|
 |
|
|
أجوبة
فضيلة الشيخ محيي الدين قادي
|
بسم اللـه الرحمن الرحيم
الحمد لله على أفضاله وأهل الصلاة والسلام سيدنا محمد وصحبه وآله.
السؤال الثالث
اعتذر كاتب البحث عن الجواب على السؤالين الأول والثاني
ما حكم زواج المسلمة بغير المسلم، خاصة إذا طمعت في إسلامه بعد الزواج حيث تدعي مسلمات كثيرات أنه لا يتوفر لهن الأكفاء من المسلمين في غالب الأحيان إذ إنهن مهددات بالانحراف، أو يعشن في وضع شديد الحرج؟
وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد بأن زواج المسلمة بغير المسلم محظور لا يجوز بحال من الأحوال عند فقهاء الإسلام.
جاء في المذهب الحنفي أن زواج المسلمة بغير المسلم لا يجوز لقوله تعالى{وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ } لأن في إنكاح المؤمنة الكافر خوف وقوع في الكفر؛ لأن الزوج يدعوها إلى دينه، والنساء في العادات يتبعن الرجال فيما يؤثرون من الأفعال ويقلدنهم في الدين.
وقد أشار القرآن إلى ذلك في آخر الآية الكريمة السالفة الذكر بقوله تعالى{أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إلى النَّارِ} لأنهن يدعون المؤمنات إلى الكفر، والدعاء إلى الكفر دعاء إلى النار، لأن الكفر يوجب النار فكان نكاح الكافر المسلمة سببًا داعيًا إلى الحرام فكان حرامًا.
والنص وإن ورد في المشركين لكن العلة وهي الدعاء إلى النار تعم الكفرة أجمعين، فيعم الحكم بعموم العلة، فلا يجوز إنكاح المسلمة الكتابي كما لا يجوز إنكاحها الوثني والمجوسي، لأن الشرع قطع ولاية الكافرين عن المؤمنين بقوله تعالى{وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} فلو جاز إنكاح الكافر المؤمنة لثبت له عليها سبيل وهذا لا يجوز الكاساني،البدائع: 2/ 271 – 272 بتصرف
وجاء في المذهب المالكي أن زواج المسلمة بغير المسلم لا يجوز البتة وقد أخذ ابن القاسم الحكم بعدم زواج المسلمة من غير المسلم من قول مالك في ذمي اشترى أمة مسلمة ووطئها: أن يقدم إلى أهل الذمة في ذلك أشد التقدم ويعاقبوا على ذلك ويضربوا بعد التقدم سحنون، المدونة: 2/ 297
فإذا كان هذا في وطء الكافر الأمة المسلمة فمن باب أولى نكاحه الحرة المسلمة عند مالك.
وقد أورد سحنون فيها عدة آثار مع الصحابة والتابعين تمنع زواج المسلمة بغير المسلم بكل وضوح، وها هي ذي تلكم الآثار:
1- روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه كتب يقول: إن المسلم ينكح النصرانية، ولا ينكح النصراني المسلمة.
2- وروي عن الإمام علي كرم الله وجهه أنه قال: لا ينكح اليهودي المسلمة ولا النصراني المسلمة.
3- وروي عن ربيعة شيخ مالك بن أنس وأحد فقهاء التابعين أنه قال: لا يجوز للنصراني أن ينكح الحرة المسلمة.
وعنه أيضًا أنه قال في نصراني أنكحه قوم، وهو يخبرهم أنه مسلم فلما خشي أن يطلع عليه أسلم وقد بنى بها. قال: يفرق بينهما وإن رضي أهل المرأة؛ لأن نكاحه كان لا يحل، وكان لها الصداق ثم إن رجع إلى الكفر بعد إسلامه ضربت عنقه.
4- روي عن مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت عبد الله بن أبي سلمة يسأل: هل يصح للمسلمة أن تنكح النصراني؟ قال: لا.
قال بكيري: وقال ذلك قسيط والقاسم بن محمد ،قال: ولا يهودي، وسليمان بن يسار وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، قالوا: فإن فعل ذلك فرق بينهما السلطان المدونة: 296- 298 بتصرف
وهكذا في المذهبين: الشافعي والحنبلي قال في المغني: والإجماع منعقد على تحريم تزوج المسلمات للكفار ابن قدامة: المغني: 6/ 617
والإجماع كما قال سماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر بن عاشور –رحمه الله- إما مستند إلى دليل تلقاء الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم وتواتر بينهم، وإما مستند إلى تضافر الأدلة الشرعية كقوله تعالى{فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} فعلق النهي عن الكفر وهو أعلم من الشرك وكقوله تعالى{أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} في الآية الآنفة الذكر، والإشارة إلى المشركين والمشركات إلا لا وجه لتخصيصه بالمشركين خاصة لصلوحيته للعود إلى الجميع، وهي تعليل للنهي عن نكاح المشركات، وإنكاح المشركين، والدعاء إلى النار معناه الدعاء إلى أسباب الدخول إلى النار لأن ما هم عليه يجر إلى النار من غير علم.
ولما كانت رابطة الزواج رابطة اتصال ومعاشرة نهي عن وقوعها ممن يدعون إلى النار خشية أن تؤثر تلك الدعوة في النفس فإن بين الزوجين مودة وإلفا يبعثان على إرضاء أشدهما للآخر، ولما كانت هذه الدعوة من المشركين شديدة لأنهم لا يوحدون الله، ولا يؤمنون بالرسل كان البون بينهم وبين المسلمين في الدين بعيدًا جدًا، لا يجمعهم شيء يتفقون عليه فلم يبح الله مخالطتهم بالتزوج من كلا الجانبين.
أما أهل الكتاب فيجمع بينهم وبين المسلمين اعتقاد وجود الله، وانفراده بالخلق والإيمان بالأنبياء، ويفرق بيننا وبين النصارى الاعتقاد ببنوة عيسى من طرفهم وعدم اعتقادنا ذلك، وإيماننا برسالة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وعدم إيمانهم بذلك، ويفرق بيننا وبين اليهود عدم إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وعدم تصديقهم بنبوة عيسى عليه السلام فأباح الله للمسلم أن يتزوج الكتابية، ولم يبح تزويج المسلمة من الكتابي اعتدادًا بقوة تأثير الرجل على امرأته فالمسلم يؤمن بأنبياء الكتابية، وبصحة دينها قبل النسخ فيوشك أن يكون ذلك جالبًا إياه إلى الإسلام لأنها أضعف منه جانبًا.
وأما الكافر فهو لا يؤمن بدين المسلمة ولا برسولها فيوشك أن يجرها إلى دينه لذلك السبب، وهذا كان يجيب به شيخنا الأستاذ سالم أبو حاجب عن وجه إباحة تزوج المسلم الكتابية ومنع تزوج الكتابي المسلمة سماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور، التحرير والتنوير: 2/ 342 – 343 بتصرف
وما سقناه من نصوص عن فقهاء المذاهب الإسلامية يتضح منع زواج المسلمة بغير المسلم دل على ذلك:
1- ظواهر القرآن الكريم كقوله تعالى { وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ} الآية، وكقوله جل جلاله{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنَّ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}.
2- ظواهر من الآثار عن الصحابة والتابعين – رضوان الله عليهم أجمعين.
3- القياس كما جاء فيما نقلناه عن سماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور – رحمه الله- ولعله يعني قياس الكتابي على المشرك في حرمة تزوج المسلمة به.
4- إجماع فقهاء الإسلام من لدن انتقاله صلوات الله وسلامه عليه إلى الرفيق الأعلى إلى يوم الناس هذا ، وهو أظهر الأدلة وأقواها، إما الاستناد إلى تضافر الأدلة الشرعية، وإما إلى دليل تلقاه الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم وتواتر بينهم إذ الاجتماع لا يحصل إلا بذلك.
5- ما يمكن أن نسميه بالدليل العقلي، والذي نقله سماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور عن شيخه الأستاذ سالم أبي حاجب رحمهما الله.
وانطلاقًا من كل ذلك نجيب بعدم حلية زواج المسلمة بغير المسلم ولو رجت إسلامه بعد الزواج.
وأما دعوى مسلمات كثيرات عدم توفر الأكفاء من المسلمين في غالب الأحيان وتوافر الأكفاء في غيرهم فمردودة إذ لا كفاءة بحال من الأحوال بين مسلمة وكافر ولو أعجبها لما سقناه من الأدلة السابقة، ولأن الكفاءة قائمة بالقرآن والسنة بين المسلمين والمسلمات، وليعلم هؤلاء النسبة أن مسلمًا ذا دين خير من كافر ولو أعجبهن قال تعالى{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } والأخوة تقتضي المساواة بين الإخوة ما لم يقم مانع شرعي يمنعها، وقال تعالى{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } وقال تعالى{ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ }.
وقال صلى الله عليه وسلم:(( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، وإلا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ))، قالوا: وإن كان فيه؟ (أي فقر وقلة مثلًا) فقال صلى الله عليه وسلم: (( إذا جاءكم من ترضون )) الحديث ثلاث مرات ابن تيمية الجد، منتقى الأخبار مع نيل الأوطار، كتاب النكاح، باب ما جاء في الكفاءة في النكاح، 6/ 261 وقال صلى الله عليه وسلم(( إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي إن أوليائي المتقون حيث كانوا وأين كانوا )) ابن قيم الجوزية: زاد المعاد في هدي خير العباد، حكمه صلى الله عليه وسلم في الكفاءة في النكاح: 4/ 22 وزوج النبي زينب بنت جحش من زيد بن حارثة مولاه زاد المعاد وقد قال تعالى{ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ } إذن فالكافر في الدين بهذا المفهوم أعني الطاعة والإدعاء لأوامر الله، واجتناب لنواهيه سرًا وعلانية مجمع عليها بين فقهاء الإسلام أيضًا.
وقول هؤلاء النسوة: إنهن إن لم يتزوجن بأكفاء غير مسلمين يتعرضن إلى الانحراف أو يعشن في وضع حرج هو من نزغ الشيطان ومن رواسب الجاهلية، فعليهن أن يبرأن إلى الله من خواطر ولَّدَهَا الهوى ورباها الكبرياء وأن يدرسنَّ بإمعان سيرة النساء الصحابيات، وأن يتزودن لحسن الأسوة بما ثبت عن الله ورسوله في النسوة حتى يكنَّ على بصيرة من الأمر والله الموفق للجميع.
السؤال الرابع
ما حكم استمرار الزوجية والمعاشرة بين زوجة دخلت الإسلام وبقي زوجها على الكفر، ولها منه أولاد تخشى عليهم الضياع والانحراف، ولها طمع في أن يهتدي زوجها إلى الإسلام لو استمرت العلاقة الزوجية بينها وبينه؟
ما الحكم فيما إذا لم يكن هناك طمع في إسلامه، ولكنه يحسن معاشرتها وتخشى لو تركته ألا تعثر على زوج مسلم؟
وفي الجواب على هذا السؤال، والله الموفق للصواب، أقول: إذا أسلمت الزوجة، وبقي زوجها على الكفر فلا يخلو الحال من أمرين:
1- أن تسلم قبل البناء فلم يقر على زوجيتها لبينونتها بمجرد إسلامها قال خليل بن إسحاق المالكي: "وقبل البناء بانت مكانها" المختصر: 113
2- وأما إن أسلمت الزوجة بعد البناء: فلا فرق بين أن تكون مجوسية أو كتابية (أي يهودية أو نصرانية) فقد قال إمام دار الهجرة رضي الله عنه "الزوج أملك بالمرأة إذا أسلم وهي في عدتها، فإن انقضت عدتها فلا سبيل له عليها" سحنون، المدونة: 2/ 298 .
ولا تقبل دعواه الإسلام قبل انقضاء العدة إلا ببينة النفراوي، الفواكه الدواني: 2/ 80: 3/ 156 .
وإن بانت منه بانقضاء عدتها فهل بينونتها طلاق أو فسخ؟
سئل مالك رضي الله عنه عن ذلك فقال: "لا يكون إسلام أحد الزوجين طلاقًا إنما هو فسخ بلا طلاق" سحنون، المدونة: 2/ 298
والأدلة على ما ذكر معرفة في هدي خير العباد صلى الله عليه وسلم مستفيضة منها: ما رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب أنه بلغه، أن نساء كن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرضهن وهن غير مهاجرات وأزواجهن حين أسلمن كفار، منهن بنت الوليد بن المغيرة، وكانت تحت صفوان بن أمية فأسلمت يوم الفتح وهرب زوجها صفوان بن أمية من الإسلام، إلى أن قال: فشهد حنينًا والطائف وهو كافر وامرأته مسلمة، ولم يفرق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بينه وبين امرأته حتى أسلم صفوان واستقرت عنه امرأته بذلك النكاح كتاب النكاح: نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله والمدة التي كانت بين إسلام صفوان بن أمية وبين إسلام زوجته عاتكة نحوا من شهرين وروى مالك رحمه الله في الموطأ عن ابن شهاب أنه قال: "كان بين إسلام صفوان وبين إسلام امرأته نحوا من شهرين، قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله ورسوله وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها، إلا أن يقدم زوجها مهاجرًا قبل أن تنقضي عدتها" كتاب النكاح: نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله: 3/ 157 مع شرح الزرقاني
والمراد بعدم التفرقة بين صفوان بن أمية وزوجته أن نكاحهما لم يفسخ من لدنه صلى الله عليه وسلم وأما التفرقة بأن لا يجامعها فهي متيقنة وأن يذكر الراوي كما قال الباجي المنتقى: 3/ 343
والمدة قدرت في هذا الحديث بنحو الشهرين وجاء في المدونة أن مالكًا قال: قال ابن شهاب : كان بين إسلام امرأة صفوان وبين إسلام صفوان نحوا من شهر المنتقى: 2/ 299
ومنها ما رواه مالك أيضًا عن ابن شهاب: "أن أم حكيم بنت الحراث بن هشام وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل فأسلمت يوم الفتح ، وهرب زوجها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام حتى قدم اليمن ، فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه باليمن، فدعته إلى الإسلام فأسلم، وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وثب إليه فرحًا، وما عليه رداء حتى بايعه فثبتا على نكاحهما ذلك" الموطأ، كتاب النكاح، نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله: 3/ 157 - 158 والحديثان مرسلان.
قال الباجي : "ومراسيل ابن شهاب لا يحتج بها غير أن هاتين القصتين: قصة صفوان بن أمية، وقصة عكرمة قد شهرتا وتواتر خبرهما فكان ذلك يقوم لهما مقام الإسناد المتصل" المنتقى: 3/ 343
ومن الأدلة أيضًا ما روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينت على زوجها أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول لم يحدث شيئًا" رواه أحمد وأبو داود وفي لفظ: رد ابنته زينب على أبي العاص زوجها بنكاحها الأول بعد سنتين ولم يحدث صداقًا" وكان إسلامها قبل إسلامه بست سنين على النكاح الأول، ولم يحدث شهادة ولا صداقًا" رواه أحمد وأبو داود ، وكذلك الترمذي وقال فيه: (( لم يحدث نكاحًا )) وقال: هذا حديث ليس بإسناده بأس ابن تيمية الجد، منتقى الأخبار مع نيل الأوطار، كتاب النكاح، باب الزوجين الكافرين يسلم أحدهما قبل الآخر: 6/ 304
قد روي بإسناد ضعيف عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده،(( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رد ابنته على أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد )) قال الترمذي في إسناده قال: وقال أحمد : هذا حديث ضعيف، والحديث الصحيح الذي روي أنه أقرهما على النكاح الأول، وقال الدارقطني : هذا حديث لا يثبت والصواب حديث ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ردها بالنكاح الأول ابن تيمية الجد، منتقى الأخبار، كتاب النكاح، باب الزوجين الكافرين يسلم أحدهما قبل الآخر: 6/ 304 - 305
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما يبدو معارضًا لما قلناه سالفًا من أنهما يقران على الزواج الأول ما لم تنقض عدة الزوجة، فإذا انقضت عدتها حصلت الفرقة بين الزوجين، وقد حوصل الباجي إجابات العلماء عن هذا الحديث فقال: ولو ثبت ما روي عن عكرمة عن ابن عباس أنه ردها عليه بالنكاح الأول لاحتمل أن يريد به على مثل الصداق الأول، وقال الزهري : كان ذلك قبل أن تنزل الفرائض ، وقال قتادة : كان ذلك قبل أن تنزل سورة براءة بقطع العهود بين المشركين والمسلمين، ويحتمل أنها لم تكن استكملت ثلاث حيض، ويحتمل أن يكون حكمها منسوخًا، وثبت النسخ بالإجماع على أنها إذا انقضت عدتها وقد بانت منه.. المنتقى: 3/ 345
وأما الحديث المروي بإسناد ضعيف عن عمرو بن شعيب عن جده فحسبنا ما قبل فيه وما نقلناه عن المذهب المالكي: فمن أسلمت بعد البناء بها هو ما ذهب جمهور الفقهاء والأمصار خلافًا لأهل الكوفة في قولهم: هذا حكم الحربيين دون الوثنين وأهل الذمة فإن أسلمت منهم المرأة قبل عرض عليه (أي الإسلام) فإن أسلم في الوقت فهو أحق بها، وإن لم يسلم عجل التفريق بينهما.
والدليل على ما نقوله: أن هذا كفر يمنع استدامة النكاح فكان حكمه موقوفًا على إسلام ككفر الكتابيين الحربيين" المنتقى: بتصرف وخلافًا للنخعي الذي شذ عن جمهور الفقهاء فلم يتبعه أحد زعم أنها ترد إلى زوجها وإن طالت المدة لما روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( رد زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع بعد ست سنين بالنكاح الأول ولم يحدث نكاحًا )) أي يكون الزوج أملك لحق الزوجية وإن طالت المدة الصنعاني، سبل السلام: 3/ 133
وقد ذهب ابن القيم مذهبًا آخر فقال ما ملخصه: إن اعتبار العدة مجال لإقرار الزوجية بين الزوجة التي أسلمت وتأخر إسلام زوجها عن إسلامها لا نعرفه في شيء من الأحاديث ولا نعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سأل امرأة أسلمت وتأخر إسلام زوجها عنها هل انقضت عدتك أم لا؟ ولو كان مجرد الإسلام فرقة لكان فرقة بائنة لا رجعة فيها فلا يكون للعدة أثر في بقاء النكاح الأول، وإنما أثرها في صنع نكاحا لغير زوجها الأول فلو كان الإسلام قد نجز الفرقة بينهما لم يكن أحق بها في العدة، ولكن الذي دل عليه حكمه صلى الله عليه وآله وسلم أن النكاح موقوف، فإن أسلم قبل انقضاء عدتها فهي زوجته، وإن انتهت العدة فهي بالخيار إن شاءت تزوجت غيره، وإن شاءت انتظرته، فإن أسلم لم يحتج إلى إحداث زواج جديد، وحسبه زواجه الأول ولا نعلم أحدًا ممن أسلم بعد إسلام زوجته جدد إسلامه البتة .
وبعد عرض ابن القيم وجهة نظره أعرب عن كونها منبثقة عن اختيار الخلال وأبي بكر صاحب الخلال وابن المنذر وابن حزم ، وكونها مذهب الحسن وطاوس وعكرمة وقتادة والحكم زاد المعاد في هدي خير العباد: 2/ 14 – 15- 16 باختصار وتصرف.
ووصف الشوكاني وجهة نظر ابن القيم هذه معقبًا عليها بقوله: وهذا كلام في غاية الحسن والمتانة نيل الأوطار: 6/ 370 ووصفها الصنعاني بقوله: هي الأقرب في المسالة سبل السلام: 3/ 134 بتصرف وأنا أقول: إنني منذ اهتممت بهذه المسألة في السنة النبوية نحيت هذا المنحى لموافقته لنصوص الحديث الشريف ومواردها، ولكن قلت لا بد من نص من إمام رواية ودراية فوجدت ضالتي في زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم، وناهيك به من إمام.
وبعد عرضي لمناحي الاجتهاد في هذه القضية، وتعلقي بالمنحنى الاجتهادي القيم لابن القيم أفتي السائلين بأن الزوجة التي أسلمت وطمعت في إسلام زوجها الذي ظل كافرًا بعدها بأن لا تمكنه من الوطء ولا تساكنه في خلوة سدا لذرائع الفساد، وهي زوجته ما دامت في العدة، وتدعوه إلى الإسلام، وتكون معه كأم حكيم مع عكرمة كلما دعاها إلى الفراش وهما باليمن تأبى وتقول أنت كافر وأنا مسلمة فقال: إن أمرًا منعك مني لأمر كبير، كما روى ذلك ابن مردويه والدارقطني والحاكم الزرقاني: شرحه على الموطأ: 3/ 185 وإن لم يسلم حتى خرجت من العدة فإن شاءت تزوجت، وإن أحبت انتظرته بشرط عدم ملامسته لها المجمع على تحريمه.
وأما ما جاء في السؤال من قول السائل: ما الحكم إذا لم تطمع في إسلامه ولكنه يحسن معاشرتها فمردود بأنه لا يتصور إسلاميًا حسن معاشرة مع زوج كافر يشرب الخمر، ويأكل الخنزير ويكفر برسولها وبكتابها ويلد أولادًا فيتبعونه في دينه، وتطعمه الحرام وتسقيه، ويقوم عليها والشرع قد قطع ولاية الكافرين على المؤمنين فقال تعالى{ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا }.
وأما إدعاء السائل من خوفها على ضياع الأولاد وانحرافهم فمردود أيضًا لأن مالكًا رضي الله عنه سئل عن زوجين نصرانيين أسلمت الزوجة ولها أولاد منه صغار لمن تكون الأولاد؟ وعلى دين من؟ فأجاب: هل على دين الأب.. وكذلك النصرانية إذا كانت حاملًا فأسلمت، ثم ولدت بعد ما أسلمت أن الولد للأب وهم على دين الأب سحنون، المدونة: 2/ 307 - 308
فأي انحراف يزعمه هذا السائل بعد الكفر؟ بهذا أفتي وأسال الله التوفيق للصواب والله أعلم.
السؤال الخامس
ما حكم دفن المسلم في مقابر غير المسلمين حيث لا يسمح بالدفن خارج المقابر المعدة لذلك، ولا توجد مقابر خاصة بالمسلمين في معظم الولايات الأمريكية، والأقطار الأوربية؟
وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد والله الملهم للصواب فأقول: إن الدفن للمسلم في مقابر الكفار في الظروف العادية، ومع الاختيار محرم، وإن حصل وجب التداول ما لم يخش التغير، جاء في العتبية أن ابن القاسم سئل عن امرأة نصرانية قال لها ختنها: أسلمي يا فلانة. فقالت: نعم، وأمرت بغسل ثيابها، وقالت كيف أقول؟ قال: قلت لها: قولي أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته، فقالت كل هذا، ثم ماتت، فدفنت في قبور النصارى.
وقال ابن القاسم : اذهب فانبشها، ثم غسلوها، وصلوا عليها، إلا أن تكون قد تغيرت البيان والتحصيل: 2/ 255 - 256 قال ابن رشد في شرحه عليها المسمى بـ "البيان والتحصيل" وهذا كما قال لأن الكفار يعذبون في قبورهم وهي تتأذى من أجل ذلك لمجاورتهم، فواجب أن تنبش وتحول إلى مقابر المسلمين البيان والتحصيل: 2/ 255 – 256 وإلى هذه المسألة أشار خليل بن إسحاق في مختصره وقال عاطفًا على ما يتدارك بعد الدفن بالنبش، "ودفن من أسلم بمقبرة الكفار، إن لم يخف التغير" المختصر: 47 وقد صرح سيدي عبد الباقي الزرقاني في شرحه عليه بأن التدارك هنا واجب ما لم يخش التغير شرح المختصر: 2/ 100
وذكر الشيخ سليمان الجمل من فقهاء الشافعية أنه إذا مات مسلم بالبحر في سفينة والساحل بعيد، أو به مانع فيجب غسله، وتكفينه، والصلاة عليه، ثم يجعل ندبًا بين لوحين لئلا ينتفخ ثم يلقى لينبذه البحر إلى الساحل وإن كان أهله كفارًا، لاحتمال أن يجده مسلم فيدفنه، ويجوز أن يثقل لينزل إلى القرار وإن كان أهل البر مسلمين.
وذلك لأن القصد من دفن الميت في شرعنا العزيز صونه عن انتهاك جسمه، وانتشار ريحه، المستلزم للتأذي بها، واستقذار جيفته، ومنع أذاها عمن عند القبر بحيث لا يتأذى تأذيًا لا يحتمل عادة حاشيته على شرح شيخ الإسلام أبي زكريا الأنصاري على منهجه: 2/ 195 كما ندبت إلى دفنه في المقبرة التي يكثر فيها الصالحون والشهداء لتناله بركتهم، وكذلك في البقاع الشريفة، وقد روى البخاري ومسلم بإسنادهما أن موسى عليه السلام لما حضره الموت سأل الله تعالى أن يدنيه إلى الأرض المقدسة رمية بحجر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر )) ابن قدامة: المغني: 2/ 509 ونهت نهي تحريم عن دفنه في مقابر الكفار لتأذيه بمجاورتهم، قال الخرقي من فقهاء الحنابلة: "وإن ماتت نصرانية، وهي حاملة من مسلم دفنت بين مقبرة المسلمين ومقبرة النصارى متن الخرقي مع شرح ابن قدامة عليه: 2/ 563 قال شارحه ابن قدامة : اختار هذا أحمد لأنها كافرة لا تدفن في مقبرة المسلمين فيتأذوا بعذابها ولا في مقبرة الكفار لأن ولدها مسلم فيتأذى بعذابهم، وتدفن منفردة المغني: 2/ 563
إلى هذا الحد شدد فقهاء الإسلام النكير على دفن المسلم في مقابر الكفار، فإن توفي ببلاد الكفر وحيث لا توجد مقبرة خاصة بالمسلمين فكيف الصنيع في ميزان الشرع؟ إن أمكن نقله إلى بلدة بها مقبرة خاصة بالمسلمين، لا يخشى تغير الميت في أثنائه، وانتهاك حرمته، وثقل مؤنته، ونقل وجوبًا، وإن خيف تغيره أثناء النقل أو ثقلت مؤنة النقل بالوسائل السريعة لا ينقل، أما الأول فلانتهاك الحرمة والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (( كسر عظم الميت ككسره حيًّا )) قال السيوطي في بيان سبب هذا الحديث وسياقه ما يلي: عن جابر : (( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على شفير القبر وجلسنا معه، فأخرج الحفار عظمًا ساقًا أو عضدًا فذهب ليكسرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تكسرها فإن كسرك إياه ميتًا ككسرك إياه حيًا، ولكن درسه في جانب القبر )) دار الإفتاء المصرية، الفتاوى الإسلامية: 4/ 1332 فالحديث دليل صريح على أن حرمة الإنسان ميتًا كحرمته حيًا.
وأما الثاني فلثقل المؤنة: فالنقل بالطائرة يستلزم أموالًا باهظة لا يستطيعها الكثير ويستطيعها النزر اليسر، والحي من المسلمين أولى بها، ولذلك أنكرت عائشة رضي الله عنها لما وقفت على قبر عبد الرحمن أخيها، وقد نقل من الحبشة إلى مكة حيث دفن والمسافة بعيدة، فقالت: والله لو حضرتك ما دُفِنْتَ إلا حيث مِتَّ، قال صاحب المغني: لأن ذلك أخف لمؤنته، وأسلم له من التغيير المغني: 2/ 510
وترتيبًا على ما ذكر أفتي إخواني في بلاد الغربة لأن يدفنوا موتاهم متى بعدت المسافة عن مقابر إسلامية بمقابر الكفار، لأن ذلك أخف مؤنة على الأحياء وأبقى لحرمة الأموات وأسلم لهم من التغيير، والله أعلم.
السؤال السادس
ما حكم بيع المسجد إذا انتقل المسلمون عن المنطقة التي هو فيها، وخيف تلفه أو الاستيلاء عليه، فكثيرًا ما يشتري المسلمون منزلًا ويحولونه مسجدًا فإذا انتقلت غالبية المسلمين من المنطقة لظروف العمل هجر المسجد أو أهمل، وقد يستولي عليه آخرون، ومن الممكن بيعه واستبداله بمسجد مؤسس في مكان فيه مسلمون فما حكم هذا البيع أو الاستبدال ؟ إذا لم تتيسر فرصة استبداله بمسجد آخر فما أقرب الوجوه التي يجوز صرف ثمن المسجد فيها؟
وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد –والله الموفق للصواب- سلف المالكية لا يرون بيع الأحباس الأصول والمسجد منها، قال خليل بن إسحاق في مختصره "لا عقار ، وإن خرب، ونقض ولو بغير خرب" المختصر: 249 عاطفا على ما لا يجوز.
وأدلتهم على ذلك ما يلي:
1- قوله عليه الصلاة والسلام حين قال له عمر: (( أصبحت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه فما تأمرني؟ إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق بها عمر على أن لا تباع ولا توهب ولا تورث )) ابن تيمية الجد، منتفى الأخبار، كتاب الوقف: 6/ 127 الحديث رواه الجماعة.
2- عمل السلف الصالح يدل على عدم جواز بيع الأحباس الأصول وإن خربت، جاء فيها: لو كان البيع يجوز فيها (أي الأصول) لما أغفله من مضي ولكن بقاؤه خربًا دليل على أن بيعه غير مستقيم، وبحسبك حجة قفي أمر قد كان متقادمًا بأن تأخذ منه ما جرى منه، فالأحباس قديمة ولم تزل وجل ما يوجد منها بالذي به، لم يزل يجري عليه فهو دليلها، فبقاء هذه خرابًا دليل على أن البيع فيها غير مستقيم، لأنه لو استقام لما أخطأ من مضى من صدر هذه الأمة، وما جهله من لم يعمل به حتى تركت خرابًا" سحنون، المدونة: 6/ 100
3- إن ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه لا يجوز بيعه مع تعطلها كالمعتق.
4- سد ذريعة التطرق إلى بيع الأوقاف بدعوى الخراب.
ولا يمكن أن يتأول موقف السلف بحال، جاء عن مالك بكتاب ابن المواز : "وما خرب من الحبس فأراد صاحبه بيعه، والاتخاذ بثمنه ما هو أفضل منه، أو انتقل أهل تلك الناحية، وبطل الموضع فأراد صاحبه، أو من هو بيده بحبس، أو بحوزه أو ولاية بيعه، والاشتراء بثمنه في موضع ظاهر عامر يكون حبسًا لا يجوز له ذلك في الرباع بحال وإن ذهب به الزمان أو العدو يحيى الخطاب، رسالة في بيع الوقف إذا خرب: 8
بقي أن سلف المالكية استثنوا من الحكم السابق أرضًا بجوار المسجد يعني محبسة احتيج إليها لتوسعة المسجد أو الطريق، قال ابن جزي: العقار لا يجوز بيعه إلا أن يكون مسجدًا تحيط به دور محبسة، فلا بأس أن يشتري منها ليوسع به، والطريق كالمسجد في ذلك، وقيل: إن ذلك في مساجد الأمصار لا في مساجد القبائل القوانين الفقهية: 356
ورأى المتأخرون من المالكية جواز بيع الأحباس الأصول إذا خربت وتعطلت منفعتها، وتعويضًا بأصل آخر وجعله حبسًا عوضًا عنها، وكثرت فتاواهم بذلك فقد أفتى أبو عبد الله محمد الحفار ببيع فدان محبس على مصرف من مصاريف البر لا منفعة فيه: أن يباع ويشترى بثمنه فدان آخر يحبس وتصرف غلته في المصرف الذي حبس عليه الأول على ما أفتى به كثير من العلماء في هذا النحو، وأفتى ابن رشد في أرض محبسة عدمت منفعتها بسبب جيران: أن تباع ويعوض بثمنها ما فيه منفعة على ما قاله جماعة من العلماء في الربع المحبس إذا خرب، ويكون ذلك بحكم القاضي بعد أن يثبت أن المنفعة فيه، قاله محمد الحفار. وبمثل فتوى أبي يعبد الله الحفار أفتى الأستاذ سعيد بن لب ميارة، الإتقان والأحكام: 2/ 150
وبمثل فتواهما أفتى ابن هلال في سدس جنان محبس بتازة لا تفي غلته بخدمته: بأن يباع، ويعوض بثمنه ما هو أغبط للحبس الشيخ الشاذلي بن صالح باش مفتي المالكية بتونس، فتوى في حكم بيع الوقف إذا خرب، نشرت بمجموع طبع بتونس سنة 1316 ص 7
وفي النوازل البرزلي عن شيخه الإمام ابن عرفة ما نصه: "وقعت عندنا مسائل بتونس منها: فندق ابن معطاس تهدم، أفتى شيخنا أن تباع أنقاضه ويغير عن حاله دارًا ورجع هذا القول وحكم به قاضي الجماعة.
ومنها دار خربت من دور المدرسة بالقنطرة أفتى شيخنا ببيعها فبيعت واشترى بثمنها رسم في الغابة بتونس الشيخ الشاذلي بن صالح باش مفتي المالكية بتونس، فتوى في حكم بيع الوقف إذا خرب، نشرت بمجموع طبع بتونس سنة 1316 ص 7
والقول الأول هو المشهور وعليه جرى العلامة خليل في مختصره، وإن كان العمل قد جرى بتونس وفاس على القول الثاني الذي هو قول المتأخرين والعبرة في جريان العمل العرف لا شهرة القول ورجحانه، قال الزقاق في لاميته:
فإن قيل إن البعض مما نقلته
ضعيف، نعم لكن العرف عولا
متن اللامية مع متن العاصمية: 176
وكما أفتى المتأخرون من المالكية بجواز بيع الأحباس الأصول إذا خربت وتعطلت منفعتها أو قلت أفتوا بجواز الاستبدال والمناقلة والحالة ما ذكر. قال الشيخ ابن أبي زيد القيرواني خاتمة المتقدمين، وفاتحة المتأخرين الملقب بمالك الصغير: "واختلف في المعاوضة بالربع الخرب بربع غير خرب" الرسالة بهامش الفواكه الدواني: 3/ 45 وعدم جواز المعاوضة فيما ذكر هو المشهور والذي عليه ابن القاسم ، وجرى عليه العلامة خليل في قوله الذي نقلته سابقًا عاطفًا على ما لا يجوز: لا عقار وإن خرب ونقض ولو بغير خرب، أي لا يجوز بيع الربع الخرب ولا استبداله بغير خرب ولا بيع أنقاضه، ولكن جرى العمل في تونس وفاس بغير قول ابن القاسم وبغير ما نقله عن مالك وأفتى الكثير من علماء القطرين بجواز معاوضة الربع الحبس الخرب بغير خرب متى وجد الخراب وقَلَّتِ المنعفة، أو تعطلت من باب أولى، وكان الربع الجديد أكثر قيمة ونفعًا في العمليات الفاسية:
كذا معاوضة ربع الحبس على شروط أسست للمؤتسي
وما قررته سابقًا من الخلاف بين المتقدمين والمتأخرين في حكم بيع الوقف الأصل إذا خرب وتعطلت منفعته أو قلت مقيدًا بما إذا لم يجعل الواقف للموقوف عليه بيعه، وإلا جاز بيعه بإطلاق، كما لو شرط الواقف بيعه لنفسه فيجوز له بيعه عملًا بالشرط قياسًا على شرط الرجوع في صدقته.
ومقيد أيضًا بغير المساجد عند المتأخرين منهم.
أما المساجد فلا يجوز بيعها بحال ولو خربت وتعطلت منفعتها، أو كان بجانبها جيران سوء، أو انتقلت العمارة عنها، قال ابن عسكر المالكي البغدادي في كتابه إرشاد السالك: "ولا يجوز بيع المسجد وإن انتقلت العمارة" إرشاد السالك مع أسهل المدارك: 3/ 104 وقال القرطبي : ولا يجوز نقض المسجد ولا بيعه ولا تعطيله وإن خربت المحلة" الجامع لأحكام القرآن: 2/ 78 وحكى ابن جزي الإجماع على ذلك القوانين الفقهية: 356
واختلفوا في بيع أنقاضها فعن ابن عبد الغفور: لا يجوز بيع مواضع المساجد الخربة، لأنها وقف، ولا بأس ببيع نقضها إذا أضيف عليه الفساد للضرورة إلى ذلك، وأفتى ابن عرفة في مساجد خربت وأيس من عمارتها بدفع أنقاضها إلى مساجد عامرة احتاجت إليها ميارة، الإتقان والأحكام: 2/ 150
وقد أفاض أبو إسحاق الشاطبي في هذه المسألة بما فيه مزيد ضبط وتحقيق فليراجعه من شاء ذلك في الفتاوى له جمع وتحقيق محمد أبي الأجفان: 168 وما بعدها
والخلاصة أن المتقدمين من فقهاء مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله لا يرون جواز بيع الأحباس الأصول ولو خربت، وتعطلت منفعتها، ولا معاوضتها بربع غير خرب إلا لتوسعة المسجد، والطريق، أو المقبرة، ولا سبيل إلى التوسعة إلا بها، ما لم يجعل الواقف عليه ذلك ولا جاز ما ذكر.
وإن المتأخرين منهم أجازوا ذلك بشرط خراب الوقف، وتعطل منفعته، وجعل ما اشتري أو استبدل من ربع غير خرب حبسًا في مصرف البر الذي كان فيه الأول لكنهم قيدوا ذلك بغير المساجد، أما المساجد فلا يجوز بيعها ولو خربت وتعطلت منفعتها، أو خربت العمارة حولها، ولا استبدالها بما هو أغبط بالإجماع ، واختلفوا في جواز بيع أنقاضها، أو دفعها إلى عمارة مسجد آخر كما سبق.
وأما المذهب النعماني فقد جاء فيه: إذا خرب ما حول المسجد، واستغني عنه، قال أبو حنيفة وأبو يوسف يبقى مسجدًا، لأن المحبس أسقط ملكه بتحبيسه فلا يعود إلى ملكه كالإعتاق، ولأن المسجد الحرام استغنى عنه أهله في زمن الفترة، ولما جاء الله بالإسلام لم يعد إلى ورثة الباني له .
وقال محمد بن الحسن الشيباني : لا يبقى مسجدًا، ويعود إلى ملك المحبس، أو إلى ملك ورثته بعد موته، لأنه عينه لجهة وقد انقطعت بخرابه ففات غرضه منه، وهو القرابة إلى الله تعالى بمكان يصلي فيه الناس فيعود إلى ملكه، كما لو كفن ميتًا ثم أكله سبع وبقي الكفن يعود إلى ملكه كذا هذا، وقال أيضًا: إذا خرب المسجد حتى لا يصلى فيه، فالذي بناه إن شاء أدخله داره وإن شاء باعه، فإن لم يبق المسجد بان فخرب، وبنى أهل المسجد مسجدًا آخر، ثم أجمعوا على بيعه واستعانوا بثمنه، في بناء المسجد الآخر فلا بأس بذلك كما جاء عنه أيضًا: مسجد بادت القرية من حوله، خربت وجعلت مزارع، وخرب المسجد، ولا يصلي فيه أحد، ولا بأس أن يأخذه صاحبه ويبعه لمن يجعله مزرعة، ويأخذ ثمنه فيأكله، أو يجعله مزرعته راجع: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي مع حاشية الشهاب الشبي عليه: 3/ 330 - 331
في المذهب الشافعي: إذا تعطل المسجد بتفرق الناس عن البلد أو خرابها أو بخراب المسجد فلا يعود مملوكًا خلافًا لمحمد بن الحسن "ولا يجوز بيعه بحال ولا التصرف فيه كما لو أعتق عبدًا، ثم زمن لا يعود مملوكًا ثم إن خيف أن تنقضه الشياطين نقض وحفظ، وإن رأى القاضي أن يبنى بنقضه مسجدًا آخر، قال القاضي وابن الصباغ والمتولي: يجوز، وقال المتولي: الأولى من ينقل إلى أقرب الجهات إليه، فإن نقل إلى البعيد جاز، ولا يصرف النقض إلى غير المسجد كالرباطات والقناطر والآبار كما لا يجوز عكسه، لأن الوقت لازم، وقد دعت الضرورة إلى تبديل المحل دون الجهة، والحاصل من ريع وقف عمارة هذا المسجد يصرف إلى عمارة مسجد آخر.
وقال في الحاوي: ريع المسجد الذي خربت محلته يصرف إلى المساكين لأنه مصرف لا ينقطع لفافتهم على الأبد وقال الخوارزمي في الكافي: إذا خرب المسجد لا يجوز بيعه، ولا بيع شيء منه، ولا نقله إلى موضع آخر، ولا نقل شيء منه، هذا هو المنقول عن عامة الأصحاب، قال: وكذلك مسجد في محلة، أو قرية خربت المحلة واندرست القرية لا يجوز نقل ذلك المسجد إلى موضع آخر، قال: والأصلح عندي جواز نقله إلى موضع آخر وهو مذهب أحمد الزركشي: إعلام الساجد بأحكام المساجد: 345 (محرر مذهب الشافعي من إعلان الساجد للزركشي).
وفي المذهب الحنبلي إذا خرب الوقف وتعطلت منافعه كدار انهدمت أو أرض خربت وعادت مواتًا ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه، وصار في موضع لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله، ولا يمكن توسعه في موضعه، أو تشعب جميعه فلم تمكن عمارته، ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه بيع جميعه.
وجاء في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية إفاضة في هذا الموضوع وبيانًا للمفتى به في المذهب الحنبلي ومما جاء في فتاواه: إجازة نقل المسجد من مكان إلى آخر محتجًا بعمل عمر -رضي الله عنه – وذلك لما قدم عبد الله بن مسعود على بيت المال كان سعد بن مالك قد بنى القصر، واتخذ مسجدًا عند أصحاب التمر فنقب بيت المال فأخذ الرجل الذي نقبه فكتب إلى عمر بن الخطاب ، فكتب عمر: أن لا تقطع الرجل وانقل المسجد، واجعل بيت المال في قبلته فإنه لن يزال في المسجد مصلى فنقله عبد الله، فخط له هذه الخطة.
كذلك أفتى بنقله لضيق المسجد، أو لقذارة موضعه، أو لخوف اللصوص وبجواز بيعه ونقله إلى موضع آخر، فعمر بن الخطاب خرب المسجد الأول مسجد الجامع الذي كان لأهل الكوفة وجعل بدله مسجدًا في موضع آخر، وصار موضع المسجد الأول سوق التمارين.
وذكر أن هذه الصورة هي التي احتج بها أحمد وأصحابه على من خالفهم، وقال أصحاب أحمد: هذا يقتضي إجماع الصحابة –رضي الله عنهم- عليها من غير نكير، مع كونهم لا يسكتون عن إنكار ما يعدون خطأ لأنهم أنكروا على عمر النهي عن المغالاة في الصدقات حتى ردت عليه امرأة، وردوه عن أن يحد الحامل فقالوا: إن جعل الله لك على ظهرها سبيلًا فما جعل لك على ما في بطنها سبيلًا، وأنكروا على عثمان في إتمام الصلاة في الحج حتى قال: إني دخلت بلدًا فيه أهلي، وعارضوا عليًا فحين رأى بيع أمهات الأولاد، فلو كان نقل المساجد منكرًا لكان أحق بالإنكار، لأنه أمر ظاهر ففيه شناعة ونقل عن أبي عبد الله ابن تيمية في "ترغيب القاصد" أن المسجد إذا ضاق بأهله أو تفرق الناس عنه، لخراب المحلة، فإنه يباع، ويصرف ثمنه في إنشاء مسجد آخر أو في شقص (مناب) في المسجد شيخ الإسلام ابن تيمية، الفتاوى: 31/ 227
وبعد عرض نصوص المذاهب وأدلتها، وبعد يقيننا بأنه متى وجدت المصلحة فثم شرع الله، وأنه إذا لم يبع ما اتخذ مسجدًا، استولى عليه آخرون، ولم يبقوه مسجدًا، وإن عمر من أجل المصلحة نقل المسجد الجامع من مكانه، وصير المسجد العتيق سوقًا تجارية تعرف في ذلك العهد بسوق التمارين أفتي وأن فقير ربه محيي الدين قادي بجواز بيع المسجد الذي انتقلت بسوق التمارين أفتي وأنا فقير ربه محيي الدين قادي بجواز بيع المسجد الذي انتقلت غالبية المسلمين عنه لمنطقة أخرى وشراء محل صغير للأقلية الباقية لاتخاذه مسجدًا، والاشتراء بالباقي من ثمنه مسجدًا آخر أو منابًا في مسجد، وإن لم يفِ بذلك صرف في سبل الخير لأن ذلك أصلح المسلمين لما روي عن عائشة –رضي الله عنها- لما قيل لها: إن كسوة الكعبة قد يداول عليها؟ فقالت: تباع، ويجعل ثمنها في سبيل الخير الفتاوى: 223 والله أعلم.
السؤال السابع
كثيرات من بنات المسلمين ونسائهم تدعوهن ظروف العمل أو الدراسة إلى السفر إلى ولايات أخرى (أبعد من مسافة القصر) بالطائرة أو غيرها من وسائل السفر بدون محرم، ومن غير رفقة من نسوة تعرفهن أو يعرفنها غير رفقة المسافرين والمسافرات عادة، فما حكم هذا السفر؟
فأقول في الجواب –والله الموفق للصواب-: ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مالك في الموطأ عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : <<لا يحل لامرأة تؤمن باله وباليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها>> الموطأ مع شرح الزرقاني: 4/ 391 - 392
والحديث ناطق بحرمة سفر المرأة وحدها، ولا فرق في المرأة بين الشابة والمتجالة (التي ليس للرجل فيها مطمع) وفي نقل للقاضي عياض رحمه الله عن بعض الفقهاء: أن النهي منوط بالشابة، وأما المتجالة فتسافر كل الأسفار بلا محرم ولا زوج.
وتعقبه ابن دقيق العيد: بأنه تخصيص للعموم بالنظر إلى المعنى، وإن لم يرتضه القرطبي وقال: فيه بعد؛ لعدم جواز الخلوة بالمتجالة واعتبار ما لا يطلع لعيه غالبًا من حسدها عورة يحرم النظر إليه، فالظنة موجودة فيها، والعموم صالح فينبغي أن تخرج منه.
وأما ما ورد في السؤال من تقييد السفر بمسافة القصر فمرجعه أن الحديث روي بعديد من الروايات، فحديث أبي سعيد عند الشيخين وغيرهما: (( أن تسافر فوق ثلاثة أيام فصاعدًا )) وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين وسنن أبي داود : (( لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا ومعها زوج أو محرم )) وفي رواية أحمد رضي الله عنه (( يوم )) وفي أبي داود (( بريد )) عوض ((يوم )) وفي رواية(( بيومين )) وفي رواية إطلاق السفر من غير التقييد محمد الزرقاني، شرحه على الموطأ: 4/ 392 والفقهاء قد اختلفوا في مسافة القصر على نحو عشرين قولًا، ومن بين أسباب الاختلاف بينهم اختلاف السنن والآثار ومن بينها هذا الحديث المروي بروايات متعددة.
والحق أنه لا تلازم بين مسافة القصر، ووجوب المحرم، لجواز التوسعة في إيجاب المحرم تخفيفًا على العباد الصنعاني، سبل السلام: 2/ 39 بالإضافة إلى ما أجاب به العلماء على اختلاف هذه الروايات وأنه لا تعارض بينها، وأن هذا الاختلاف بحسب السائلين، فسئل مرة عن سفر المرأة يومًا؛ فقال: "لا" وهلم جرا، وليس فيه تحديد، ولا مفهوم أحدها.
والخلاصة أن كل ما يطلق عليه اسم السفر لا يجوز للمرأة وإلا ومعها ذو محرم منها النووي: شرحه على صحيح مسلم مع إرشاد الساري: 6/ 33
ولم يستثن الإمام الأعظم والإمام أحمد ومن وافقهما سفرًا من الأسفار لا سفر الحج ولا غيره عند انعدام الزوج أو المحرم منها، قالوا: إن الزوج أو المرحم شرط في استطاعة الحج للمرأة، فالسفر حرام عليها إلا مع أحدهما.
وذهب مالك والشافعي في المشهور عنهما ومن وافقهما إلى عدم اشتراط المحرم في سفر الحج، وجاء في المدونة: من لا ولي لها تخرج مع من تثق به من الرجال والنساء واختلف في تأويلها: هل مرادة مجموع الصنفين أو مع جماعة من صنف منهما؟ وأكثر ما نقل عن الإمام رضي الله عنه: اشتراط النساء محمد الزرقاني: شرحه على موطأ مالك: 4/ 392 وقال الشافعي: تحج مع امرأة مسلمة حرة ثقة.
هذا والخلاف يجري في حج الفرض، أما حج التطوع فالاتفاق جار على اشتراط المحرم منها أو الزوج الحطاب، مواهب الجليل: 2/ 524 وقيده لحطاب من المالكية بيوم وليلة فأكثر، شابة كانت أو متجالة.
وسبب الخلاف في حج الفرض معارضة الأمر بالحج والسفر إليه للنهي عن سفر المرأة ثلاثًا إلا مع ذي محرم وذلك أنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر أنه قال صلى الله عليه وسلم: (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم )) فمن غلب عموم الأمر قال: تسافر للحج وإن لم يكن معها ذو محرم، ومن خصص العموم بهذا الحديث أو رأى أنه من باب تفسير الاستطاعة قال: لا تسافر للحج إلا مع ذي محرم ابن رشد الحفيد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد: 1/ 311 - 312
وقد نقل الحطاب أن حكم سفرها الواجب جميعه حكم سفرها لحجة الفريضة في الخروج مع الرفقة المأمونة، وعزا هذا القول إلى القاضي عبد الوهاب وغيره، وذلك كسفرها لحجة النذر، والقضاء وجميع الأسفار الواجبة عليها.
كما نقل عن الباجي تقييد إطلاق الحديث بالانفراد والعدد اليسير، أما القوافل العظيمة فهي عند الباجي كالبلاد يصح سفر المرأة فيها بدون نساء وذوي محارم، وذكر هذا القيد الزناتي في شرحه على رسالة ابن أبي زيد رضي الله عنه على أساس أنه المذهب وقيد به قول ابن أبي زيد: والقوة على الوصول إلى مكة، إما راكبًا أو راجلًا مع صحة البدن، ونص كلام الزناتي على ما ذكر الحطاب ما يلي: "إذا كانت في رفقة مأمونة ذات عَدَدٍ وعُدَدٍ أو جيش مأمون من الغلبة والمحلة العظيمة فلا خلاف في جواز سفرها من غير ذي محرم في جميع الأسفار الواجب منها والمندوب والمباح من قول مالك وغيره إذ لا فرق بين ما تقدم ذكره وبين البلد، هكذا ذكره القابسي ونقله في الإكمال عن الباجي وقَبِلَه: ولم يذكر خلافه " مواهب الجليل: 2/ 524 .
وبعد بسطنا للمسألة من خلال فقه أئمة المذاهب، واعتمادًا منا على ما قيد به الباجي الحديث، وعلى وصف الزناتي لذلك القيد بأنه المذهب (أي المعتمد في المذهب المالكي) وعزوه للقابسي وبعد نقل صاحب الإكمال له، دون ذكر خلافه، وبعد نظرنا في تطور وسائل النقل تطورًا سريعًا تكفي الدقائق لانتقال الإنسان من ولاية إلى ولاية أبعد من مسافة القصر وبعد نظرنا في تقييد الحطاب السفر بمسيرة ليوم وليلة فأكثر وبعد الاطلاع على أن للشافعي قولًا أنها تسافر وحدها إذا كان الطريق آمنًا الصنعاني: 2/ 183 أفتى هؤلاء البنات المسلمات بجواز السفر بالحافلات والقطارات والطيارات وبغيرها من وسائل النقل التي تعظم فيها الجماعات ويكون لها شبه بالجيوش والبلدان والمحلات بغير زوج لهن ولا محرم منهم، والله أعلم. حرره فقير ربه محي الدين قادي.
السؤال الثامن
بعض النساء أو الفتيات تضطرهن ظروف العمل، أو الدراسة إلى الإقامة بمفردهن، أو مع نسوة غير مسلمات، فما حكم هذه الإقامة؟
وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد –والله ولي التسديد- فأقول: جاء الإسلام الحنيف معلنا مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في أصل الخلقة الإنسانية، فقال تعالى{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } وقال تعالى{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } وقال صلى الله عليه وسلم: (( النساء شقائق الرجال ))، رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي ، ومبدأ المساواة بينهما في الانتساب إلى الجامعة الإسلامية ، فقال تعالى:{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } وصرح فقهاء الإسلام بأن خطاب الأمة الإسلامية في القرآن الكريم يشمل الجنسين: الذكر والأنثى ولو كان بصيغة التذكير.
وانطلاقًا من مساواة المرأة للرجل فيما ذكر، جاءت المساواة في التشريع بينهما أصلًا لا يتخلف، إلا عند وجود مانع: جبلي أو شرعي أو اجتماعي، أو سياسي، وفي كل إما أن تكون دائمًا أو مؤقتًا راجع كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية لسماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله: 100 وما بعدها، وكتاب أصول النظام الاجتماعي في الإسلام له أيضًا: 147 وما بعدها، والأشباه والنظائر للسيوطي رحمه الله: 237 وما بعدها ، ولم ينص على شيء من ذلك فيما أعلم.
واهتداء هذا الأصل من أصول التشريع الإسلامي للنظام الاجتماعي تقرر في الفقه الإسلامي جواز إقامة المرأة المسلمة في مسكن خاص بها له غلق ومرافق متى توفر لها الأمن ولا أعلم في ذلك خلافًا، فعن ابن مسعود رضي الله عنه في نساء نعي إليهن أزواجهن، وتشكين الوحشة يجتمعن بالنهار، ثم ترجع كل امرأة إلى بيتها بالليل، وأخرج الشافعي وعبد الرزاق عن مجاهد مرسلًا: (( أن رجالًا استشهدوا بأحد، فقال نساؤهم: يا رسول اله، أنا نستوحش في بيوتنا أفنبيت عند إحدانا؟ فأذن لهن أن يتحدثن عن إحداهن، فإذا كان وقت النوم تأوي كل واحدة إلى بيتها )) كما دل قوله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه مسلم في صحيحه: (( لا يبيتن رجل عند امرأة إلا أن يكون ناكحًا أو ذا محرم )) بطريق دلالة الالتزام على أن المسلمة يجوز لها أن تقيم في مسكن بمفردها وإلا لما ورد النهي عن البيات معها إلا لناكح أو ذي محرم.
هذا ما يتعلق بشطر السؤال الأول، وهو إقامتها بمفردها في منزل خاص بها. وأما ما يتعلق بشطر السؤال الثاني وهو: إقامتها مع نسوة غير مسلمات فلا يجوز لها ذلك، قال تعالى{ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ } إلى أن قال جل جلاله{ أو نِسَائِهِنَّ } قال القرطبي في تفسير ذلك يعني المسلمات، وتدخل في هذا الإماء المؤمنات، ويخرج منه نساء المشركين من أهل الذمة غيرهم فلا يحل لامرأة مؤمنة أن تكشف شيئًا من بدنها بين يدي امرأة مشركة إلا أن تكون أمة لها، فذلك قوله تعالى:{ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } وكان ابن جريح وعبادة بن نسي وهشام القارئ يكرهون أن تقبل النصرانية المسلمة، أو ترى عورتها، ويتأولون{ أَوْ نِسَائِهِنَّ } وقال عبادة بن نسي: وكتب عمر صلى الله عليه وسلم إلى أبي عبيدة بن الجراح : "أنه بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمامات مع نساء المسلمين، فامنع ذلك، وحُلْ دونه فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عرية المسلمة، قال: فعند ذلك قام أبو عبيدة، وابتهل وقال: أيما امرأة تدخل الحمام من غير عذر، لا تريد إلا أن تبيض وجهها، فسود الله وجهها يوم تبيض الوجوه، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا يحل للمسلمة أن تراها يهودية أو نصرانية لئلا تصرفها لزوجها، وفي هذه المسألة خلاف للفقهاء" الجامع لأحكام القرآن: 12/ 233
وهذا أولًا، وثانيًا عملًا بقاعدة سد الذرائع وذلك أن المرأة المسلمة موجودة بمجتمع الغرب الذي يعيش بلا قيم ولا أخلاق، لا سيما في مجال الجنس فقد أصبح طليقًا من كل اليوم، فلا يعقل أن نلقي بها في بؤرة فساد ونلزمها بعد ذلك أن تكون عفيفة طاهرة؛ لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه:
ألقاه في اليم مكتوفًا، وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
وثالثًا: أن الخلاف قد جرى بين السلف من الفقهاء في نظر غير المسلمة إلى المسلمة، لا في مساكنتها، وللمساكنة معنى زائد عن النظر.
رابعًا: أن الخلاف بين السلف من الفقهاء في نظر الذمية إلى المسلمة.
ونحن نعلم أن شيمة أهل الذمة الصغار بخلاف كفار اليوم فهم الأعزاء والمتسلطون على العالم.
وترتيبًا على ذلك أُفتي أخواتي في بلاد الغربة بأنه يجوز لهن الإقامة بمفردهن في مسكن خاص له غلق ومرافق متى توفر الآن، ولا يجوز لهن أن يساكن غير المسلمات كتابيات أو غير كتابيات لأنهن كالرجل الأجنبي بالنسبة لهن، والله أعلم.
السؤال التاسع
كثيرات من النساء هنا ( أمريكا الشمالية ) يذكرن أن أقصى ما بإمكانهن سترة من أجسادهن هو ما عدا الوجه والكفين، وبعضهن تمنعهن جهات العمل، أو الدراسة، من ستر رؤوسهن وأعناقهن، فما أقصى ما يمكن السماح بكشفه من أجزاء جسم المرأة بين الأجانب في محلات العمل أو الدراسة؟
وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد والله الموافق للصواب: أن ما قاله جل النسوة من أن أقصى ما يستطعن ستره من أجسادهن هو ما عدا الوجه والكفين هو شرع الله جلل جلاله، إذ عورة المرأة إذا حاضت جميع جسدها ما عدا الوجه والكفين عند مالك والشافعي وأحمد في إحدى روايتيه: أن الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها ، مع قول أبي حنيفة : أنها كلها عورة كذلك إلا وجهها وكفيها وقدميها ومع الرواية الأخرى عن أحمد : إلا وجهها خاصة الشعراني، الميزان الكبرى: 1/ 170
ونسب ابن رشد الحفيد إلى الأمام أحمد قولًا ثالثًا وهو أن المرأة كلها عورة بداية المجتهد: 1/ 111 ولم يعزه ابن قدامة في مغنيه إلى الإمام أحمد وإنما إلى بعض أهل المذهب الحنبلي، فقال: وقال بعض أصحابنا المرأة: كلها عورة لأنه قد روى في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( المرأة عورة )) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، ولكن رخص لها في كشف وجهها وكفيها لما في تغطيته من المشقة، وأبيح النظر إليه لأجل الخطبة لأنه مجمع المحاسن، وهذا قول أبي بكر الحارث ابن هشام قال: المرأة كلها عورة حتى ظفرها بداية المجتهد: 1/ 601
وأرجع ابن رشد الحفيد الخلاف في هذه المسألة إلى الاحتمال القائم في قوله عز وجل{ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } هل هذا المستثنى إلى أن المقصود أعضاء محدودة أم إنما المقصود ما لا يملك ظهوره؟ فمن ذهب إلى أن المقصود من ذلك ما لا يملك ظهوره عند الحركة، قال: بدنها كله عورة حتى ظهرها واحتج لذلك بعموم قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ }.
ومن رأى أن المقصود من ذلك ما جرت به العادة بأنه لا يستر وهو الوجه والكفان ذهب إلى أنهما ليسا بعورة، واحتج لذلك بأن المرأة ليست تستر وجهها في الحج" بداية المجتهد: 1/ 111
وسيأتي في الجواب عن السؤال السابع عشر مزيد إيضاح لهذه المسألة.
وأما منع بعض الجهات النسوة العاملات عندهن وبعض أماكن الدراسة التلميذات أو الطالبات أو المدرسات من ستر رؤوسهن وأعناقهن وسؤالهن عن أقصى ما يمكن السماح بكشفه من أجزاء جسم المرأة، فالجواب عنه على حسب مذهب الجمهور هو أن بدن المرأة كله عورة ما عدا وجها وكفيها إذا بلغت المحيض، ورخص ابن جرير الطبري لها في كشف يديها إلى نصف الذراع معتمدًا على حديث يرويه عن سيدتي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وهو: (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى هاهنا وقبض على نصف الذراع" القرطبي الجامع لأحكام القرآن: 12/ 222 كما ذكر الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور أن بعض الفقهاء جعل الشعر من الزينة الظاهرة حاكيًا له بقيل المشعرة بتمريضه التحرير والتنوير: 18/ 207 ويدل على ضعفه وأيضًا أنه إذا كشف شعر الرأس بدا الجيد واللبة، ولا أحد من الفقهاء فيما أعلم قال بجواز كشفهما، بل جاء في حواشي يوسف الصفتي من المالكية على شرح ابن تركي على متن العشماوية أن الوجه في العورة غير الوجه في الوضوء، لأنه يجب ستر الشعر ولو كانت غماء حواشي الصفتي: 83 هذا أولًا، وثانيًا لما لهما من الأثر العجيب في تحريك الشهوة.
وترتيبًا على ذلك أقول: لا يجوز للمرأة إذا عركت- عاملة كانت أو تلميذة في ثانوية، أو طالبة في جامعة أو مدرسة- أن تبدي أكثر من وجهها وكفيها، والله أعلم.
السؤال العاشر
يضطر كثير من الطلاب المسلمين إلى العمل في هذه البلاد لتغطية نفقات الدراسة والمعيشة لأن كثيرًا منهم لا يكفيه ما يرده من ذويه مما يجعل العمل ضرورة له، لا يمكن أن يعيش بدونه، وكثير منهم لا يجد عملًا إلا في المطاعم تبيع الخمور وتقدم الوجبات فيها لحم الخنزير وغيره من المحرمات فما حكم عمله في هذه المحلات؟
وفي الجواب عن هذا السؤال والله الموفق للصواب، أقول: لم يضبط في السؤال دين صاحب المطعم أو نحلته، والذي يظهر أنه غير مسلم أصالة أو استحلالًا للمحرمات، أو فاسقا معايشا للمعاصي.
وعلى كل فالشريعة الإسلامية تحرم على السلم إجارة نفسه للمعاصي قال عبد الرحمن بن عسكر البغدادي المالكي: "لا تجوز إجارة نفسه أو عبده أو دابته أو داره في عمل معصية" إرشاد السالك إلى أشرف المسالك مع شرحه أسهل المدارك: 2/ 342 ، فإن فعل شيئًا من ذلك فقد تعدى حدود الله{ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } وللقاضي ردعه وتأديبه الكشناوي، أسهل المدارك: 2/ 342 ودليل ذلك قوله تعالى{ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } والإجارة على المعصية إعانة عليها.
وتنوعت أمثلة ذلك، قال ابن عبد البر في كافيه: ولا يجوز لأحد أن يكري معصرته ولا دابته، ولا سفينته ممن يعمل الخمر ويحملها، وإن فعل ذلك أخذ منه ما قبض ذلك من النصراني لم يحكم له بشيء، وهكذا لو أكرى بيته، أو حانوته، أو قطعة من أرضه ممن يبيع فيها الخمر ابن عبد البر، الكافي: 2/ 756
وكلام ابن عبد البر عام في المؤاجر نفسه لمعصية عند مسلم أو عند كافر، وأما قوله: "وإن لم يقبض من النصراني" فهو مخرج على الغالب، أن المعهود في عصره رحمه الله أنه لا يتاجر في الخمرة بيعًا إلى النصارى.
وأما إن كان هؤلاء الطلبة يؤاجرون أنفسهم في بلاد الحرب لغير المسلمين في مطاعم تبيح الخمور ولحم الخنزير لحرفائها وغيرها من المحرمات فذلك أشد لأن فقهاء الإسلام كرهوا للمسلم مؤاجرة نفسه للنصراني واليهودي في الحلال له، قال ابن القاسم المالكي: وبلغني أن مالكًا كره أن يؤاجر المسلم نفسه من النصراني سحنون، المدونة: 4/ 433 وقال أيضًا: سئل مالك عن المسلم يأخذ من النصراني مالًا قرضًا، فكره ذلك له وغيره من أهل العلم قد كره ذلك، وقال: سئل مالك عن المسلم يؤاجر نفسه لنصراني ليحرس له زيتونه، أو يجره له أو يبني له بنيانًا؟ فأجاب: أكره أن يؤاجر نفسه في خدمة هذا النصراني" سحنون المدونة: 4/ 433
والكراهة هنا كراهة تنزيه، ويجوز للمسلم ذلك لأن الإجارة عقد معاوضة كالبيع وإجارة المسلم نفسه فيها مباح له لخدمة النصراني مشروطة بعدم إذلالها أو ليس للمسلم أن يذل نفسه عمومًا وخصوصًا للكافر والله جل جلاله يقول:{ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } وأما مع الإهانة فحرام ككونه خادمًا في بيته يقدم له الطعام ويغسل يديه منه ويجري خلفه ويفسخ وله أجر ما عمل أحمد الدردير، الشرح الكبير: 4/ 19
وأما موقف فقهاء الإسلام من مؤاجرة المسلم نفسه في عمل معصيته هي محرمة عليه في شريعة الإسلام فالمنع البات جاء في المدونة: قلت: أرأيت مسلمًا آجر نفسه من نصراني يحمل له خمرًا على دابته أو على نفسه، أيكون له من الأجر شيء؟ أم تكون له إجارة مثله؟
قال: قال مالك : لا تصلح هذه الإجارة ، ولا أرى أنا له من الإجارة التي سمى، ولا من إجارة مثله قليلًا ولا كثيرًا، لأن مالكًا قال في الرجل المسلم يبيع خمرًا، قال مالك: لا أرى أن يعطى من ثمنها قليلًا ولا كثيرًا، والكراء عندي بهذه المنزلة لا أرى أن يعطى من الإجارة قليلًا ولا كثيرًا، قلت: وكذلك أن آجر حانوته من نصراني يبيع فيه خمرًا قال ابن القاسم : وأرى كل مسلم آجر نفسه أو غلامه أو دابته أو داره أو بيته أو شيئًا مما يملكه في شيء من الخمر فلا أرى له من الإجارة قليلًا ولا كثيرًا، ولكن يفعل فيه إن كان قبض ما وصفت لك في ثمن الخمر" المدونة: 4/ 424 – 425 قال خليل بن إسحاق المالكي رحمه الله في مختصره ذاكرًا مفهوم المنفعة المحظورة: "ولا تعليم غناء ودخول حائص لمسجد أو دار لتتخذ كنيسة كبيعها لذلك وتصدق بالكراء وبفضلة الثمن على الأرجح" المختصر: 239 ومثل ذلك الإجارة على تقديم لحم الخنزير الذي هو حرام على المسلم في هذه المطاعم، ويؤدب فاعل ذلك، قال ابن القاسم في مسلم آجر نفسه لنصراني ليرعى له خنازيره: أنا أرى أن تؤخذ الإجارة من هذا النصراني ويتصدق بها على المساكين ولا يعطاها هذا المسلم أدبًا لهذا المسلم، ولأن الإجارة أيضًا لا تحل لهذا المسلم إذا كانت إجارته من رعيه الخنازير، ورأى أن يضرب هذا المسلم أدبًا، فيما صنع من رعيه الخنازير ورضاه من رعيه الخنازير إلا أن يكون ممن يعذر بالجهالة فيكف عنه في الضرب ولا يعطى من الإجارة شيء، ويتصدق بالأجرة على المسلمين ولا تترك الأجرة للنصراني" سحنون، المدونة: 4/ 426
وجاء في المذهب الحنفي: "من استأجر حمالًا يحمل له الخمر فله الأجر في قول أبي حنيفة ، عند أبي يوسف و محمد لا أجر له، كذا ذكر في الأصل وذكر في الجامع الصغير أنه يطيب له الأجر في قول أبي حنيفة وعندهما يكره لهما لأن هذه إجارة على المعصية، لأن حمل الخمر معصية، لكونه إعانة على المعصية وقد قال الله عز وجل:{ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } ولهذا لعن الله تعالى عشرة منهم: حاملها والمحمول إليه، ولأبي حنيفة أن نفس الحمل ليس بمعصية بدليل أن حملها للإراقة والتخليل مباح، وكذا ليس بسبب المعصية وهو الشرب لأن ذلك يحصل بفعل فاعل مختار وليس الحمل من ضرورات الشرب فكانت سببًا محضًا فلا حكم له كعصر العنب وقطفه، والحديث محمول على الحمل بنية الشرب، وبه نقول: إن ذلك معصية ويكره أكل أجرته الكاساني، البدائع: 4/ 190
السؤال العاشر
ما قررناه في المذهب المالكي قال به الإمام الشافعي واعتمد في المذهب الحنبلي حسبما ذكره ابن قدامة في مغنيه المغني: 5/ 551
وأدلة تحريمه كثيرة مستفيضة في هدي خير العباد وفي آثار السلف الصالح.
أما هديه صلى الله عليه وسلم فمن جوامع كلمه قوله: (( إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه ))، وفي حديث الموطأ أن ابن وعلة المصري سأل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عما يعصر من العنب؟ فقال: ابن عباس : (( أهدى رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما علمت أن الله حرمها؟ قال: لا، فساره رجل إلى جنبه، فقال له صلى الله عليه وسلم: بم ساررته؟ قال: أمرته أن يبيعها: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الذي حرم شربها حرم بيعها )) ابن القيم: زاد المعاد، ذكر أحكامه صلى الله عليه وسلم في البيوع: 4/ 239 والإجارة بيع لمنفعة.
وأما أثار السلف الصالح فقد ساق منها سحنون في المدونة الكثير من ذلك:
1- ما روي عن عياض بن عبد الله السلامي أنه قال لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: إن لي إبلًا تعمل في السوق ريعها صدقة تحمل الطعام فإذا لم تجحد فربما حملت خمرًا؟ فقال: لا يحل ثمنها، ولا كراؤها ولا شيء منه كان ثمنها فيه سببا" ففتوى عبدا لله بن عمر صريحة ناطقة بتحريم كل ثمن أنجز من حركة في الخمر.
2- ما روي عن عميرة المعافري فقال:خرجت حاجًا أنا وصاحب لي حتى قدمنا المدينة فأكرى صاحبي راحلته من صاحب خمر فأخبرني فذهب إلى عبد الله بن عمر فسأله عن ذلك فنهاه عن ذلك وقال: لا خير فيه.
3- ما روي عن مالك بن كلثوم أنه سأل سعيد بن المسيب عن غلمان له يعملون في السوق على دواب له، فربما حملت خمرًا، قال: فنهاني سعيد عن ذلك أشد النهي، وقال: إن استطعت أن لا تدخل البيت الذي فيه الخمر فلا تدخله المدونة: 4/ 425 وبعد هذا العرض الواسع والمشتمل على تحريم الإجارة في كل منفعة محرمة وبعد إفرادنا للإجارة في الخمر عصرًا وحملًا، وللإجارة على رعي الخنازير وهو أقل جرمًا من تقديم لحومها إلى آكليها، وهو (أقل جرمًا) وبعد تيقنا من أن السنة النبوية الشريفة ما حرمت شيئًا إلا حرمت أكل ثمنه بيعًا، وأنها لعنت في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له، وبعد علمنا بكل ذلك أفتي هؤلاء الطلبة أن لا يؤاجروا أنفسهم في شيء من عمل الخمر، ولا من عمل الخنازير حملًا وتقديمًا وغير ذلك ولا في عمل محرم لأن الله ما حرم شيئًا إلا حرم أكل ثمنه، وما جعل كسب المسلم في ما حرم عليه وما أحل الله أوسع وأطيب، والله الموفق للصواب وهو حسبي ونعم الوكيل.
السؤال الحادي عشر
ما حكم بيع المسلم للخمور والخنازير، أو صناعة الخمور وبيعها لغير المسلمين، علمًا بأن بعض المسلمين في هذه البلدان قد اتخذوا من ذلك حرفة لهم؟
وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد والله الموفق للصواب أقول: روى مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم وعن أبي وعلة المصري أنه سأل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عما يعصر من العنب؟ فقال ابن عباس : (( أهدى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما علمت أن الله حرمها؟ قال: لا، فساره رجل إلى جنبه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بم ساررته؟ فقال: أمرته أن يبيعها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الذي حرم شربها حرم بيعها، ففتح الراجل المزادتين حتى ذهب ما فيهما )) الموطأ، كتاب الأشربة: جامع تحريم الخمر: 4/ 172
وروى مالك في الموطأ أيضًا " عن نافع عن بن الله أن رجالًا من أهل العراق قالوا له: يا أبا عبد الرحمن، أنا نبتاع من ثمر النخل والعنب فعنصره خمرًا، فنبيعها؟ فقال عبد الله بن عمر : إني أشهد الله عليكم وملائكته، ومن سمع من الجن والإنس أني لا آمركم أن تبيعوها، ولا تباعوها ولا تعصروها، ولا تشربوها ولا تسقوها، فإنها رجس من علم الشيطان" الموطأ: 4/ 174 وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام )) فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: هو حرام، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: (( قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه )) رواه الجماعة ابن تيمية الجد، منتقى الأخبار، كتاب البيوع: باب ما جاء في بيع النجاسة وآلة المعصية، وما لا نفع فيه: 5/ 235
وعن ابن عباس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وأن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه )) رواه أحمد وأبو داود
وإذا تأملنا هذه الأحاديث الشريفة وجدنا أن حديث الموطأ الأول متضمن حرمة عصر الخمور وصناعتها، لأن ابن وعلة المصري سأل حبر الأمة عن حكم ذلك فروى له هذا الحديث الشريف جوابًا عن سؤاله، كما تضمن الحديث أن حرمة أكل الثمن، تابعة لحرمة الشرب.
وأما علة التحريم فالرجسية أي النجاسة، والنجس لا يصح بيعه بوجه عام إلا ما رخص فيه، فقال ابن عاصم في تحفة الأحكام:
ونجس صفقته محظورة ورخصوا في الزبل للضرورة
هذا أولًا، وثانيًا: سد الذريعة، لأن إباحة بيعها تؤدي إلى شربها، ذلك ما قاله العلامة الزرقاني في شرحه على الموطأ شرح الموطأ: 4/ 172
هذا وإذا عصرها مسلم لتشرب خمرًا محظورًا وجب عليه أن يريقها، فإن اجترأ وخللها فعن مالك في ذلك روايتان: بالجواز والكراهة.
وأما حديث الموطأ الثاني فالعراقيون السائلون لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما صانعو خمور ولعلهم حديثو عهد بالإسلام (كما قال الزرقاني) وابن عمر منعهم من ذلك، ولا خلاف نعلمه في منعه، والأصل في ذلك الحديث الأول فقد قال صلوات الله وسلامه عليه، للذي أهدي إليه راوية خمر: (( إن الذي حرم شربها حرم بيعها )).
والعصير المستخلص من التمر والعنب متفق على ما منبع بيعه وابتياعه وجمهور الفقهاء على إطلاق اسم الخمير على كل ما خامر العقل فأسكره، وأن ما أسكر كثيره قليله حرام شراب وبيعها، فقد صح عنه صلوات الله وسلامه عليه: (( كل مسكر خمر )) قال ابن القيم: وهذا نص رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح الصريح الذي لا مطعن في سنده: ولا إجمالا في متنه.. وإخراج صنف من أصناف المسكر عن اسم الخمر يتضمن محذورين:
أحدهما: أن يخرج من كلامه ما قصد دخوله فيه.
والثاني: أن يشرع لذلك النوع الذي أخرج حكم غير حكمه، فيكون تغييرًا لألفاظ الشارع ومعانيه، فإنه إذا سمى ذلك النوع بغير الإسم الذي سماه به الشارع أزال عنه حكم ذلك المسمى وأعطاه حكمًا آخر.
ولما علم النبي صلى الله عليه وسلم أن من أمته من يبتلى بهذا كما قال: (( ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها )) قضى قضية كلية عامة، لا يتطرق إلها إجمالًا ولا احتمال، بل هي شافية كافية فقال صلى الله عليه وسلم (( كل مسكر خمر )) زاد المعاد في هدى خير العباد: 2/ 240
هذا والذي يظهر من قول ابن عمر رضي الله عنهما: "ولا تعصروها ولا تشربوها، ولا تسقوها فإنها رجس من عمل الشيطان" المنع من كل تصرف مقصود فيها، وعمل لها، معللًا ذلك بالرجسية، وكونها من عمل الشيطان ومريدًا والله أعلم قوله تعالى{ إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } والاجتناب قاض بالكف عن كل تصرف مقصود ففها وعمل لها، وفي الحديث: (( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبايعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له )) هذا ما يتعلق ببيع الخمر وعصرها وصناعتها، وكل تصرف مقصود فيها، وعمل لها.
وأما ما يتعلق بيع الخنازير فقد ورد في هدى خير العباد في الحديث الثالث الذي رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما تحريم بيع الخمر الخنزير والانتفاع به مع ترخيص المالكية في الانتفاع بشعره للخرز بعد جزه لطهارته، فقال خليل بن إسحاق بالعطف على الطاهر وشعر ولو من خنزير إن جزت المختصر: 5 وعلى هذا أبو يوسف والأوزاعي .
والجمهور على أن علة تحريم بيع الخنزير نجاسته، وعند المالكية ومن وافقهم تحريمه راجع فتح الباري لابن حجر: 4/ 425 - 426
وأما ما ورد في السؤال ممن تقيد بيعها بغير المسلمين فهو قيد لاغ، لأن اختلاف الدارين لتباين الأحكام إذ دعوة الإسلام نور وهدى، ورحمة وشفاء لا يختلف باختلاف الرباع والأماكن، فإن باع مسلم نصرانيًا خمرًا تراق عليه بحكم أن كان ثم حاكم يرى تخليلها، وإلا أراقها من غير رفع، لأن المسلم لا يصح له تملك الخمر بحال.
وترتيبًا على كل ما سبق أفتي وأنا فقير ربه محيي الدين قادي أنه لا يجوز لمسلم أن يبيع الخمور والخنازير، ولا أن يصنع الخمر وأن ليؤدي على ذلك، والله أعلم.
السؤال الثاني عشر
هناك كثير من الأدوية تحوي كميات مختلفة من الكحول تتراوح بين 01? و 25? ومعظم هذه الأدوية من أدوية الزكام واحتقان الأنف والحنجرة والسعال وغيرها من الأمراض السائدة، وتمثل هذه الأدوية الحاوية للكحول ما يقرب من 95? من الأدوية في هذا المجال مما يجعل الحصول على الأدوية الخالية من الكحول عملية صعبة أو متعذرة فما حكم تناول هذه الأدوية؟
وفي الجواب عن هذا السؤال أقول والله الموفق للصواب: التداوي بالخمر مسألة جرى فيها الخلاف بين علماء الإسلام ففي المذهب الحنفي أثيرت هذه المسألة فقال الزيلعي في شرحه على الكنز في كتاب الكراهية: كل تداو لا يجوز إلا بالأشياء الطاهرة ولا يجوز بالنجس كالخمر، لما روى ابن مسعود أنه عليه السلام قال: (( أن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم )) ذكره البخاري .
وقال: وقال في النهاية: يجوز التداوي بالمحرم كالخمر والبول، إذا أخبره طبيب مسلم أن فيه شفاء، ولم يجد غيره من المباح ما يقوم مقامه، والحرمة ترتفع للضرورة فلم يكن متداويًا بالمحرم، فلم يتناوله حديث مسعود.
ويتحمل أنه قال في داء عرف له دواء غير المحرم بيين الحقائق شرح كنز الدقائق: 6/ 23 كلام الزيلعي .
وقال العلامة ابن نجيم في البحر من كتاب الشهادات: إن الإنسان لو شرب الخمر للتداوي لم تسقط عدالته، لأن الاجتهاد فيه مساغًا، ونسبه لابن الكمال البحر: 7/ 26
وجاء في المذهب المالكي في هاته المسألة الإشارة أيضًا إلى الخلاف داخل المذهب فيما قال المواق في التاج والإكليل في باب: المباح طعام طاهر، بعد أن تكلم عن جواز إزالة الغصة بالخمر وعدم الجواز: وأما التداوي بها فمشهور المذهب أنه لا يحل، وإذا قلنا: إنه لا يجوز التداوي بها ويجوز استعماله للضرورة، فالفرق أن التداوي لا يتيقن البرء بها" التاج والإكليل مع مواهب الجليل بالهامش: 3/ 233
وقال العتبي: وسئل (أي مالك) عن الذي تكون له القرحة أيغسلها بالبول والخمر؟ فقال: إذا أنقى ذلك بالماء بعد فنعم له ذلك، وأني لأكره الخمر في كل شيء الدواء وغيره يعمد إلى ما حرم الله في كتابه، وذكر نجاسته يتداوى به، ولقد بلغني أنها أشياء يدخلها من يريد الطعن في الدين والغض عليه، فقيل له: فالبول عندك أخف؟ فقال: نعم.
قال ابن رشد الجد في شرحه على العتبية: "إنما رأى غسل الجرح بالبول أخف من غسله بالخمر، لأن لله تبارك وتعالى قال في الخمر: أنها رجس، وأمر باجتنابها حيث يقول:{ إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فاقتضى ظاهر الأمر باجتنابها بحمله على مقتضاه من العموم الشرب وغيره، والبول لم يأت فيه ذلك إلا أنه نجس بالإجماع ، فحرم التداوي بشربه، وجاز الانتفاع به في غسل الجرح وشبهه، قياسًا على ما أجازته السنة من الانتفاع بجلد الميتة النجس" ابن رشد: البيان والتحصيل: 188/ 428 - 429
إذن مذهب إمام دار الهجرة يحرم التداوي بالخمر شربًا وغسلًا ودهنًا على المعتمد، وأما المذهب الشافعي فقد قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "كتاب الأشربة والتعازير" من شرحه على منهجه: "كل شراب أسكر كثيره من خمر أو غيره حرم تناوله وإن قل ولم يسكر لآية{ إِنَّمَا الْخَمْرُ } ولخبر الصحيحين: (( كل شراب أسكره فهو حرام )) وخبر مسلم: (( كل مسكر خمر، وكل خمر حرام )) ولو كان تناوله للتداول أو عطش لو لم يجد غيره لعموم النهي عنه شرح المنهج: 5/ 158
وقيد سلمان الجمل في حاشيته على شرح شيخ الإسلام زكريا الأنصاري على منهجه كلامه بقيدين:
1- ما لم تستهلك الخمر في غيرها.
2- أن لا يوجد دواء طاهر يقوم مقامها.
وإلا جاز التداوي بها.
ثم قال: والأصح تحريمها صرفًا لخبر: (( إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها )).
وأما مستهلكة مع دواء آخر فيجوز التداوي بها كصرف بقية النجاسات، إن عرف، أو أخبر طبيب عدل بنفعها وتعينها بأن لا يغني عنها طاهر.
ولو احتيج في قطع يد متآكلة إلى زوال عقل صاحبها نحو ساعة ببنج جاز لا بمسكر مائع حاشية الجمل على شرح المنهج: 5/ 158
وجاء في آخر كتاب الأشربة لابن عابدين في حاشية رد المحتار على الدر المختار ما نصه: سئل ابن حجر المكي عمن ابتلي بأكل نحو الأفيون وصار إن لم يأكل منه هلك؟
فأجاب: إن علم ذلك قطعًا حل له بل وجب لاضطراره إلى إبقاء روحه كالميتة للمضطر، ويجب عليه التدريج في تنقيصه شيئًا فشيئًا حتى يزول تولع المعدة به من غير أن تشعر فإن ترك ذلك فهو آثم فاسق.
قال الرملي : وقواعدنا لا تخالفه نهاية المحتاج: 5/ 297
وفي المذهب الحنبلي لا يجوز شربها للتداوي فإن شربها لذلك لم يبح له. وعليه الحد.
ودليلهم ما رواه الإمام أحمد بإسناد عن طارق بن سويد أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أصنعه للدواء، فقال: (( إنه ليس بدواء ولكنه داء )).
وبإسناده عن مخارق (( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم سلمة ، وقد نبذت في جرة، فخرج والنبيذ يهدر، فقال: ما هذا؟ فقالت: فلانة اشتكت بطنها فنقعت لها، فدافعه برجله فكسره، وقال: إن الله لم يجعل فيما حرم عليكم شفاء )) ولأنه محرم لعينه، فلم يبح للتداوي كلحم الخنزير، ولأن الضرورة لا تندفع به فلم يبح كالتداوي بها فيما لا تصلح له ابن قدامة، المغني: 8/ 308
وبعد عرض نصوص المذاهب الأربعة من أمهاتها المعتمدة في الفتوى وبعد استخلاص أن ثلاثة منها جري فيها الخلاف في جواز التداوي بالخمر وعدم الجواز وهي الحنفي والمالكي والشافعي وأن المذهب الحنبلي فقط لا يجيز شربها للتداوي فيما علمت، وبعد وضعنا نصب أعيننا ما رواه وائل بن حجر أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه عنها: فقال: (( إنما أصنعها للدواء؟ فال: إنه ليس بدواء ولكنه داء )) وقول ابن مسعود في المسكر الذي ذكره البخاري : أن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم، وما رواه الإمام أحمد عن مخارق: إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم سلمة وقد نبذت نبذًا في جرة، فخرج ولا نبيذ يهدر فقال: (( ما هذا؟ ))فقالت: فلانة اشتكت بطنها، فنقعت لها، فدفعه برجله فكسره، وقال: (( إن الله لم يجعل فيما حرم عليكم شفاء ))، وبعد العلم أنه لا منازع في عموم قوله تعالى{ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ } وأنهم اختلفوا في تخصيص القرآن العام بالسنة واتفقوا على عدم تخصيص عموم القرآن بالحديث الضعيف، وبعد العلم بما أولت به هذه الأحاديث وما شابهها من قبل القائلين بجواز التداوي بالمحرمات وبالمسكر منه فقالوا: إن الأحاديث المانعة من التعالج بالخمر محمولة بالمحرمات وبالمسكر منها فقالوا: إن الأحاديث المانعة من التعالج بالخمر محمولة على أن الحرمة ارتفعت بالضرورة، أو الحاجة منزلتها لما يلحق تارك التعالج بها من انخرام في صحته، أو لحاق شديد الحرج به إن لم يتداو بها، فلم تتناول الأحاديث المذكورة، أو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ذلك في أمراض عرف لها دواء طاهر ميسور غيرا لخمر أو أنها محمولة على الخمر صرفًا.
فإذا وعينا كل هذا وأضفنا إليه أن مادة الكحول في عالمنا المعاصر لها الأثر الفعال في ميدان التطبيب وقاية وعلاجًا، وأن كثيرًا من الأدوية كما جاء بالسؤال تحوي على كميات منها تتراوح بين 01? و 25? وأن معظم هذه الأدوية من أدوية الزكام واحتقان الأنف والحنجرة والسعال وغيرها من الأمراض المنتشرة لا سيما في البلاد البردة، وأن هذه الأدوية تمثل ما يقارب 95? من لأدوية، وأن الحصول على أدوية غير كحولية عملية صعبة وشاقة، وأن علما لطب أثبت لبعض الأدوية التي يتوقف علاج بعض الأمراض عليها كالبنيسلين ضررًا، ولكنه أخف من المرض المعالج به، وأن من قواعد فقهاء الإسلام المتعارفة بينهم: أن الضرر الأشد يزال بالأخف ابن نجيم: الأشباه والنظائر: 96 وأنه من القدر الدواء، وأن التداوي إن لم يكن ضروريًا فهو حاجي، وأن الحاجة عامة كانت أو خاصة تتنزل منزلة الضرورة السيوطي، الأشباه والنظائر: 88 وأن الضرورة أو الحاجة تقدر بقدرها السيوطي، الأشباه والنظائر: 88
وانطلاقًا من كل ما سلف، وترتيبًا عليه أفتي وأنا فقير ربه محي الدين قادي وإني بدار الغربة بجواز التداوي بالأدوية الكحولية متى أخبر بنفع ذلك طبيب عارف بمهنته، ثقة فيها، ولم يوجد دواء غير كحولي ميسور، أو كان دون الكحولي في النفع فدين الله يسر، وليس بعسر، والله أعلم.
السؤال الثالث عشر
هناك الخمائر والجلاتين توجد فيها عناصر مستخلصة من الخنزير بنسب ضئيلة جدًا، فهل يجوز استعمال الخمائر والجلاتين؟
وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد والله ولي التوفيق فأقول: هناك قاعدة مشهورة: " الحكم على الشيء فرع عن تصوره ، ومعرفة حكم استعمال هذه الخمائر والجلاتين يتوقف على تصورنا لحقيقتها".
جاء في دائرة المعارف لمحمد فريد وجدي: يسمى بالخميرة أجسام متعضونة لا ترى إلا بالميكروسكوب، وهي قد تكون نباتية أو حيوانية تحيا وتنمو في بعض الأجسام العضوية، فتحيلها إلى متحصلات أخرى، العمل الكيماوي الذي تحدثه الخميرة يسمى " تخميرًا " دائرة المعارف: 3/ 795 كما ورد في نفس الموضوع ذكر الجلوتين باعتباره مادة تخمر الأشياء دائرة المعارف: 3/ 795
وبهذا التصور الإجمالي لكلمتي خمائر وجلاتين، وبعد معرفتنا أن السؤال وارد عن بعض هذه الخمائر والجلاتين المحتوي على نسب ضئيلة من أكياس توجد في معدة الخنزير بالنسبة إلى الخماير أو من عظمه بالنسبة إلى الجلاتين، وأن هذه النسبة الضئيلة جدًا أقول: إن الخلاف جار بين الفقهاء في كون النجاسة تطهر بالاستحالة أو لا؟
قال ميارة عن كلامه على ما يظهر بالاستحالة: "ومنه القمح النجس يزرع، فينبت هو طاهر.. ومنه الخمر إذا تحجر، أي جمد، وصار طرطارًا على المشهور وكذلك إن صارت خلًا، وفي ذلك طريقتان:
طريقة ابن رشد : إن تخللت بنفسها فلا خلاف في طهارتها، ومحل القولين إذا خللها صاحبها بالمعاناة والمعالجة.
والطريقة الثانية: أن القولين في المخللة بذاتها، والمخللة بالصنعة حكاها عياض عن وضاح.
ولأبي محمد عبد الواحد الونشريسي في نظم إيضاح المسالك لوالده:
ولابن رشد حل ما تخللا بنفسه، والخلف فيما خللا
الشرح الكبير على المرشد المعين: 88 - 89
وجاء في البيان والتحصيل لابن رشد : "قال ابن القاسم في سماع عيسى من كتاب الضحايا: في الجدي يرضع الخنزيرة، أحب إلى أن لا يذبح حتى يذهب ما فيه بطنه ولو ذبح مكانه لم ير به بأسًا" البيان والتحصيل: 1/ 155
ولعل النظير والشبيه لهذه القضية المطروحة ما جرى بالمغرب الأقصى في القرن الثالث عشر الهجري حين أخبر بعض الثقات ممن له مزيد فطنة، ويتيقظ أن سكر القالب الذي جلب من بلاد الروم ، ويجعلون فيه الدم المسفوح عند طبخه للتصفية، ثم يبالغون فيه بالعمل طبخًا وتصفية إلى أن يصير في النهاية من البياض والصلابة مفرغًا في القوالب على الشكل المواصل إلينا، وكثر التساؤل نظمًا ونثرًا عن حكم ما استعمل فيه من المشروبات والمأكولات أهو الجواز أو الحرمة؟ وتعددت الإجابات، واختلفت.
وممن أجاب عن السؤال وأجاب أبو الربيع سليمان الحوات في نحو كراسة، ومما جاء في إجابته، "وهب أن تنجيس النصارى للسكر بما ذكر، قد ثبت الثبوت المعتبر، بل تواتر فيما مضى وغبر، لا يحرم أكله، ولا يمنع بيعه لطهارته بعد الاستحالة إلى صلاح، وعدم استقذاره فإنه دم منعقد طاهر لاستحالته إلى صلاح، وإن كان جزء حيوان، لاتصافه بنقيض علة النجاسة، وهي علة الاستقذار وقد قال الحطاب : إن جواز أكله كالمعلوم من الدين بالضرورة، وكلام الفقهاء في أكل المحرم الطعم الممسك دليل على ذلك .
وقد صحح البرزلي جواز استعمال ما يصبغ بالدم، أو بالبول، وأجراهما على النجاسة تنقلب أعيانها إلى صلاح، وأما طهارته لكثرة الأعمال فيه، من تكرار طبخه مرارًا، والسكر في أوان تختلف بحسب كل طور من أطوار طبخه، إلى غير ذلك مما في التذكرة للشيخ داود فكأنه به أحمر قان مائع، فإذا هو أبيض جامد كالحجارة أو أشد لا أكثر لعين الدم النجس فيه بحال طعمًا ولا لونًا، لا ريحًا، وإذا تحقق ذهاب عين النجاسة فلا معنى لمنع ما سواه نحو ما في الرحلة العياشية عن سيدي أحمد بن عمران في الملف الذي يصنع ببلاد الروم من الصوف لمنتوف من الغنم الحية، إن الجزء النجس منها لا يبقى مع الأعمال الكثيرة التي يصير بعدها ملفًا بالغ الصنعة من دق وغسل وقصر وغزل، ونسيج وغير ذلك، بل يضمحل بالكلية، فلا يمنع حينئذ من لبسه لتحقق ذهاب عين النجاسة منه، ودون هذه الأعمال المتداولة على السكر والملف بكثير عمل الزيت المتنجس، وقد أفتى المازري بجواز استعماله إن لم يتغير أحد أوصافه، وقال: إنه الصحيح عندي على أصل المحققين ثم التطهير بكثرة الأعمال في المتنجس كالسكر والزيت أظهر منه في نفس النجس الذي هو الصوف المنتوف كما أنه أظهر فيهما معا من الطعام الذي طبخ فيه روث الفرس وهو غالب على الطعام وقد أفتى ابن عرفة بأكله.
لا يقال: إن هذا السكر يحتمل عقلًا أن يبقى فيه شيء من أثر الدم النجس ولو بولغ في أعماله؛ لأنا نقول: هذا الاحتمال إنما هو من جملة التجويزات العقلية وهي لا تعتبر في الأحكام الفقهية التي هي على غلبة الظن مبنية على أنه احتمال جار عقلًا في أكثر الأشياء دائمًا، إذ ما من طعام، أو شراب أو ثياب أو غيرها إلا وهو محتمل عقلًا لتعلق شيء من النجاسة به، ولا ينتفي الاحتمال عنه بتكرر الأعمال فيه أبدًا، فالاستثناء إذن في ذلك إنما هو إلى حكم العادة ولا إلى مجرد التجويز العقلي محمد الطالب بن حمدون بن الحاج السلمي، حاشية على الشرح الصغير لميارة علي المرشد: 146 - 147
وقال ابن تيمية من فقهاء الحنابلة: الاستقراء دلنا أن كل ما بدأ الله بتحليله وتبديله من جنس إلى جنس مثل جعل الخمر خلا، والدم منيا، والعلقة مضغة، ولحم الجلالة الخبيث طيبا، وكذلك بيضها ولبنها و الزرع المسقى بالنجس إذا سقي بالماء الطاهر وغير ذلك، وأنه يزول حكم التنجيس، ويزول حقيقة النجس، واسمه التابع للحقيقة، وهذا ضروري لا يمكن المنازعة فيه فإن جميع الأجسام المخلوقة في الأرض فإن الله يحولها من حال إلى حال ويبدلها خلقًا بعد خلق، ولا التفات إلى موادها وعناصرها.
وأما ما استحال بسب كسب الإنسان كإحراق الروث حتى يصير رمادًا ووضع الخنزير في الملاحة حتى يصير ملحًا ففيه خلاف مشهور، والقول بالتطهير اتجاه وظهور ابن تيمية، الفتاوى: 21/ 600 - 601
وانطلاقًا من كل النصوص الفقهية التي نقلت والمقتضية أن النجاسة تطهر بالاستحالة أفتي إخواني المسلمين في بلاد الغربة وغيرها من بلاد الإسلام بحلية ما تستعمل فيه الخمائر والجلاتين المذكورة، واستعمال غيره من الخمائر النباتية، أو الجلاتين التي تحتوي على نسب من عظم حيوانات مذكاة ويحل لنا أكلها كالبقر أولى وأدخل في باب اتقاء ما يريب، والله أعلم.
السؤال الرابع عشر
يضطر معظم المسلمين إلى إقامة حفلات الزفاف لبناتهم في مساجدهم، وكثيرًا ما يتخلل هذه الحفلات رقص وإنشاد، أو غناء، ولا تتوفر لهم أماكن تتسع لمثل هذه الحفلات، فما حكم الإقامة هذه الحفلات في المساجد؟
في الجواب عن هذا السؤال أفيد والله ولي الهداية والتسديد فأقول: لقد ورد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر بإعلان النكاح، والضرب بالدفوف، ورفع الأصوات بالغناء فعن محمد بن حاطب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت والنكاح )) رواه الخمسة إلا أبا داود، وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالغربال ))9.
وعن ابن عباس قال: أنكحت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( أهديتكم الفتلة؟ قالوا: نعم، قال: أرسلتم معها من يغني؟ قالت: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الأنصار قوم فيها غزل، فلو جمعتم معها من يقول: أتيناكم، أتيناكم ... فحيانا، وحياكم )) رواهما ابن ماجه ابن تيمية الجد، منتقى الأخبار، كتاب النكاح، باب الدف واللهو في النكاح: 6/ 336
وفي هذه الأحاديث التي سقتها دليل على جواز ضرب الأدفاف، ورفع الأصوات بشيء من الكلام نحو: أتيناكم الخ.. وما يشاكله، لا بالأغاني المهيجة للشرور، المشتملة على وصف الجمال والفجور، ومعاقرة الخمور فإن ذلك يحرم في النكاح كما يحرم في غيره، وكذلك سائر الملاهي الملهية الشوكاني، نيل الأوطار: 6/ 337
وقلت في صدر الكلام: ورد الأمر في السنة وظاهر الأمر الوجوب ولعله لا قائل به فيكون مسنونًا الصنعاني، سبل السلام: 3/ 117 وذلك بالشرط السالف الذكر.
إذن حفلات الزفاف إذا روعيت فيها الآداب الإسلامية مندوب غليها مرغب فيها لكن إقامتها في المساجد هي مركز الاهتمام، قال محمد بن رشد : المساجد إنما اتخذت لعبادة الله عز وجل بالصلاة والذكر والدعاء فينبغي أن تنزه عما سوى ذلك، قال الله عز وجل{ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } أي أمر بذلك، ومن ترفيعها ألا ينشد فيها الشعر البيان والتحصيل: 1/ 237
وقال خاتمة المحققين ابن عابدين الحنفي: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنشد الأشعار في المسجد.. ووفق بينه وبين ما ورد أنه صلى الله عليه وسلم وضع لحسان منبرًا ينشد عليه الشعر، يحمل الأول على ما كانت قريش تهجو به ونحوه مما فيه ضرر، أو على ما يغلب على المسجد حتى يكون أكثر من فيه مشتغلًا به رد المحتار على الدر المختار: 1/ 444
وقيد رحمه الله الإنشاء بنشيد الأعراب وهو إنشاد الشعر من غير لحن رد المحتار على الدر المحتار: 1/ 443
والقضية التي وقعت الإشارة إليها في كلام ابن رشد الجد عجوز المذهب كما يلقب عند المالكية، وعند العلامة ابن عابدين الذي أدركنا شيوخنا بجامع الزيتونة يلقبونه بخاتمة المحققين، في المذهب النعماني هي جواز إنشاد الشعر بالمساجد أو منعه، واختلاف الفقه في ذلك لورود أحاديث متعارضة في ظاهرها، فقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن عمر رضي الله عنه مر بحسان بن ثابت رضي الله عنه ينشد في المسجد فلحظ إليه –أي نظر إليه وكان حسان فهم من نظرة عمر إنكاره لصنيعه) فقال: قد كنت أنشد فيه، وفيه خير منك –يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم- متفق عليه.
وفي هذا الحديث الشريف جواز إنشاد الشعر في المسجد، وقد عارضته أحاديث أخر، منها ما أخرجه ابن خزيمة وصححه الترمذي من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تناشد الأشعار في المسجد.
وقد وقع الجمع بين هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض بما ذكره العلامة ابن عابدين وبغيره لكن الوجه الأخير من وجه التوفيق بين هذه الأحاديث المتعارضة هو الصواب، والوجه الأول مردود بحديث جابر بن سمرة الذي رواه الإمام أحمد عنه قال: (( شهدت النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة في المسجد وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت، فربما تبسم معهم )) أخرجه الترمذي وقال: حديث صحيح.
وفي هذا الحديث التصريح بأنهم يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية، فيكون المنهي عنه ما إذا كان التناشد غالبًا على المسجد حتى يتشاغل به من فيه، وقد قيد ابن العربي إنشاد الشعر في المسجد بعدم رفع الصوت بالإنشاد بحيث يشوش بذلك على مصل أو قارئ أو منتظر الصلاة، فإن أدى إلى ذلك كره، ولو قيل بتحريمه لم يكن بعيدًا الشوكاني، نيل الأوطار: 2/ 168 وقال الونشريسي من فقهاء المالكية: أجاز الشيوخ قراءة الحساب في المسجد وإعراب الأشعار الستة بخلاف قراءة المقامات لما فيها من الكذب والفحش، وكان ابن البراء بالجامع الأعظم بتونس لا يقرؤها فيه إلا بالدويرة منه، إذ ليس للدويرة حكم الجامع .
قال ابن عرفة : وفي فتوى ابن رشد بإدخال من لا غنى له عن مبيته بالمسجد من سدنته لحراسته، ومن اضطر لمبيت به من شيخ ضعيف أو زمنٍ أو مريض، أو رجل لا يستطيع الخروج ليلًا للمطر والريح والظلمة ظروفًا لها للبول نظر، لأن ما يجوز له اتخاذه بها غير واجب، وصونها عن ظروف البول واجب، ولا يخل في نفل بمعصية، ولا تسل به سيوف، ولا يحدث به حدث الريح، وعمل الحبشة به منسوخ ، قال عياض : ولأنه من أعمال البر.
وأفتى ابن لبابة أيضًا وأصحابه بعدم منع المستحلقين في المسجد للخوض في العلم وضروبه لفعل الأئمة ومالك ، قال سهل: إطلاقه غير صحيح إنما ذلك لمن يوثق بعلمه ودينه، وقصر كلامه على ما يعلمه في غير أوقات الصلوات حتى لا يضر بالمصلي، أهـ.
قال ابن عرفة: وهذا التقييد صحيح لانعقاد الإجماع على عدم قبول الفتيا من مجهول الحال حتى يشتهر بالعلم والدين المعيار: 11/ 13
فإذا كانت المقامات لا تقرأ بجامع الزيتونة من طرف لإمامة ابن البراء فيه وإنما تقرأ في الدويرة: بالرغم على أنها تقرأ للتعلم أو التعليم.
وإذا منع من اضطر لمبيت بالمسجد من مريض وزمن، وعاجز عن الخروج بالليل لمطر لاحتياجه إلى ظروف البول، والواجب تنزيه المسجد عنها، جريًا على القاعدة التي رواها أشهب عن مالك : لا يدخل في نفل بمعصية، وإذا كان رقص الحبشة في المسجد النبوي الشريف بالدف والحراب بحضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو مدرسة لتعلم فنون الحرب في ذلك الزمن قد اختلف العلماء فيه، فمن قائل بالنسخ ومن قائل: إنه عمل من أعمال البر.
وإذ كانت حِلَقِ العلم تقيد العلوم والمعارف التي تلقى فيها بعلم الحق، حتى لا يقال في بيت من بيوت الله أن ترفع باطل، وبصحة الدين حتى تراعى آداب المسجد، ويقيد وجودها في غير أوقات الصلوات حتى لا يشغل ذلك مصلٍّ وإلا كان المنع منها. وإذا كان هذا التقييد من طرف بن سهل بما ذكر لكلام ابن لبابة يكفي التأييد من الإمام ابن عرفة رحمه الله مدعمًا له بأن الإجماع على عدم قبول الفتيا من مجهول الحال حتى يشتهر بالعلم والدين.
وإذا كان كل ذلك فكيف تنتهك حرمة المسجد الذي هو بيت الله، ومكان العبادة والذكر والتسبيح، بالغناء المثير للشهوة الجنسية، وبالرقص الذي هو من أعظم المهيجات لها في شتى أنماطه وأشكاله في التي تشتمل على تثن وانعطاف لا سيما النمط الغربي فهو مغرق في التهييج لها، وصورة مصفرة من الزنا، هذا أولًا، وثانيًا: سئل إمام دار الهجرة عن الغناء الذي يفعل بالمدينة فقال: إنما يفعله عندنا الفساق.
وهذا محمول على غناء النساء، وأما الرجال فغناؤهم مذموم أيضًا، بحيث إذا داوم أحد على فعله أو سماعه سقطت عدالته، لما فيه من إسقاط المروءة ومخالفة السلف، حكى عياض عن التميمي أنه قال: كنا عند مالك وأصحابه حوله فقال رجل من أهل نصيبين : يا أبا عبد الله، عندنا قوم يقال لهم الصوفية، يأكلون كثيرًا، ثم يأخذون في القصائد ثم يقومون فيرقصون؟ فقال مالك: أصبيان هم؟ قال: لا، قال: أمجانين هم؟ قال: لا، قوم مشائخ وغير ذلك عقلاء، فقال مالك: ما سمعت أحدًا من أهل الإسلام يفعل هذا.
انظر كيف أنكر مالك وهو إمام السنة أن يكون في أهل الإسلام من يفعل هذا إلا أن يكون مجنونًا أو صبيًا، فهذا بين أنه ليس من شأن الإسلام، ثم يقال: ولو جعلوه على جهة اللعب كما يفعله الصبي، لكان أخف عليهم مع ما فيه من إسقاط الحشمة وإذهاب المروءة، وترك هدي أهل الإسلام وأرباب العقول المعيار: 11/ 41
ولنتأمل في نص هذه الفتوى من إمام دار الهجرة ومن التعليق عليها الوارد في معيار الونشريسي في الغناء والرقص، ولنقف عند الغناء في أي مكان من الغناء المحتوي على الغزل والفجور صناعة الفساق وعد الرقص ولو من طرف من يفعلونه تقربًا إلى الله كالصوفية من البدع المنكرة، لنعرف على أي خطر سيقدم من يقيم حفلة فيها رقص وغناء في بيت من بيوت الله التي أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه، لأنه يمارس في المسجد الغناء وهو فعل الفساق، والرقص ذا التثني والانعطاف والمثير للشهوة وهو صورة مصغرة من الزنا إذا كان في شكله الغربي، ولا ضرورة تدعو لذلك حتى في غير المساجد، إذ الضرورة هي التي إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة يدل على فساد وفوت حياة وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم. الشاطبي: الموافقات 2/ 4
وانطلاقًا من كل ذلك أُفتي بحرمة التجمعات المختلطة من الجنسين في المساجد إذا لم تراع فيها الآداب المطلوبة في الفقه الإسلامي من جلوس المرأة في قاع المسجد، وبحرمة ممارسة الرقص والغناء في المساجد وعد ذلك من أشد المنكرات المسقطة للعدالة والمذهبة للمروءة. والله أعلم.
السؤال الخامس عشر
ما حكم زواج الطالب والطالبة المسلمة زواجًا لا ينوي استدامته، بل النية منعقدة عنده على إنهائه بمجرد انتهاء الدراسة والعزم على العودة إلى مكان الإقامة الدائم ولكن العقد يكون –عادة- عقدًا عاديًا وبنفس الصيغة التي يعقد بها الزواج المؤبد فما حكم هذا الزواج؟
وفي الجواب عن هذا السؤال أقول –ومنه جل جلاله بلوغا المأمول-: إن حكم زواج الطالب المسلم بدار الغربة زواجًا لا ينوي استدامته، بل نيته منعقدة على إنهاءه بمجرد انتهاء الدراسة، والعزم على العودة إلى دار الإسلام الجواز.
جاء في الشرح الكبير لأبي البركات سيدي أحمد الدردير : وحقيقة نكاح المتعة الذي يفسخ أبدًا أن يقع العقد مع ذكر الأجل للمرأة أو وليتها، وأما إذا لم يقع ذلك في العقد، لم يعلمها الزوج بذلك، وإنما قصده في نفسه، وفهمت المرأة أو وليها المفارقة بعد مدة فإنه لا يضر .
وهي فائدة تنفع المتغرب الشرح الكبير: 2/ 239 لكن قال مالك –رحمه الله- ليس من أخلاق الناس د. محمد سويسي، الفتاوى التونسية في القرن الرابع عشر الهجري: 2/ 812 مرقونة. المعنى أن النكاح كما ذكر في قول أبي البركات صحيح في قول عامة أهل العلم إلا الأوزاعي قال: هو نكاح المتعة .
ثم قال: إنه لا بأس به، ولا تضر نيته،وليس على الرجل أن ينوي حبس امرأته وحبسه إن وافقته وإلا طلقها. ابن قدامة. المغني: 6/ 665
وأما المطالبة الواردة في السؤال فهي مقحمة لا معنى لإقحامها في السؤال، إذ المرأة لا تملك فك العصمة، وإنما ذلك ملك للزوج قال عليه الصلاة والسلام "إنما الطلاق لمن أخذ بالساق" رواه الدارقطني وابن ماجة، وأخرجه الطبراني وابن عدي. ولكن قال شيخنا محمد الحطاب بوشناق المفتي الحنفي بمحروسة تونس سابقًا: وإنما للمرأة أن تشترط وقت النكاح أن تكون عصمتها بيدها فيصير الطلاق حينئذ من حقوقها توقعه في أي وقت. د. محمد سويسي، الفتاوى التونسية في القرن الرابع عشر الهجري: 2/ 810 مرقونة.
وترتيبًا على ما ذكر أفتي - وأنا الفقير إلى ربه الغني محيي الدين قادي - إخواني بدار الغربة بذلك. والله أعلم.
السؤال السادس عشر
بعض الحكومات النصرانية (خاصة في أمريكا الجنوبية ) تفرض على رعاياها التسمي بالأسماء النصرانية، وتضع قوائم بأسماء اختارتها للأطفال ذكورًا كانوا أو إناثًا، ولا تسمح بتسجيل المواليد بأسماء تختار من غير هذه القوائم، فما حكم تسمي المسلمين بهذه الأسماء؟ وما الحلول التي تقترحونها في هذه الأحوال؟
وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد –والله ولي الفتح والتسديد-: التسمي بالأسماء النصرانية جائز للمسلم ما لم يكن فيه انتماء لصنم، أو وثن، أو عبودية لغير الله كعبد المسيح، أو تبرك بمتعبداتهم كابن كنيسة القيامة، أو نصراني أو نصرانية يزعمون أنهما من الصالحين، ولم يثبت ذلك عندنا، أما إذا جاء في شرعنا الإسلامي نسبته إلى الصلاح كمتى ويهوذا، أو برنبا من حواري السيد المسيح عليه السلام فيجوز للمسلم أن يسمي ابنه بذلك الاسم، بل يندب إليه لأنه اسم لولي من أولياء الله، ولأنه قصد به التفاؤل، أو إشعار بتزكية كصلاح الدين ومحيي الدين ذكر ذلك العلامة ابن عابدين وذكر أن بعض المالكية ألف في منع الأسماء المشعرة بتزكية مؤلفًا خاصًا، ونقل عن القرطبي المالكي التصريح بذلك في شرح أسماء الله الحسنى، كما نقل عن الإمام النووي أنه كان يكره من يلقبه بمحيي الدين، يقول: لا أجعل من دعاني به في حل. يراجع رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين: 5/ 268 - 269
فإذا خلا الاسم النصراني أو غيره عما ذكرته جاز بصورة عامة، وندب إذا قصد به صاحبه التفاؤل لمن سماه به كما ذكرت.
ويندب لإخواننا المسلمين في بلاد الغربة أن يراعوا الآداب التي نص عليها فقهاء الإسلام في تسمية البنين والبنات ما استطاعوا لذلك سبيلًا، فيختارون من ضمن هذه القوائم ما تعريبه عبد الله، أو عبد الرحمن، إن وجد هذان الاسمان في القوائم المعدة المفروضة على المتواجدين ببعض الحكومات النصرانية، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم من طريق نافع عن ابن عمر رفعه: (( إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن )) واختار له اسمًا من أسمائه عليه الصلاة والسلام غير المشهور به كمحمد وأحمد فمثلًا يسميه "الطيب" أو من أسماء إخوانه الرسل على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام كإلياس واليسع ودنيال، لما روى عن سعيد بن المسيب أنه قال: (( أحب الأسماء إلى الله تعالى أسماء الأنبياء )) ولا تعارض بين الحديث الأول وبين هذا الحديث، إذ الأول محمول على من أراد التسمي بالعبودية، لأن أهل الجاهلية كانوا يسمون عبد شمس عبد الدار وإلا فمحمد وأحمد ومحمود أحب إلى الله تعالى من جميع الأسماء، فإنه لم يختر لرسوله صلى الله عليه وسلم إلا أحب الأسماء إليه، هذا هو الصواب، ولا يجوز حمل الحديث الأول على الإطلاق. يراجع رد المحتار لابن عابدين: 5/ 268
وأنا أقول: إن باقي الخمس والعشرين من الرسل المذكورين في القرآن الكريم ليس فيهم واحد مدعو بعبد الله، أو عبد الرحمن، وقد سمى رسول الله أبناءه الذكور –خلا عبد الله- بغير العبودية فسمى مثلًا ابنه من مارية القبطية إبراهيم" عليه السلام باسم أبينا إبراهيم عليه السلام.
وكذلك هم مطلوبون على وجه الندب بتحسين أسماء أولادهم من ضمن تلك القوائم "كوروجو" أي الشجاع اسم حسن، و"شربوني" أي الفحام اسم خلاف ذلك.
فعن ابن المسيب عن أبيه أن أباه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( ما اسمك؟ )) قال: حزن، قال: (( أنت سهل ))، قال: لا أغير اسمًا سمانيه أبي، قال ابن المسيب: ما زالت الحزونة فينا بعد" ومقياس الاسم الحسن هو: أن لا تستكَّ من سماعه المسامع، وأن يصل إلى النفس من أقرب سبيل، ويؤخذ منه فأل حسن، وقد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما رواه أبو داود (( العاصي وعتلة، وشيطانًا، وغربا، وحبابا، وشهابا، وحربا )) وكان لعمر بنت تسمى عاصية فسماها جميلة، روى مالك في الموطأ في كتاب الجامع فيما يكره من الأسماء عن يحيى بن سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: للقحة تحلب: (( من يحلب هذه؟ )) فقام رجل فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( ما اسمك؟ )) فقال له الرجل: مرة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اجلس ))، ثم قال: (( من يحلب هذه؟ )) فقام رجل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما اسمك؟ )) فقال: حرب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اجلس ))، ثم قال: ((من يحلب هذه؟ )) فقام رجل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:<<ما اسمك؟>> فقال يعيش، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( احلب )) وروي عنه أيضًا في نفس الكتاب والباب: أن عمر بن الخطاب قال لرجل: ما اسمك؟ فقال: جرمة. فقال: ابن من؟ فقال: ابن شهاب ، قال: ممن؟ قال: من الحرقة، قال: أين مسكنك؟ قال: بحرة النار ، قال: بأيها؟ قال: بذات لظى ، قال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا، قال: فكان كما قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه.
والحديث الأول ما تضمنته ليس طيرة لأنه من المحال أن ينهى عليه الصلاة والسلام عن الطيرة ويتطير، وإنما هو من باب الفأل الحسن وقد كان أخبرهم عن سيئ الأسماء: حرب ومرة، وأكد ذلك حتى لا يتسمى بهما أحد.
والحديث الثاني كذلك يأمر بتحسين الاسم واحتوائه على فأل حسن، والأمر بتحسين الأسماء، وبتغيير الاسم إلى ما أحسن منه ليس على سبيل الوجوب كما ذكر ذلك ابن بطال في شرحه لحديث سعيد بن المسيب ، وقد ورد ذلك صريحًا فيما أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان من حديث أبي الدرداء رفعه: (( إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم.. )) ورجاله ثقات، قال الطبري ، لا تنبغي التسمية باسم قبيح المعنى، ولا باسم يقتضي التزكية له، ولا باسم معناه السب. ابن حجر: الفتح: 10/ 755 و 757 وليلاحظ أن ابن جرير لا يرى في الاسم المُشْعِر بتزكية أكثر من ترك مندوب بينما يراه ابن عابدين كما أسلفت من الحرام التسمية به، وهو مذهب المالكية للنهي عن تزكية النفس قرآنًا وسنة، أما القرآن فقوله تعالى{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلًا } والآية تقتضي الغض من المزكي لنفسه بلسانه، والإعلام بأن الزاكي المزكى من حسنت أفعاله وزكاه الله عز وجل، فلا عبرة بتزكية الإنسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له.
وفي صحيح مسلم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: (( سميت ابنتي برة فقالت لي زينت بنت أم مسلمة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا الاسم، وسميت بَرَّةَ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزكوا أنفسكم، الله أعلم بأهل البر منكم، فقالوا: بم نسميها؟ فقال: سموها زينب )) فقد دل الكتاب والسنة على حرمة أن يزكي الإنسان نفسه، قال القرطبي وعقب عليه بقوله: ويجري هذا المجرى ما قد كثر في هذه الديار المصرية من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية كزكي الدين ومحيي الدين وما أشبه ذلك، ولكن لما كثرت قبائح المسلمين بهذه الأسماء ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها فصارت لا تفيد شيئًا . القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: 5/ 246
وإن لم يتسن لإخواننا المسلمين في بلاد الغربة مراعاة الآداب المطلوبة في تسمية الولد فالتسمية باسم لم يذكر الله تعالى في عباده، ولا ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا استعمله المسلمون فالأولى أن لا يفعل كما تكلموا، هذا ما قاله ابن عابدين ، والمسلم مختار في تسمية ولده تمام الاختيار وليس مجبورًا على قوائم بعينها لا يتجاوزها، والظاهر أنه في الأسماء البديعة لا ما عرف من أسماء المسلمين من فرس كقاشاني، أو روم كمارية أو غيرها بعد الفتوح الإسلامية ودخول أمم عديدة في الإسلام وبقائها على أسمائها، لأن الأحكام الشرعية لا تناط بالأسماء، وقد أخطأ بعض الفقهاء في صنف من الحيتان يسميه البعض خنزير البحر، فقالوا: يحرم أكله لأنه خنزير، ومن أجل ألا يقع خطأ في إناطة الحكم بالاسم كره مالك –رضي الله عنه- أن يسمى هذا النوع من الحيتان بخنزير الماء، ومن أجل أن المراعى في التسمية اقتران الاسم بصفته وحقيقته، وأن لا يفتى بحلية التسمية به أو حرمة ذلك إلا بعد معرفة ما ذكر أنذر رسول الله طائفة من أمته يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها منكرًا ذلك عليهم فقال: (( ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها )) رواه أحمد وابن أبي شيبة، فتغيير الاسم لا يؤثر بمنطوق الحديث الشريف في تحليل الحرام، كذلك لا يكون مؤثرًا في تحريم الحلال، وبعبارة أحوط واشمل لا تكون الأسماء مناط الأحكام، ولكنها تدل على مسمى ذي أوصاف تلك الأوصاف هي مناط الأحكام فالمنظور إليه هو الأوصاف خاصة سماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور –رحمه الله- المقاصد: 0/ 155 – 111- 112 بتصرف واختصار. فالاسم النصراني ما خلا عما اشترطناه في صدر هذه الفتوى وقعت التسمية به على ما وصفت في الحكم، وليس ذلك من الركون إلى الكفار المنهي عنه بقوله تعالى{ وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ } لأن المسلم لا يميل كما هو إطار السؤال إلى الأسماء الموجودة بهذه القوائم، ولكن لا مندوحة له عنها.
وانطلاقًا من كل ذلك وترتيبًا على ما ذكر أفتي وأنا الفقير إلى مولاه الغني محيي الدين قادي إخواني في بلاد الغربة أن يسموا أبناءهم بالأسماء النصرانية ما خلت عن شرك أو تبرك بمن يزعمه النصارى من الصالحين أو تزكية، أو تحريف لاسم مقدس في الإسلام وله حرمة، والله أعلم، وهو ولي التوفيق.
السؤال السابع عشر
ما حكم ظهور المرأة في محلات العمل، أو الدراسة بعد أن تأخذ من شعر حاجبيها وتكتحل؟
وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد –والله الموفق للصواب-: أن أخذ المرأة من حاجبيها جرى فيه الخلاف بين فقهاء الإسلام فقد جاء في أحكام القرآن لابن العربي أن ذلك من تغيير خلق الله حيث يقول وهو يفسر ما اشتمل عليه قوله تعالى:{ وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ } الآية.
المسألة السادسة: (( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والمستوشمة والنامصة والمتنمصة والواشرة والمؤتشرة، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله )) .
وذكر أن النامصة ناتفة الشعر تتحسن. القرطبي: 1/ 501
قال القرطبي : واختلف في المعنى الذي نهى لأجلها، فقيل: لأنها من باب التدليس، وقيل: من باب تغيير خلق الله. كما قال ابن مسعود وهو أصح، وهو يتضمن المعنى الأول.
ثم قيل: هذا المنهي عنه إنما هو فيما يكون باقيًا، لأنه من باب تغيير خلق الله تعالى، فأما ما لايكون باقيًا كالكحل والتزين به للنساء فقد أجاز العلماء ذلك: مالك وغيره، وكرهه مالك للرجال
قال الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور –رحمه الله-: وليس من تغيير خلق الله التصرف في المخلوقات بما أذن الله فيه، ولا ما يدخل في معنى الحسن فإن الختان من تغيير خلق الله، ولكنه لفوائد صحية، وكذلك حلق الشعر لفائدة د\فع الأضرار، وتقليم الأظافر لفائدة تيسير العمل بالأيدي. وكذلك ثقب الآذان للنساء لوضع الأقراط والتزين.
وأما ما ورد في السنة من لعن الواصلات، والمتنمصات والمتفلجات للحسن، فمما أشكل تأويله، وأحسب تأويله أن الغرض منه النهي عن سمات كانت تعد من سمات العواهر في ذلك العهد، أو من سمات المشركات، وإلا فلو فرضنا هذه منهيًا عنها لما بلغ النهي إلى حد لعن فاعلات ذلك.
وملاك الأمر أن تغيير خلق الله إنما يكون إثمًا إذا كان فيه حظ من طاعة الشيطان، بأن يجعل علامة لنحلة شيطانية كما هو سياق الآية واتصال الحديث بها" التحرير والتنوير: 5/ 205 - 206
وقد زاد هذا المعنى إيضاحًا في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية في المبحث الذي خصصه لبيان أن قصد الشريعة الإسلامية من أحكامها نوطها بمعان وأوصاف، لا بأسماء وأشكال وبرهن على ذلك بأدلة من السنة واجتهادات الفقه الإسلامي ومن بين ذلك ما علق به على حديث: (( لعن الواصلة والمستوصلة )) مقاصد الشريعة: 111 الخ.. فقال: وكذلك قد أخطأ بعض المتقدمين في حكم وصل الشعر للمرأة ذات الزوج، وتفليج أسنانها، وتنميص حاجبيها، فجعل لذلك من التغليط في الإثم ما ينافي سماحة الإسلام تمسكًا بظواهر أثر يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لعن فيه الواصلة، والواشمة والمتفلجة والمتنمصة ))، وأنا أجزم بأن ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك إذا كان كذلك ورد عنه: إنما أراد به ما كان من ذلك شعارًا لرقة عفاف نساء معلومات، كما إذا قلنا بتونس : بئست المرأة التي تخرج لافة على يدها منديلًا".
وقد قصد سماحة الأستاذ الإمام رحمه الله: أن هذه الأوصاف المذكورة في هذا الأثر ليست أوصافًا مقصودة للتشريع وإنما أوصاف مقارنة له لا تعلق لغرض الشارع بها.
وقد ذكر في موضع آخر من كتابه السالف الذكر أن الفهم يكاد يضل في فهم المراد من حديث ابن مسعود إذ يرى ذلك صنفًا من أصناف التزين المأذون في جنسه. للمرأة كالتحمير والحلوق والسواك يتعجب من النهي الغليظ عنه، ثم وجهه رحمه الله – بما وجهه به من قبل من أن تلك الأحوال أمارات رقة حصانة المرأة، فالنهي عنها نهي عن الباعث عليها، أو عن التعرض لهتك العرض بسببها.
وحيث اتضح لنا أن تلك الأوصاف ليست مقصودة للتشريع وإنما أوصاف مقارنة لا تعلق لغرض الشارع بها، وأن النهي عنها عن الباعث.
وحيث روي عن أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها- جواز الوصل للشعر لقصة الزينة للنساء بشعر أو غيره من صوف وخرق ولو أن رواية هذا القول عنها وصفها الإمام النووي –رضي الله عنه- بأنها لم تصح عنها، وأن الصحيح عنها كقول الجمهور وترتيبًا على هذه الرواية عن أم المؤمنين عائشة، والتي يدعمها ذلك التخريج القائم على سبر خلجات أغوار الشريعة الإسلامية أقول –والله الموفق للصواب-:
إن أخذ المرأة شيئًا من شعر حاجبيها بالنماص ونحوه جائز في حاضرنا لفقدان علة النهي وهي أنه أمارة على رقة العفاف وإنما هو نمط من أنماط التزين للنساء الذي ليس فيه اتباع لنحلة شيطانية.
وحيث ثبت ذلك أقول: إن ظهور المرأة في محلات العمل أو الدراسة بعد أخذها من شعر حاجبيها، واكتحالها جائز، لأنه من الزينة الظاهرة التي في سترها حرج عليها من طرف زوجها أو من جانب صورتها، أو من ناحية أترابها، وليس من اليسير إزالتها عند بدوها أمام الرجال وإرجاعها عند الخلو في البيت وكذلك ما كان محل وضعه غير مأمور بستره كالخواتيم، ذلك ما قاله العلامة أبو بكر بن العربي في بيان معنى الزينة الظاهرة ونقله عنه الأستاذ الإمام في التحرير والتنوير، التحرير والتنوير: 18/ 206 ولم أقف عليه في مظنته وهي قوله تعالى{ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } في أحكام القرآن.
ويعرض القرطبي إلى تفسير الزينة الظاهرة في قوله تعالى{ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } فيقول: قال ابن مسعود : ظاهر الزينة هو الثياب، وزاد ابن جبير: الوجه. وقال سعيد بن جبير أيضًا وعطاء والأوزاعي : الوجه والكفان ولثياب، وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة، هو الكحل والسوار والخضاب إلى نصف الذراع، والقرطة والفتخ ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس.
وذكر الطبري عن قتادة في معنى نصف الذراع حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر آخر عن عائشة –رضي الله عنها- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى هنا )) وقبض على نصف الذراع الجامع لأحكام القرآن: 12/ 228 - 229
وقال ابن العربي : قال ابن القاسم عن مالك: الخضاب ليس من الزينة الظاهرة، وقيده ابن العربي بما إذا كان في القدمين . الجامع لأحكام القرآن: 3/ 1369
وترتيبًا على كل ما سبق نقله من نصوص أفتي وأنا فقير ربه محيي قادي بجواز ظهور المرأة في محلات العمل أو الدراسة بعد أن تأخذ من شعر حاجبيها وتكتحل والله أعلم.
السؤال الثامن عشر
بعض المسلمات يجدن حرجًا في عدم مصافحتهن للأجانب الذين يرتادون الأماكن التي يعملن، أو يدرسن فيها، فيصافحن الأجانب دفعًا للحرج، فما حكم هذه المصافحة؟ وكذلك الحال بالنسبة لكثير من المسلمين الذين تتقدم إليهم نساء أجنبيات مصافحات وامتناعهم عن مصافحتهن يوقعهم في شيء من الحرج على حد ما يذكرون ويذكرن؟
وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد –والله ولي الفتح-: لم أر في أمهات المذهب المالكي إثارة هذه القضية، ولكنها في القرون الأخيرة أثيرت حين أصبح بعض طلاب الفقه يقولون: تحرم مصافحة الأجنبية مع قصد اللذة أو وجدانها وإلا فلا حرمة فجاء الجواب الصحيح من طرف بعض شيوخ المذهب عن حكم مصافحة المرأة الأجنبية، فقال الشيخ يوسف الصفتي في حواشيه على شرح ابن تركي على متن العشماوية، تحرم مصافحة المرأة لغير المحرم سواء حصلت لذة أم لا بغير حائل، وعزا نقله هذا إلى الشيخ على الصعيدي في حاشيته على شرح الخرشي على مختصر خليل، ثم حذر –رحمه الله – من خطأ بعض الطلاب في هذه المسألة فقال: فتنبه له، وقد أخطأ في كثير من الطلبة، وزعموا أنه إن حصل قصد اللذة أو وجودها فهو حرام، وإلا فلا، قياسًا على نقض الوضوء. وليس كذلك بل حرام مطلقًا. حواشي الصفتي: 31
ويقول الشيخ عبد الباقي الزرقاني في شرحه على مقدمة له "والمصافحة حسنة" أي مستحبة لرجل مع مثله، أو لامرأة مع مثلها، لا رجل ولو لمتجالة (المرأة التي لا أرب للرجال فيها) لأنها من المباشرة، إن لم يكن محرمها شرح الزرقاني: 337 - 338
وقول الصفتي: بلا حائل" مفهومه أنها مع وجود الحائل غير محرمة ولم أعثر على من صرح بحكم هذا المفهوم من فقهاء مذهبنا المالكي، وقواعده تأبى على الأخذ بمفهومات الكتب وأقوال المشائخ، واعتبارها حجة، قال القاضي أبو عبد الله المقري –رحمه الله- في قواعده الفقهية: لا يجوز نسبة التخريج والإلزام بطريق المفهوم أو غيره، إلى غير المعصوم عند المحققين لإمكان الغفلة أو الفارق، أو الرجوع عن الأصل عند الإلزام والتقييد بما ينفيه، أو إبداء معارض في المسكوت أقوى، أو عدم اعتقاد العكس إلى غير ذلك، فلا يعتمد في التقييد ولا يعد في الخلاف . الونشريسي. المعيار: 6/ 376 - 377
لكن ورد جواز المصافحة للأجنبية بحائل صريحًا في فقه الشافعية حيث يقول شيخ الإسلام زكريا الأنصاري –رحمه الله- في شرحه على منهجه ما نصه: "وحيث حرم نظر حرم مس"، لأنه أبلغ منه في اللذة بدليل أنه لو مس فأنزل بطل صومه ولو نظر فأنزل لم يبطل، فيحرم على الرجل دلك فخذ رجل بلا حائل" وتعقب محشية الشيخ سليمان الجمل قوله: "ويحرم على الرجل دلك فخد رجل بلا حائل" بأنه يجوز للرجل دلك فخذ الرجل بشرط حائل، وأمن فتنة، وأخذ منه حل مصافحته الأجنبية مع ذينك أي الحائل أمن الفتنة وأفهم تخصيصه الحل معهما بالمصافحة حرمة مس غير وجهها وكفيها من وراء حائل ولو مع أمن الفتنة، وعدم الشهوة، ووجهه أنها مظنة لأحدهما كالنظر. شرح المنهج: 4/ 125 - 126
وقد عرض لها العلامة الحصكفي في الدر المختار في كتاب الحظر والإباحة في الفصل الذي خصصه للنظر والمس فقال: "وما حل نظره حل لمسه إلا من أجنبية فلا يحل مس وجهها وكفها، وإن أمن من الشهوة، لأنه أغلظ، ولذا يثبت به حرمة المصاهرة.
وهذا في الشابة، أما العجوز التي لا تشتهى فلا بأس بمصافحتها ومس يدها إذا أمن الفتنة. الدر المختار: 5/ 235
وكره الإمام أحمد –رضي الله عنه- مصافحة النساء، وشدد أيضًا حتى لمحرم وجوزه لوالد ويتوجه، ولمحرم، وجوز أخذ يد عجوز شوهاء. ابن مفلح.كتاب الفروع: 5/ 158
وبعد عرض نصوص فقه المذاهب الأربعة يبدو أنها مجمعة على حرمة مصافحة الأجنبية الشابة بدون حائل، لكن الذي يؤخذ أنها لم تعرض إلى الاستدلال على ذلك، والأدلة عليه قائمة، وأهمها ما يلي:
1- المصافحة مباشرة، وهي اتصال البشرة بالبشرة، وهو محرم في غير الزوجة، وما ملكت اليمين، وملامسة أيضًا من اللمس وهو إلصاق الجارحة بالشيء وهو عرف في اليد لأنها آلته الغالبة، وهو أيضًا محرم في غير ما ذكر أولًا.
2- السنة: روى مالك في الموطأ في كتاب الجامع فيما جاء في البيعة عن أميمة بنت رقية أنها قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة بايعنه على الإسلام، فقلنا: يا رسول الله نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيك في معروف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( فيما استطعتن وأطقتن )) قال: فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، هلم نبايعك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إني لا أصافح النساء )) الحديث قال الباجي قوله صلى الله عليه وسلم>> إني لا أصافح النساء>> يريد لا أباشر أيديهن بيدي، يريد –والله أعلم- الاجتناب، وذلك من حكم مبايعة الرجال المصافحة، فمنع من ذلك في مبايعة النساء لما فيه من مباشرتهن . المنتقى: 7/ 308 وروى البخاري في كتاب التفسير في باب{ إذا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ } عن عائشة أنها قالت: "والله ما مست يده امرأة في المبايعة" قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وقد جاء في أخبار أخرى أنهن كن يأخذن بيده عند المبايعة من فوق ثوب، أخرجه يحيى بن سلام في تفسيره عن الشعبي. الجامع الصحيح: 8/ 627 قال الزرقاني : معقبًا على كلام الحافظ ابن حجر وأخرجه ابن عبدا لبر عن عطاء وعن قيس ابن أبي حازم أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: إذا بايع لم يصافح إلا وعلى يده ثوب . الزرقاني: شرحه على الموطأ: 4/ 399
وكون النسوة يصافحن النبي صلى الله عليه وسلم عند المبايعة من فوق ثوب تفسر اشتراط الفقهاء الذين نقلت عنهم نصوصهم عدم الحائل في حرمة مصافحة الأجنبية.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له أن يمس امرأة لا تحل له ))، رواه الطبراني والبيهقي ، ورجال الطبراني ثقات رجال الصحيح. محمد صديق حسن خان القنوجي البخاري. حسن الأسوة فيما ثبت عن الله ورسوله في النسوة: 522
والمس على ما جاء في لسان العرب له معنيان: حقيقي، وهو مسك الشيء بيدك.. ويقال: مسست الشيء أمسه مسًا: إذا لمسته بيدك، وله معنى مجازي وهو الجماع، مس المرأة وماسها: أتاها، وهو عرف في اليد لأنها آلته الغالبة، اللسان: 26/ 218 - 219 ومن أجل ذلك سقت الحديث دليلًا على حرمة المصافحة.
3- المصافحة باليد ذريعة إلى الزنا، وأصل من أصول التشريع الإسلامي سد ذرائع الفساد، حدث عبد الله بن المبارك عن أشياخ الشام : من أعطى أسباب الفتنة من نفسه أولًا، لم ينج منها آخرًا، وإن كان جاهدًا". ابن مفلح. كتاب الفروع: 5/ 158 قال هذا في السلف الصالح لهذه الأمة فما بالك بهذا الخلف الموجود في بلاد الغربة التي لا قيد فيها يقيد العلاقات الجنسية، واليد هي المفتاح السحري في هذا المجال، فمن أعطت يدها لا تستطيع أن تمنع ما وراء ذلك من كبيرة الزنا، والوسيلة تأخذ حكم المقصد كما هي القاعدة.
وبناء على ذلك، وانطلاقًا منه أفتي أخواتي بحرمة مصافحة الرجل للأجنبية ولو متجالة.
حرره محيي الدين قادي الفقير إلى مولاه الغني. والله أعلم.
السؤال التاسع عشر
ما حكم استئجار الكنائس أماكن لإقامة الصلوات الخمس، أو صلاة الجمعة والعيدين مع وجود التماثيل، وما تحتويه الكنائس عادة علمًا بأن الكنائس في الغالب أرخص الأماكن التي استئجرها من النصارى وبعضها تقدمه الجامعات والهيئات الخيرية للاستفادة منه في المناسبات هذه بدون مقابل؟
وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد –والله الموفق للصواب- فأقول: قال العتبي: وحدثني عن ابن القاسم عن مالك عن نافع أن عمر بن الخطاب كان يكره الصلاة في الكنائس التي فيها الصور، قال مالك: وأنا أكره الصلاة في الكنائس لأن موضعها نجس، ووطئهم بأقدامهم فيها. العتبية مع البيان والتحصيل: 17/ 305
هذا ما قاله صاحب العتبية، وقال شارحها ابن رشد : وفي قوله: "التي فيها الصور" دليل على أنه إنما كرهت الصلاة فيها إذا كانت عامرة، لأن العامرة هي التي تكون فيها الصور .
وقد اختلف في علة الكراهة على ثلاثة أقوال:
الأول: قال مالك: هي النجاسة الآتية من وطء أقدامهم يدخلونه فيها من النجاسات.
الثاني: قال ابن حبيب : لأنها بيوت متخذة للكفر.
الثالث: قيل: مجموعة الأمرين.
فمن صلى فيها فهل يعيد في الوقت، أو يعيد أبدًا، أو لا يعيد أصلًا؟
فعلى القول بأن علة الكراهة نجاستها، لم تجب عليه إعادة أن صلى على ثوب بسطه، وأن صلى دون أن يبسط فالإعادة أبدًا، على قول ابن حبيب، لأن الأصل عنده أن من صلى على ثوب نجس عامدًا يعيد أبدًا، وقيل يعيد في الوقت، وقيد ذلك بغير المضطر إلى النزول أما المضطر فلا يعيد أبدًا، ولا وقتًا من أجل أن نجاستها متيقنة، وهو قول سحنون . البيان والتحصيل: 16/ 305
وقد حرر النفراوي المالكي هذه المسألة تحريرًا دقيقًا، تعلق فيه بأمور ثلاثة:
1- أن كراهة الصلاة في الكنائس كراهة تنزيه.
2- أن الكراهة في العامرة والخاربة، صلى على فرشها، أو غير فرشها، حيث صلى فيها اختيارًا.
3- أن الإعادة في الوقت مشروطة بشرط هي:
1- أن يصلي فيها اختيارًا.
2- أن تكون عامرة.
3- أن يصلي على فرشها.
ونظير ذلك من صلى على نجاسة ناسيًا.
وأما لو صلى فيها مكرهًا، أو كانت خارجة، ولو صلى على فرشها، أو عامرة وصلى على شيء طاهر فلا إعادة.
والخلاصة: أن الكراهية معلقة بالصلاة فيها على وجه الاختيار، ولو صلى على فرش طاهر والإعادة مقيدة بالقيود الثلاثة. ويلزم من الإعادة الكراهة، ولا يلزم من الكراهة الإعادة.
وجاء عنه أيضًا أن الصلاة تكره في الأماكن التي فيها صور وتماثيل. الفواكه الدواني: 1/ 150 هذا ما يتعلق بالصلاة في البيع والكنائس.
وأما اتخاذ الكنائس مساجد فجائز لحديث عثمان بن أبي العاصي: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يجعل مسجد أهل الطائف حيث كانت طواغيتهم )). ابن تيميمة الجد، منتقى الأخبار، كتاب الصلاة، باب اتخاذ متعبدات الكفار ومواضع القبور إذا نبشت مساجد: 2/ 150
وقال الزركشي من فقهاء الشافعية: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لنصراني: إنا لا ندخل عليكم بيعكم من أجل الصور التي فيها . أخرجه البخاري تعليقًا بلفظ: أنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها، عمدة القارئ: 4/ 122 وعن أبي موسى الأشعري أنه صلى في كنسية، وعن الحسن والشعبي الترخيص في الصلاة في البيع والكنائس. الزركشي، أعلام المساجد: 384
هذا ما دامت الكنائس مرخصًا في الصلاة فيها فهل يجوز استئجارها لاتخاذها مسجدًا؟ نعم، يجوز ذلك، لأن التجارة مع الكافر في أرض الحرب جائزة على الجملة بقيودها واستئجار مكان ما ليجعل مسجدًا جائز أيضًا جاء في المدونة: أرأيت إن أكريت دارًا على أن يتخذوها مسجدًا عشر سنين؟ قال: ذلك جائز، قلت: فإن مضت العشر سنين؟ قال: إذا انقضت الإجارة رجعت الدار إلى ربها، قلت: أتحفظه عن مالك؟ قال: لا. المدونة: 4/ 423
وانطلاقًا من كل ذلك وترتيبًا عليه أفتي بالترخيص في صلاة الجمعة وغيرها من الصلوات بالكنائس والبيع بعد أن تطهر بالماء احتياطًا، وتغطى الصور والتماثيل فيها بستائر تحجبها عن أعين المصلين، لأن الأرض كلها مسجد للمسلم. والله أعلم.
السؤال العشرون
ما حكم ذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وما يقدمونه من طعام في مطاعمهم مع عدم العلم بالتسمية عليها؟
وعن هذا السؤال أفيد والله ولي الفتح فأقول: لا بد من محاولة تحديد أهل الكتاب وهم: على ما قال حافظ المذهب في عصره الشيخ سيدي محمد المهدي الوزاني: اليهود والنصارى.
وأما الصائبة فهم: طائفة من اليهود والنصارى يعبدون الكواكب السبعة أو الملائكة، وليسوا من أهل الكتاب، وكذلك المجوس وهم قوم يعبدون النار.
وقيل: الشمس، وقيل اعتزلوا النصارى ولبسوا المسوح، وقيل: اخذوا من دين النصارى شيئًا ومن دين اليهود شيئًا، وهم القائلون بأن للعالم إلهين: النور، والظلمة، وقيل: هم قوم يستعملون النجاسات، والأصل نجوس بالنون فأبدلتم ميمًا، وعزا كل هذه المعاني إلى بعض المفسرين المعيار الجديد: 1/ 257
ولم يتعرض -رحمه الله- للسامرة، وهم على ما قال الخشري: طائفة من اليهود من بني يعقوب عليه السلام تنكر ما عدا نبوة موسى وهارون ويوشع ابن نون من أنبياء بني إسرائيل، تنكر المعاد الجسماني كالنصارى، ولا يرون لبيت المقدس حركة كاليهود، ويحرمون من جبال نابلس ويزعمون أن بأيديهم توراة بدلها لهم أحبار اليهود الشرح الصغير له: 3/ 4 - 5 وقد عدهم خليل بن إسحاق من أهل الكتاب الحلال طعامهم وقال وإن سامريا المختصر : 83 أي وإن كان فاعل الذبح والنحر سامريا ومبالغته مشعرة بأن الصابئ ليس كذلك، بينما السامري قد أخذ ببعض اليهود، والصابئ قد أخذ ببعض النصرانية، فما وجه الفرق الخرشي بينهما فقال: لعل أخذ الصابئ بالنصرانية دون أخذ السامري باليهودية" المختصر: 5
وقول الشيخ المهدي : اليهود والنصارى وكذلك من تهود أو تنصر، فالعبرة أنهم أتباع للديانة الموسوية أو العيساوية سواء كانوا ممن دعاهم موسى وعيسى عليهما السلام إلى اتباع الدين، أو ممن دخلوا في الدينين اختيارًا فإن موسى وعيسى دعوا بني إسرائيل خاصة، وقد تهود من العرب أهل اليمن ، وتنصر من العرب تغلب، وبهراء، وكلب، ولخم، نجران وبعض ربيعة، وغسان فهؤلاء أيضًا من أهل الكتاب عند الجمهور عدا علي بن أبي طالب فإنه قال: لا تحل ذبائح نصارى تغلب، وقال: أنهم لم يتمسكوا من النصرانية بشيء سوى شرب الخمر، وعزاه القرطبي إلى الشافعي ، وروى الربيع عن الشافعي : لا خير في ذبائح نصارى العرب من تغلب، وعن الشافعيين: من كان من أهل الكتاب قبل البعثة المحمدية فهو من أهل الكتاب، ومن دخل في دين أهل الكتاب بعد نزول القرآن فلا يقبل منه إلا الإسلام، ولا تقبل منه الجزية أي كالمشركين.
وأما المجوس فليسوا أهل الكتاب بالإجماع ، فلا تؤكل ذبائحهم، وشذ من جعلهم أهل كتاب، وإن كان لهم كتاب ولكنه ليس بسماوي فللأتباع زرادشت كتاب: "الزندفستا" وهؤلاء هم محل الخلاف.
وأما أتباع ماني، والمعروفون بالمانوية، فليس لهم كتاب، وهم أباحيون الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور، التحرير والتنوير: 6/ 120 – 121 بتصرف مع العلم أن اتباع الكتب السماوية غير التوراة والإنجيل من أهل الكتاب الذين أبيح لنا طعامهم، وكذلك المسلم المتهود أو المتنصر ليس من أهل الكتاب، وأما المشركون وعبدة الأوثان، ومن بقيت عندهم أثارة من ملة إبراهيم مع عبادتهم للأوثان والأصنام فليسوا من أهل الكتاب بلا خلاف.
والخلاصة: أن الكتابي هو الذي يدين باليهودية، ولو سامريًا، أو النصرانية، ممن دعاهم موسى وعيسى عليهما السلام أو دخلوا في الديانتين بعد ذلك، قبل الإسلام أو بعده، خلافًا للشافعي رضي الله عنه فيمن دخل فيهما بعد الإسلام.
وبعد هذه المحاولة لضبط مدلول أهل الكتاب، والتي لها أهمية كبرى بالنسبة للسؤال الذي يهم الإخوة المغتربين، ويهم المسلمين عامة، والمسلمين العرب خاصة في مصر وسورية ولبنان وفلسطين .. نأتي إلى الجواب عن حكم ذبائح أهل الكتاب فنقول: قال فقهاء المالكية: يشترط لحل ذبيحة الكتابي يهوديًا أو نصرانيًا:
1- أن لا يذبح الكتابي ذبيحته لصنم، وهي الأنصاب المذكورة في القرآن الكريم، والمراد بما يذبح للصنم، أي ما يكون مستحقًا له دون غيره في زعم الكتابي، لأنه مما أهل به لغير الله، أي بأن قال: باسم الصنم بدل باسم الله، فإن ذكر اسم الله مع اسم الصنم، أكل تغليبا ًلاسم الله، مع أنه يبعد ذكر اسمه تعالى مع قصده اختصاص الصنم بما ذبح إذ لا يصدق عليه مع ذكر اسم الله جل جلاله لأنه يذبح لصنم ما يستحقه دون غيره في زعمه، وكذلك ما ذبحوه لعيسى أو لمريم أو لكنيسة، وذكروا اسم الله عليه أكل ولو قدموا غيره لأنه يعلو ولا يعلى عليه، قاله الأمير في المجموع راجع الشرح الصغير للدردير مع حاشية الصاوي عليه: 1/ 314
2- وهو متعلق بمن يستحل منهم أكل الميتة المحرمة علينا بالخصوص في القرآن الكريم وهو أن لا يغيب الكتابي حال ذبحها عنا، بل لابد من حضور مسلم عارف بالذكاة الشرعية، خوفًا من كونه قتلها أو نخعها، فإن غاب لم تؤكل، وهذا التفصيل هوا لمشهور من المذهب، قال ابن رشد الجد ، القياس أنه إذا كان يستحل الميتة، لم تؤكل ذبيحته، ولو لم يغب عليها، لأن الذكاة لابد فيها من النية وإذا استحل الميتة فكيف ينوي الذكاة؟ وإن ادعى أنه نواها فكيف يصدق؟ وقبله ابن ناجي وابن عرفة .
3- وهو خاص باليهود، أن يكون ما ذبحوه مما يحل لهم في شريعة الإسلام فإن ذبح اليهودي ما لا يحل له في شرعنا من ذي الظفر أو المخلب أو الحافر كالإبل وحمر الوحش والنعام، والأوز، وكل ما ليس مشقوق الظلف، ولا منفرج القوائم، فلا يحل لنا أكله أن ذبحه اليهودي، وليس من ذي الظفر الدجاج والحمام لأنهما ليسا من ذي الظفر، إذ هما مشقوقًا الأصابع وليس بينهما اتصال، فإن ذبح اليهودي الدجاج والحمام حل لنا أكله.
وأما ما هو مشقوف الظلف كالبقرة والغنم إذا ذبحه اليهودي حل لنا أكله ودليل حرمة ذي الظفر على اليهود في شرعنا قوله تعالى{ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ }.
وأما النصارى فلم يحرم عليهم شيء في شرعنا الإسلامي الحنيف، بقيت مسألة شحوم البقر والغنم فهي حرام على اليهود بنص القرآن الكريم إلا ما استثنى منها، قال الله تعالى{ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ } فإذا ذبح اليهودي البقر والغنم كره للمسلم أكل الشحوم، وهذا أحد الأقوال الثلاثة وقيل يجوز أكلها بلا كراهة، وقيل يمنع، ذكرها المحقق البناني ونسبها إلى ابن رشد الجد .. ثم قال: والأصل في هذا اختلافهم في تأويل قول الله سبحانه وتعالى:{ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ } هل المراد بذلك ما يأكلون لم يجز أكل شحومهم؟ لأن الله سبحانه وتعالى حرمها عليهم في التوراة على ما أخبر به القرآن الكريم، فليس مما يأكلون.
وأما ما حرم على اليهود في الديانة اليهودية كالطريفة، وهي أن توجد الذبيحة فاسدة الرئة، أي ملتصقة بظهر الحيوان كره لنا أكله من غير تحريم على المشهور، وإنما كانت الطريفة محرمة عند اليهود لأن ذلك علامة على أنها لا تعيش من ذلك فلا تعمل فيها الذكاة عندهم، كالحيوان المنفوذ المقاتل عندنا، وأما شراء الطريفة فلا يجوز ويفسخ إذا وقع، وقيل يكره، فيكون القول بفسخ بيعها محمولًا على الندب، قاله علي الأجهوري ويكره للإمام أن يبقى اليهود جزارين، وفي المدونة: كره مالك الشراء من مجازر اليهود وقال: نهى عمر أن يكونوا في أسواقنا جزارين أو صيارفة وأمر أن يقاموا من الأسواق ، وقال ابن حبيب عن مطرف وعبد الملك ينهى عن الشراء منهم ولا يشتري منهم إلا رجل سوء ولا يفسخ شراؤه، وقد ظلم نفسه ويكره للإمام أيضًا أن يبقيه جزارًا في البيوت على القول بصحة استنابته، وإنما كره من اليهود ما كره لعدم نصحهم للمسلمين .
4- أن يكون ما ذبحه الكتابي ملكًا له، فإن كان ما ذبحه ملكًا للمسلمين أو مشتركًا بينه وبينه، فيكره لنا أكله على أرجح الأقوال، وقيل يجوز بلا كراهة وقيل: يمنع الدردير، الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه: 2/ 130
وقد جاءت خلاصة ما بينته في قول خليل بن إسحاق المالكي: وأن سامريًّا أو مجوسيًّا تنصر وذبح لنفسه مستحلة وأن أكل الميتة إن لم يغب، إلى أن قال: "وذبح لصنم وذبح غير حل إذا ثبت بشرعنا، وإلا كره كجزارته" المختصر: 33
5- أن لا يكون ما ذبح الكتابي مما حرمها لله علينا بعينه كالخنزير والدم، أو مما حرمه علينا بوصفه كالميتة، إذا كانوا يستحلون ذلك، فلا يباح لنا أكله بذكاتهم الأستاذ الإمام محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير: 6/ 122 بتصرف
بقيت مسألة هامة وهي: إذا خالفت ذكاته ذكاتنا مخالفة تقصير لا زيادة كالذكية بالضرب على الرأس فتموت أو فتل العنق فتمزق العروق، قال جمهور الفقهاء: لا تؤكل، وقال أبو بكر بن العربي من المالكية: تؤكل لأنها طعامهم وطعام أحبارهم ورهبانهم، وإليكم فتواه بنصها قال: ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة، ثم يطبخها: هل يؤكل معه، أو تؤخذ طعامًا منه؟ فقلت: تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانهم وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا، ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقًا، وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا في ديننا إلا ما كذبهم الله سبحانه فيه، ولقد قال علماؤنا: إنهم يعطوننا أولادهم ونسائهم ملكًا في الصلح، فيحل لنا وطؤهن فكيف لا تحل ذبائحهم، والأكل دون الوطء في الحل والحرمة؟ " أحكام القرآن: 2/ 556
ومنذ أفتى القاضي أبو بكر بن العربي بما أفتي والفقهاء مهتمون بفتواه في كتبهم وفتاويهم ومجالس دروسهم، على اختلاف مواقفهم من الفتوى، فاستبعدها خليل في توضيح قائلًا: لأن معنى طعامهم الحلال لهم، وأهل شرعهم مطبقون على منع ذلك وتحريمه محمد المهدي الوزاني، المعيار الجديد: 1/ 258 ، وقال المواق : انظروا ما عقروه من الإنسي، وقالوا: إنه ذكي عندهم، كان سيدي ابن سراج رحمه الله يقول: أما على مذهب المدونة إنا لا نستبيح الوحشي بعقرهم، فمن باب أولى الإنسي وعلى القول بالاستباحة علله اللخمي بأنه ذكاة عندنا وعقرهم الإنسي ليس بذكاة عندنا فلا نسستبيحه بذلك فما وقع لابن العربي فهو هفوة، وقد اتبع الفقهاء في أحكام القرآن وفي غيره من كتبه التاج والإكليل: 3/ 214 وقد وصفها بالمرجوحية والضعف باش مفتي تونس العارف بالله سيدي إبراهيم الرياحي رحمه الله في جواب له عن سؤال وجهه إليه الشيخ أحمد بن أبي الضياف، ووصفاه الأستاذ الإمام سيدي محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله في التحرير والتنوير بأنها "شذوذ" التحرير والتنوير: 6/ 122 ولكن إلى جانب المستبعدين فتوى ابن العربي كثير من المؤيدين لها من أثبات الفقهاء قديمًا وحديثًا، فهذا أبو عبد الله الحفار إمام غرناطة، ومحدثها ومفتيها يقول: لا إشكال فيها عند التأمل؛ لأن الله تعالى أباح لنا أكل طعامهم الذي يستحلونه في دينهم على الوجه الذي أبيح لهم من ذكاة فيما شرعت لهم فيه الذكاة على الوجه الذي شرعت.
ولا يشترط أن تكون ذكاتهم موافقة لذكاتنا في ذلك الحيوان الذكي، ولا يستثنى من ذلك إلا ما حرمه الله سبحانه علينا على الخصوص كالخنزير وإن كان من طعامهم، ويستحلونه بالذكاة التي يستحلون بها بهيمة الأنعام وكالميتة، وأما ما لم يحرم علينا على الخصوص فهو مباح لنا كسائر أطعمتهم، وكل ما يفتقر إلى الذكاة من الحيوانات فإذا ذكوا على مقتضى دينهم حل لنا أكله ولا يشترط في ذلك موافقة ذكاتهم لذكاتنا، وذلك رخصة من الله وتيسير علينا الونشريسي، المعيار: 2/ 9
وكذلك ابن ناصر حين سئل عن طعام اليهود والنصارى الصابئين والمجوس أيحل أكله أم لا؟ وه | | | |