}‏‎ ‎فهذا‎ ‎هو القصد من بناء ‏المسجد واختلف في تدريس العربية والشعر بها وكذلك اتخاذ القاضي‎ ‎مجلسه بها، يقول ابن ‏عاصم‎: ‎ ‎
‎وحيث لاق للقضاء يقعد وفي البلاد يستحب المسجد‎ ‎ ‎ ‎
‎وعللوا ذلك بأن المسجد‎ ‎لا يعترض على داخله فيصل إليه كل الناس‏‎. ‎
‎وذكر الشيخ‎ ‎المهدي‎ ‎في خاتمة‎ ‎بحثه لجلوس القاضي في المسجد نقلًا عن ميارة، واعتبار ‏حال الوقت يرجح ترك جلوسه‎ ‎اليوم بالمسجد، وإذا قال ابن عبد السلام: والأقرب من زماننا اليوم ‏الكراهة وسلمه‎ ‎المصنف في التوضيح فكيف بزماننا هذا ؟ ولذا قال أبو علي بعد أن صرح بأن ‏المشهور ما‎ ‎عند المصنف الجلوس به ما نصه: هذا تحرير الكلام من جهة النقل وأما من جهة ‏المعنى‎ ‎فما قاله ابن عبد السلام والمصنف من أن الكراهة باعتبار وقت لا إشكال في أصله ولا‎ ‎يتوقف فيه إلا من لم ينصف أو من لم يطلع على ما يقع في المساجد في هذه الأزمنة التي‎ ‎هي بعد ‏أزمنة ابن عبد السلام بكثير، وأما الكلام في تحريم القضاء في المسجد في هذه‎ ‎الأوقات والذي ‏أتقلده وإن كنت لست أهلًا لأن أقلد هو التحريم لأن الأحكام تتغير‎ ‎بحسب ما يعرض لها وإن ‏وردت عن الشارح وقد أشار علي الأجهوري لبعض هذا، وهذا الذي‎ ‎ذكرنا تلقيناه من أشياخنا ‏غير ما مرة (ج أ كراس 15 ص 3 و 4)‏‎. ‎
‎وقد ختم‎ ‎الترمذي‎ ‎البيوع بباب النهي عن البيع في المسجد وروى فيه حديثًا‎ ‎حسنًا عن‎ ‎أبي ‏هريرة‎ ‎‏((‏‎ ‎أن رسول الله صلى الله عليه وسلم‎ ‎قال: إذا رأيتم من يبيع في المسجد فقولوا: لا أربح ‏الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد‎ ‎فيها الضالة فقولوا: لا رد الله عليه‎ ‎‏))‏‎ ‎علق عليه‎ ‎ابن‎ ‎العربي‎ : ‎اختلف فيه العلماء فمنهم من كرهه، ومنهم من رخص فيه، وقوله‎ ‎تعالى {‏‎ ‎فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ ‏تُرْفَعَ‎ ‎‏}‏‎ ‎يعني عما لا يجوز فأما المباح‎ ‎فيجوز منه اليسير، أما النكاح فيه فجائز، وقد عقد صلى الله ‏عليه وسلم في الموهوبة‎ ‎نصًا وذلك لأنه قربة ولأنه أيضًا نادر، والله أعلم‎ (‎‏6‏‎/ ‎‏62‏‎). ‎
‎وقد ذكر‎ ‎القرطبي‎ ‎في تفسير سورة النور من الجامع أن‎ ‎عمر بن الخطاب‎ ‎رضي الله عنه ‏سمع صوت رجل في المسجد فقال: ما هذا الصوت؟ أتدري أين أنت؟ ثم‎ ‎قال: وقد كره بعض ‏أصحابنا تعليم الصبيان في المساجد، ورأى أنه من باب البيع، وهذا‎ ‎إذا كان بأجرة فلو كان بغير ‏أجرة لمنع أيضًا من وجه آخر، وهو أن الصبيان لا يتحرزون‎ ‎من الأقذار والوسخ‎. ‎
‎وبهذا يتضح أن إقامة الحفلات في المساجد مع الرقص والإنشاد‎ ‎حرام ولا ضرورة لإقامة ‏مثل ذلك إذ إن أمره صلى الله عليه وسلم بإعلان الزواج وإطعام‎ ‎بعض الناس لا يبلغ درجة ‏الرقص والغناء‎. ‎
‎السؤال‎ ‎الخامس عشر‎
‎أمر صلى الله عليه وسلم الوالد بأن يحسن تسمية ابنه،‎ ‎والأسماء الممنوعة هي الأسماء الدالة ‏على شرك، فلا يجوز أن يسمي ابنه الله أو‎ ‎الواحد القهار، ولذا فإن اضطر الأب لتسمية ابنه من ‏قائمة لا شرك فيها جائز، ولكن‎ ‎الذي شاهدته في‎ ‎الصين‎ ‎أن المولود يحمل اسمين اسمًا إداريًا على‎ ‎الطريقة الصينية، واسمًا عائليًا إسلاميًا تناديه به عائلته: محمد، علي، صالح، إلخ‎. ‎
‎السؤال‎ ‎السادس عشر‎
‎جاء في السؤال حكم زواج الطالب أو الطالبة، والحكم لا يختص‎ ‎بالطالب أو الطالبة، إذ ‏الزواج ينعقد إذا ما توفرت أركانه من الزوج والزوجة والصيغة‎ ‎والمهر والولي، والشهود على ‏خلاف بين العلماء في بعض هذه الأركان‎. ‎
‎ونية الزوج‎ ‎عند العقد أنه سيطلق زوجته بعد مدة إذا قدرها في نفسه ولم يبح لها ولم يقع ‏عليها‎ ‎العقد، إن هذه النية غير مؤثرة كنية الزوج طلاق زوجته ولم يصرح ذلك فالعصمة قائمة‎. ثم إن هذه النية كثيرًا ما ينفيها الزوج ذاته إذ يجد من زوجته ما يغريه بالحياة‎ ‎معها وكثيرًا ما ‏ينجبان فيكون الولد عامل استقرار‎. ‎
‎ونكاح المتعة المنهي عنه هو‎ ‎نكاح ينفسخ عند‎ ‎حلول الأجل‎ ‎من ذاته فهو من تاريخ العقد ‏مبني على‎ ‎الاستمتاع المحدود الأجل فإذا جاء الأجل ذهب كل في سبيل حاله ولا يحتاج إلى ‏طلاق‎. ‎
‎السؤال‎ ‎الثامن عشر‎
‎عجبت من هذا السؤال، الحرج من عدم مد الأنثى يدها لمصافحة‎ ‎الأجانب عنها، الحرج من ‏امتناع الرجل من مصافحة المرأة التي تمد يدها إليه كان مصدر‎ ‎عجبي تعميم كلمة الحرج في كل ‏مناسبة وفي كل أمر فيه تراخٍ خلقي الحرج له مفهوم في‎ ‎الإسلام وهو كل ما أوقع المسلم في ‏ضيق حقيقي لا وهمي يجد صعوبة زائدة على المعتاد‎ ‎ومشقة من تحمله، وهذا قد نفاه الله عن ‏المسلمين فقال تعالى{‏‎ ‎وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‎ ‎‏}‏‎. ‎
‎أما مجرد الصعوبة‎ ‎والمشقة فهو أمر مقارن للتشريع، والتكليف ما أطلق حقيقة إلا على ما ‏فيه كلفة، ولذلك‎ ‎وقع البحث في إدخال المباح في‎ ‎الأحكام التكليفية‎ . ‎
‎واتقاء‎ ‎الشبهات أصل من أصول تكوين الفرد المسلم ((‏‎ ‎فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه‎ ‎وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام‎ ‎‏))‏‎. ‎
‎لقد اتقى رسول الله صلى‎ ‎الله عليه وسلم هذه الشبهة وهي مصافحة النساء فروى في ‏الصحيح عن‎ ‎عائشة‎ ‎أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((‏‎ ‎ما مست يده يد امرأة قط‎ ‎‏))‏‎ ‎وروي ((‏‎ ‎أنه بايعهن بين يديه‎ ‎وأيديهن في ثوب‎ ‎‏))‏‎. ‎
‎وقالت أم عطية‎>>: ‎لما قدم رسول الله صلى الله‎ ‎عليه وسلم‎ ‎المدينة‎ ‎جمع نساء الأنصار في ‏بيت ثم أرسل إلينا‎ ‎عمر بن الخطاب‎ ‎فقام على الباب فسلم فرددن عليه السلام فقال: أنا رسول ‏رسول‎ ‎الله صلى الله عليه وسلم إليكن: ألا تشركن بالله شيئًا . فقلن: نعم، فمد يده من‎ ‎خارج البيت ‏ومددن أيدينا من داخل البيت‎>> . ( ‎القرطبي‎ : ‎‏6550)‏‎. ‎
‎إن هذه الأحاديث لا خلاف بينها وإن لم يقبل منها‎ ‎ابن العربي‎ ‎إلا ما ورد في الصحيح لأنها ‏تؤكد على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم تمس يده‎ ‎يد امرأة ولم يباشر ذلك‎. ‎
‎وأن رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم‎ ‎عمر‎ ‎بن الخطاب‎ ‎رضي الله عنه لم يمس هو يد ‏امرأة معروفة بعينها وإنما كانت النساء‎ ‎خلف الستر والمبايعة مختلطة تنفي الريبة‎. ‎
‎وما ورد من إطلاق في بيعة الصفا يحمل‎ ‎على المقيد الوارد فيه أن المبايعة كانت بحائل أو ‏من وراء ستر‎. ‎
‎وبناء على ما‎ ‎قدمناه فإن الذي نطمئن إليه أن المرأة لا تصافح أجنبيًا غير محرم ولا زوج، ‏وأن‎ ‎الرجل لا يصافح امرأة أجنبية عنه، وقد رأيت في البلاد‎ ‎الشيوعية‎ ‎أن المرأة‎ ‎المسلمة لا تمد ‏يدها لأي رجل أجنبي وتشير بابتسامة‎. ‎
‎السؤال‎ ‎التاسع عشر‎
‎الصلاة في الكنائس إذا كانت على طاهر أو الأرض فالصلاة جائزة‎ ‎لقوله صلى الله عليه ‏وسلم ((جعلت‎ ‎لي الأرض مسجدًا وطهورًا‎ ‎‏))‏‎ ‎فعم إذ لا دليل على التخصيص، والتماثيل لا تبطل‎ ‎الصلاة وإنما أمرها أنها ربما تشغل عن الصلاة فليصرف بصره عنها كما لا يتعمد التوجه‎ ‎إليها ‏بل ينحرف قليلًا‎. ‎
‎السؤال العشرون‎ ‎
‎طعام أهل الكتاب أنواع‎: ‎
‎‏1- الطعام الذي لم يدخل اللحم في تركيبه، وهذا جائز أكله وهو الوجه الأول من الأوجه‎ ‎التي حملت عليها الآية {‏‎ ‎وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ‎ ‎لَّهُمْ‎ ‎‏}‏‎. ‎
‎يقول‎ ‎ابن العربي‎ : ‎في ذكر الطعام‎ ‎قولان‎: ‎
‎أحدهما: أنه كل مطعوم على ما يقتضيه مطلق اللفظ وظاهر الاشتقاق، كان‎ ‎حالهم ألا يؤكل ‏طعامهم لقلة احتراسهم عن النجاسات ولكن الشرع سمح بذلك لأنهم أيضًا‎ ‎يتوقون القاذورات ولهم ‏في دينهم مروءة يوطونها، ألا ترى أن المجوس الذين لا تؤكل‎ ‎ذبائحهم لا يؤكل طعامهم ‏ويستقدزرون ويستنجسون في أوانيهم‎. ‎
‎‏2- الطعام الذي دخل‎ ‎اللحم في التركيبة، وهذا أيضًا على نوعين‎: ‎
‎‏ (أ) ما ذبح أو نحر على الطريقة‎ ‎الشرعية وسمي الله عليه فهذا يؤكل‎. ‎
‎‏ (ب) اللحم الذي لم يجمع شروط الذبح الشرعي‎ ‎كما لم يسم الذابح عليه اسم الله‎ ‎،‎ ‎يقول‎ ‎ابن ‏العربي‎ : ‎قال‎ ‎جماعة من العلماء: تؤكل ذبائحهم وإن ذكروا عليها اسم غير المسيح، وهي مسألة ‏حسنة‎ ‎نذكر لكم منها قولًا بديعًا، وذلك أن الله سبحانه حرم ما لم يسم الله عليه من‎ ‎الذبائح وأذن في ‏طعام أهل الكتاب وهم يقولون: إن الله هو المسيح ابن مريم وأنه ثالث‎ ‎ثلاثة، تعالى الله عن قولهم ‏علوًا كبيرًا، فإن لم يذكروا اسم الله سبحانه أُكِلَ‎ ‎طعامهم، وإن ذكروا فقد علم ربك ما ذكروا وأنه ‏غير الإله وقد سمح فيه فلا ينبغي أن‎ ‎يخالف أمر الله ولا يقبل عليه، ولا تضرب الأمثال له‎. ‎
‎وقد قلت لشيخنا‎ ‎المقدسي: إنهم يذكرون غير الله قال لي: هم من آبائهم، وقد جعلهم الله تبعًا ‏لمن‎ ‎قبلهم مع علمه بحالهم، وكالقتل لا على الطريقة الشرعية‎ ‎وقد رأى‎ ‎ابن العربي‎ ‎جوازه أيضًا،‎ ‎يقول‎ ‎الحطاب‎ : ‎واختلف المذهب‎ ‎إذا كان يسل عنق الدجاجة فالمشهور لا تؤكل وأجاز ابن العربي ‏أكلها ولو رأيناه يسل‎ ‎عنقها لأنه من طعامهم‎ ‎، قال ابن عبد السلام: وهو يعمد ويحث معه (ابن ‏عرفة: 3‏‎/ ‎‏213)‏‎. ‎
‎ومثله لابن ناجي في شرح الرسالة وقد انتصر لابن العربي اعتمادًا على قوله‎ ‎لأن الله لما ‏أباح أكل طعامهم فهو عالم بطريقة إزهاق روح ما يأكلونه من الحيوان‎ (‎ابن ناجي 1/ 337‏‎). ‎
‎السؤال‎ ‎الواحد والعشرون‎
‎حكم حضور الحفلات التي تختلط فيها النساء بالرجال وتقدم‎ ‎الخمور حرام وإن كان في ذلك ‏اعتزال المسلمين، والواجب أن يكونوا بعيدين عن هذه‎ ‎التجمعات وقد بين الفقهاء حكم إجابة ‏الدعوة وأنها تكون حرامًا إذا كان مما يقع فيها‎ ‎حرامًا‎. ‎
‎السؤال‎ ‎الثاني والعشرون‎
‎أوقات الصلاة في بعض البلدان التي لا تتبين فيها‎ ‎الأوقات ذكر‎ ‎ابن عابدين‎ ‎أن في ذلك ثلاثة ‏أنظار‎: ‎
‎‏1- ‏‎ ‎أن الصلاة‎ ‎التي فقد وقتها تسقط عن المكلف باعتبار أن السبب ما يلزم من أجل وجوده ‏الوجود ومن‎ ‎أجل عدمه العدم بالنظر لذاته وأوقات الصلوات أسباب الوجود فإذا لم يدخل الوقت ‏يسقط‎ ‎الوجوب‎. ‎
‎‏2- أن يقدر وقت دخول الصلاة على قرب البلدان إليهم ويكون أداء فينوي‎ ‎الأداء‎. ‎
‎‏3- ‏‎ ‎أن يقدر الوقت حسب أقرب البلاد إليهم وينوي القضاء لفوات الوقت‎ ‎بطلوع الفجر، ‏‏(انظر رد المحتار: 1/ 242- 243)‏‎. ‎
‎وما يرجع عدم سقوط الصلاة الحديث‎ ‎الذي أخرجه مسلم عن النواس بن سمعان والذي جاء ‏فيه ((قلنا يا رسول الله، وما لبثه في‎ ‎الأرض؟ قال: أربعون يومًا يوم كسنة ويوم كجمعة وسائر ‏أيامه كأيامكم، قلنا: يا رسول‎ ‎الله، فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا اقدروا له ‏قدرة‎ ‎‏)) ‏‎ ‎‏(إكمال الإكمال: 7/ 269- 270)‏‎. ‎
‎كما أنه لا يستبعد بناء على الحديث‎ ‎الذي رواه‎ ‎مالك‎ ‎في موطئه، عن عطاء بن يسار أن ‏رسول الله صلى الله‎ ‎عليه وسلم قال‎:(( ‎ما بين هذين‎ ‎وقت‎ )) ‎أن يكون وقت‎ ‎المدينة‎ ‎مرجعًا لمن ‏تداخل عندهم الوقت ،‎ ‎والله أعلم‎. ‎
‎السؤال‎ ‎الثالث والعشرون‎
‎الذي أعتقده حسبما هو مفصل في البحث الذي قدمته لمجمع‎ ‎الفقه الإسلامي أن دخول ‏الشهور هو من الوقت الذي يمكن فيه رؤية الهلال وهذا الوقت‎ ‎قد يستند إلى الرؤية البصرية مع ‏ما يصحب الرؤية البصرية من وهم وخداع نظر وإمكان‎ ‎كذب المخبر، وقد يستند إمكان رؤية ‏الهلال إلى الحساب، وقد بلغ من الدقة في عصرنا‎ ‎هذا مبلغ اليقين وإذا كانت الرؤية البصرية ‏ظنية والرؤية الحسابية يقينية فإن من‎ ‎القواعد تقديم اليقين على الظن إلا أن الحساب يجب أن يدقق ‏لا على وقت ميلاد الهلال‎ ‎وإنما على وقت إمكان رؤيته‎. ‎
‎السؤال‎ ‎الرابع والعشرون‎ ‎
‎حكم عمل المسلم في الدوائر الحكومية في البلدان المسلمة‎ ‎قد اختلفت فيه أقوال العلماء: ‏فذهب‎ ‎ابن رشد‎ ‎إلى أن إجارة المسلم نفسه‎ ‎من الكافر على أربعة أنواع‎: ‎
‎جائزة: أن يعمل المسلم عملًا في محله لا في محل‎ ‎الكافر كالصانع الذي يعمل للناس في ‏مصنعه‎. ‎
‎ومكروهة: أن يكون العمل كله للمؤجر،‎ ‎ولكنه ليس تحت يده كالمقارض والمساقي‎. ومحظور: ما كان تحت يد الكافر كأجير في‎ ‎بيت وإجارة المرأة نفسها المرضع ولده‎. والحرام: أن يؤاجر منه نفسه فما لا يحل‎ ‎من عمل الخمر ورعي الخنازير وهذا يفسخ فإن فات ‏تصدق بالأجرة على المساكين‎ ‎‏(‏‎ ‎الحطاب‎ : ‎‏3‏‎/ ‎‏419)‏‎. ‎
‎وفي المهذب أن من الشافعية من قال: لو استأجر‎ ‎الكافر مسلمًا ففيه قولان: ومنهم من قال: ‏يصح قولًا واحدا (التحفة بحاشية الشرواني‎: ‎‏6‏‎/ ‎‏122)‏‎. ‎
‎وبهذا فإن عمل المسلم في الحقل الإداري غير الإسلامي قد تبين حكمه في‎ ‎أعلاه ونزيد هنا ‏بيانًا لبعض الخصوصيات: أن العمل في الدوائر الاستراتيجية أو‎ ‎الذرية إن كان الغرض من ذلك ‏مجرد التحصيل على القوت بواسطة الشغل فإن العمل في هذه‎ ‎الدوائر لا يجوز لأن فيه عونا على ‏تخريب العالم وتهديد أمنه، وإن كان الغرض منه‎ ‎اكتساب الخبرات ليستفيد منها العالم الإسلامي ‏في يوم من الأيام فهي جائزة بل مأجور‎ ‎صاحبها‎. ‎
‎السؤال‎ ‎الخامس والعشرون‎
‎لقد بينا في السؤال السابق حكم عمل المسلم بالدوائر‎ ‎الحكومية للدول غير الإسلامية وتصميم ‏الكنائس هو كرعي الخنازير وعصر الخمر، وما ضيق‎ ‎الله الرزق على أحد‎. وخبرتي أن المسلم المستقيم محترم في عمله ولا يضيق عليه‎ ‎ويجد مخرجًا من المضايق بعون ‏ربه‎. ‎
‎السؤال‎ ‎السادس والعشرون‎ لا يجوز للمسلم أن يأكل من المال الذي علم أنه مجموع من‎ ‎حرام عينًا، وهذا الرجل يجب عليه ‏أن يقلع عن بيع الخمر وما لا يحل، وإذا كان من‎ ‎ينفق عليهم يجدون طريقة للاستغناء عن المال ‏الحرام وجب عليهم الاستغناء والتكفف ولو‎ ‎بأقل مما ينفق عليهم، وإن كانوا عاجزين عن الشغل ‏يرخص لهم بمقدار الضرورة، والله‎ ‎أعلم‎. ‎
‎السؤال‎ ‎السابع والعشرون‎ تبرع المسلم أو الهيئات الإسلامية يجوز لغير المسلمين‎ ‎إلا ما كان نسكًا كالأضحية فلا يهدي منها ‏مسلم وما كان فيه تعزيز لدين غير الإسلام‎ ‎لا يعين عليه المؤسسات التنصيرية والكنيسة وما كان ‏من عون إنساني لبقاء الحياة‎ ‎فالحياة محترمة‎. ‎
‎السؤال‎ ‎الثامن والعشرين‎ المهم هو صيغة العقد فإنه كانت صيغة لا أثر للربا فيها‎ ‎فهي جائزة إن كانت صيغة العقد ربوية ‏فهي حرام‎.
والله أعلم‎.‎