أجوبة‎‏ ‏
‏‎فضيلة الشيخ محيي الدين قادي‎ ‎ ‎

‎بسم اللـه الرحمن الرحيم

الحمد لله على أفضاله وأهل الصلاة‎ ‎والسلام سيدنا محمد وصحبه وآله‎‏. ‏
السؤال‎ ‎الثالث‎

اعتذر كاتب البحث عن الجواب على السؤالين الأول والثاني‎‏ ‏
ما حكم زواج المسلمة بغير المسلم، خاصة إذا طمعت في إسلامه بعد الزواج‎ ‎حيث تدعي مسلمات ‏‏كثيرات أنه لا يتوفر لهن الأكفاء من المسلمين في غالب الأحيان إذ‎ ‎إنهن مهددات بالانحراف، أو يعشن في ‏‏وضع شديد الحرج؟‎‏ ‏
وفي الجواب عن هذا السؤال‎ ‎أفيد بأن زواج المسلمة بغير المسلم محظور لا يجوز بحال من الأحوال ‏‏عند فقهاء‎ ‎الإسلام‎‏. ‏
جاء في المذهب الحنفي أن زواج المسلمة بغير المسلم لا يجوز لقوله‎ ‎تعالى{وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ ‏حَتَّى ‏يُؤْمِنُواْ‎ ‎‏}‏‎ ‎لأن في إنكاح المؤمنة‎ ‎الكافر خوف وقوع في الكفر؛ لأن الزوج يدعوها إلى دينه، والنساء ‏في ‏العادات يتبعن‎ ‎الرجال فيما يؤثرون من الأفعال ويقلدنهم في الدين‎‏. ‏
وقد أشار القرآن إلى ذلك في‎ ‎آخر الآية الكريمة السالفة الذكر بقوله تعالى{أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إلى النَّارِ}‏‎ ‎‎لأنهن يدعون المؤمنات إلى الكفر،‎ ‎والدعاء إلى الكفر دعاء إلى النار، لأن الكفر يوجب النار فكان نكاح ‏الكافر ‏المسلمة‎ ‎سببًا داعيًا إلى الحرام فكان حرامًا‎‏. ‏
والنص وإن ورد في المشركين لكن العلة وهي‎ ‎الدعاء إلى النار تعم الكفرة أجمعين، فيعم الحكم ‏بعموم ‏العلة، فلا يجوز إنكاح‏‎ ‎المسلمة الكتابي كما لا يجوز إنكاحها الوثني والمجوسي، لأن الشرع قطع ‏ولاية‎ ‎الكافرين عن المؤمنين بقوله تعالى{وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}‏‎ ‎فلو‎ ‎جاز إنكاح ‏الكافر ‏المؤمنة لثبت له عليها سبيل وهذا لا يجوز‎ ‎الكاساني،البدائع‎: ‎‏2‏‎/ ‎‏271‏‎ – ‎‏272‏‎ ‎بتصرف‎‏ ‏
وجاء في المذهب المالكي أن زواج المسلمة بغير المسلم‎ ‎لا يجوز البتة وقد أخذ‎ ‎ابن القاسم‎ ‎الحكم بعدم ‏‏زواج المسلمة من غير‎ ‎المسلم من قول‎ ‎مالك‎ ‎في ذمي اشترى أمة مسلمة ووطئها: أن يقدم إلى أهل‎ ‎الذمة ‏في ‏ذلك أشد التقدم ويعاقبوا على ذلك ويضربوا بعد التقدم‎ ‎سحنون،‎ ‎المدونة: 2/ 297‏‎‏ ‏
فإذا كان هذا في وطء الكافر الأمة المسلمة فمن باب أولى‎ ‎نكاحه الحرة المسلمة عند مالك‎‏. ‏
وقد أورد‎ ‎سحنون‎ ‎فيها عدة‎ ‎آثار مع الصحابة والتابعين تمنع زواج المسلمة بغير المسلم بكل وضوح، ‏‏وها هي ذي تلكم‎ ‎الآثار‎‏: ‏
1- ‏‎ ‎روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه كتب يقول: إن المسلم ينكح‎ ‎النصرانية، ولا ينكح ‏‏النصراني المسلمة‎‏. ‏
2- ‏‎ ‎وروي عن الإمام‎ ‎علي‎ ‎كرم‎ ‎الله وجهه أنه قال: لا ينكح اليهودي المسلمة ولا النصراني ‏المسلمة‎‏. ‏
3- ‏‎ ‎وروي عن‎ ‎ربيعة شيخ‎ ‎مالك بن أنس‎ ‎وأحد فقهاء التابعين أنه قال: لا يجوز‎ ‎للنصراني أن ينكح ‏‏الحرة المسلمة‎‏. ‏
وعنه أيضًا أنه قال في نصراني أنكحه قوم، وهو‏‎ ‎يخبرهم أنه مسلم فلما خشي أن يطلع عليه أسلم ‏وقد ‏بنى بها. قال: يفرق بينهما وإن رضي‎ ‎أهل المرأة؛ لأن نكاحه كان لا يحل، وكان لها الصداق ثم إن ‏رجع إلى ‏الكفر بعد إسلامه‎ ‎ضربت عنقه‎‏. ‏
4- ‏‎ ‎روي عن مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت عبد الله بن أبي سلمة‎ ‎يسأل: هل يصح للمسلمة ‏أن ‏تنكح النصراني؟ قال: لا‎‏. ‏
قال بكيري: وقال ذلك‎ ‎قسيط‎ ‎والقاسم بن محمد‎ ‎،قال: ولا يهودي،‎ ‎وسليمان‎ ‎بن يسار‎ ‎وأبو سلمة بن ‏عبد ‏الرحمن‎ ‎، قالوا: فإن فعل ذلك فرق بينهما‎ ‎السلطان‎ ‎المدونة: 296- 298 بتصرف‏‎‏ ‏ وهكذا في المذهبين: الشافعي‏‎ ‎والحنبلي قال في المغني‎: ‎والإجماع‎ ‎منعقد على تحريم تزوج المسلمات‎ ‎للكفار‎ ‎‎ابن ‏قدامة: المغني: 6/ 617‏‎‏ ‏
والإجماع‎ ‎كما قال سماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر بن عاشور –رحمه الله- إما مستند إلى‏‎ ‎دليل ‏تلقاء ‏الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم وتواتر بينهم، وإما مستند إلى‏‎ ‎تضافر الأدلة الشرعية كقوله ‏تعالى{فَلَا ‏تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ‎ ‎يَحِلُّونَ لَهُنَّ}‏‎ ‎فعلق النهي عن الكفر وهو أعلم من ‏الشرك وكقوله‎ ‎تعالى{أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ}‏‎ ‎في الآية الآنفة الذكر، والإشارة‎ ‎إلى المشركين والمشركات ‏إلا لا وجه ‏لتخصيصه بالمشركين خاصة لصلوحيته للعود إلى‎ ‎الجميع، وهي تعليل للنهي عن نكاح ‏المشركات، وإنكاح ‏المشركين، والدعاء إلى النار‎ ‎معناه الدعاء إلى أسباب الدخول إلى النار لأن ما هم عليه ‏يجر إلى النار من ‏غير علم‎‏. ‏
ولما كانت رابطة الزواج رابطة اتصال ومعاشرة نهي عن وقوعها ممن يدعون إلى النار‎ ‎خشية أن ‏‏تؤثر تلك الدعوة في النفس فإن بين الزوجين مودة وإلفا يبعثان على إرضاء‎ ‎أشدهما للآخر، ولما كانت هذه ‏‏الدعوة من المشركين شديدة لأنهم لا يوحدون الله، ولا‎ ‎يؤمنون بالرسل كان البون بينهم وبين المسلمين في ‏‏الدين بعيدًا جدًا، لا يجمعهم شيء‎ ‎يتفقون عليه فلم يبح الله مخالطتهم بالتزوج من كلا الجانبين‎‏. ‏
أما أهل الكتاب‎ ‎فيجمع بينهم وبين المسلمين اعتقاد وجود الله، وانفراده بالخلق والإيمان بالأنبياء،‎ ‎‎ويفرق ‏بيننا وبين النصارى الاعتقاد ببنوة عيسى من طرفهم وعدم اعتقادنا ذلك،‏‎ ‎وإيماننا برسالة محمد ‏عليه أفضل ‏الصلاة والسلام وعدم إيمانهم بذلك، ويفرق بيننا‎ ‎وبين اليهود عدم إيمانهم بمحمد صلى الله ‏عليه وسلم وعدم ‏تصديقهم بنبوة عيسى عليه‎ ‎السلام فأباح الله للمسلم أن يتزوج الكتابية، ولم يبح تزويج ‏المسلمة من الكتابي‎ ‎اعتدادًا بقوة تأثير الرجل على امرأته فالمسلم يؤمن بأنبياء الكتابية، وبصحة دينها‎ ‎قبل ‏النسخ فيوشك أن يكون ‏ذلك جالبًا إياه إلى الإسلام لأنها أضعف منه جانبًا‎‏. ‏
وأما الكافر فهو لا يؤمن بدين المسلمة ولا برسولها فيوشك أن يجرها إلى دينه‎ ‎لذلك السبب، وهذا ‏كان ‏يجيب به شيخنا الأستاذ سالم أبو حاجب عن وجه إباحة تزوج‎ ‎المسلم الكتابية ومنع تزوج الكتابي ‏المسلمة‎ ‎سماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر‎ ‎ابن عاشور، التحرير والتنوير: 2/ 342 – 343 بتصرف‏‎‏ ‏
وما سقناه من‎ ‎نصوص عن فقهاء المذاهب الإسلامية يتضح منع زواج المسلمة بغير المسلم دل على ‏‏ذلك‎‏: ‏
1- ‏‎ ‎ظواهر القرآن الكريم كقوله تعالى {‏‎ ‎وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ}‏‎ ‎الآية، وكقوله جل جلاله{‏‎ ‎يَا أَيُّهَا ‏‏الَّذِينَ آمَنُوا إذا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ‎ ‎فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنَّ عَلِمْتُمُوهُنَّ‎ ‎مُؤْمِنَاتٍ فَلَا ‏‏تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا‎ ‎هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}.‏‎‏ ‏
2- ‏‎ ‎ظواهر من الآثار عن الصحابة والتابعين‎ – ‎رضوان الله عليهم أجمعين‎‏. ‏
3- ‏‎ ‎القياس كما جاء فيما نقلناه عن سماحة الأستاذ‎ ‎الإمام محمد الطاهر ابن عاشور – رحمه الله- ‏‏ولعله يعني قياس الكتابي على المشرك في‎ ‎حرمة تزوج المسلمة به‎‏. ‏
4- ‏‎ ‎إجماع فقهاء الإسلام من لدن انتقاله صلوات الله‎ ‎وسلامه عليه إلى الرفيق الأعلى إلى يوم ‏الناس ‏هذا ، وهو أظهر الأدلة وأقواها، إما‎ ‎الاستناد إلى تضافر الأدلة الشرعية، وإما إلى دليل تلقاه ‏الصحابة من ‏النبي صلى الله‎ ‎عليه وسلم وتواتر بينهم إذ الاجتماع لا يحصل إلا بذلك‎‏. ‏
5- ‏‎ ‎ما يمكن أن نسميه‎ ‎بالدليل العقلي، والذي نقله سماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور ‏عن ‏شيخه‎ ‎الأستاذ سالم أبي حاجب رحمهما الله‎‏. ‏
وانطلاقًا من كل ذلك نجيب بعدم حلية زواج‎ ‎المسلمة بغير المسلم ولو رجت إسلامه بعد الزواج‎‏. ‏
وأما دعوى مسلمات كثيرات عدم‎ ‎توفر الأكفاء من المسلمين في غالب الأحيان وتوافر الأكفاء في ‏‏غيرهم فمردودة إذ لا‎ ‎كفاءة بحال من الأحوال بين مسلمة وكافر ولو أعجبها لما سقناه من الأدلة السابقة،‏‎ ‎‎ولأن ‏الكفاءة قائمة بالقرآن والسنة بين المسلمين والمسلمات، وليعلم هؤلاء النسبة أن‎ ‎مسلمًا ذا دين خير ‏من كافر ‏ولو أعجبهن قال تعالى‎‏{‏‎ ‎إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ‎ ‎‏}‏‎ ‎والأخوة تقتضي‎ ‎المساواة‎ ‎بين الإخوة ما لم يقم مانع ‏شرعي ‏يمنعها، وقال تعالى‎‏{‏‎ ‎وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ‎ ‎‏}‏‎ ‎وقال‎ ‎تعالى‎‏{‏‎ ‎فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ‏أَنِّي لَا ‏أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ‎ ‎ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ‎‏ }. ‏ ‎‏ ‏ ‎‏ ‏
وقال صلى الله‎ ‎عليه وسلم‎:‎‏((‏‎ ‎إذا جاءكم من ترضون‎ ‎دينه وخلقه فأنكحوه، وإلا تكن فتنة في الأرض ‏‏وفساد كبير‎ ‎‏))‏‎، قالوا: وإن كان‎ ‎فيه؟ (أي فقر وقلة مثلًا) فقال صلى الله عليه وسلم‎‏: ((‏‎ ‎إذا جاءكم من ‏ترضون‎ ‎‎‏))‏‎ ‎الحديث ثلاث مرات‎ ‎ابن تيمية الجد، منتقى الأخبار مع نيل الأوطار، كتاب‎ ‎النكاح، باب ما جاء في ‏الكفاءة ‏في النكاح، 6/ 261‏‎ ‎وقال صلى الله عليه‎ ‎وسلم‎‏((‏‎ ‎إن آل بني فلان ليسوا‎ ‎بأوليائي إن أوليائي ‏المتقون حيث ‏كانوا وأين كانوا‎ ‎‏))‏‎ ‎ابن قيم‎ ‎الجوزية: زاد المعاد في هدي خير العباد، حكمه صلى الله عليه ‏وسلم في الكفاءة ‏في‎ ‎النكاح: 4/ 22‏‎ ‎وزوج النبي زينب بنت جحش من‎ ‎زيد بن حارثة‎ ‎مولاه‎ ‎زاد المعاد‎ ‎وقد ‏قال تعالى‎‏{‏‎ ‎وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ‎ ‎‏}‏‎ ‎إذن‎ ‎فالكافر في الدين بهذا المفهوم أعني الطاعة ‏والإدعاء لأوامر الله، ‏واجتناب لنواهيه‎ ‎سرًا وعلانية مجمع عليها بين فقهاء الإسلام أيضًا‎‏. ‏
وقول هؤلاء النسوة: إنهن إن‎ ‎لم يتزوجن بأكفاء غير مسلمين يتعرضن إلى الانحراف أو يعشن في ‏‏وضع حرج هو من نزغ‎ ‎الشيطان ومن رواسب الجاهلية، فعليهن أن يبرأن إلى الله من خواطر ولَّدَهَا الهوى‎ ‎‎ورباها الكبرياء وأن يدرسنَّ بإمعان سيرة النساء الصحابيات، وأن يتزودن لحسن الأسوة‏‎ ‎بما ثبت عن الله ‏‏ورسوله في النسوة حتى يكنَّ على بصيرة من الأمر والله الموفق‎ ‎للجميع‎‏. ‏ ‎‏ ‏
السؤال‎ ‎الرابع‎
‏ ‎
‎‏ ما حكم استمرار الزوجية والمعاشرة بين زوجة دخلت الإسلام وبقي‏‎ ‎زوجها على الكفر، ولها منه ‏أولاد ‏تخشى عليهم الضياع والانحراف، ولها طمع في أن‎ ‎يهتدي زوجها إلى الإسلام لو استمرت العلاقة ‏الزوجية ‏بينها وبينه؟‎‏ ‏ ‎
‎‏ ما الحكم‏‎ ‎فيما إذا لم يكن هناك طمع في إسلامه، ولكنه يحسن معاشرتها وتخشى لو تركته ألا تعثر‎ ‎‎على زوج مسلم؟‎‏ ‏ ‎
‎وفي الجواب على هذا السؤال، والله الموفق للصواب، أقول: إذا‎ ‎أسلمت الزوجة، وبقي زوجها على ‏‏الكفر فلا يخلو الحال من أمرين‎‏: ‏ ‎
‎‏1- ‏‎ ‎أن تسلم قبل‎ ‎البناء فلم يقر على زوجيتها لبينونتها بمجرد إسلامها قال خليل بن إسحاق ‏المالكي‎: ‎‎"‎وقبل البناء بانت مكانها‎" ‎المختصر: 113‏‎‏ ‏ ‎
‎‏2- ‏‎ ‎وأما إن أسلمت الزوجة‎ ‎بعد البناء: فلا فرق بين أن تكون مجوسية أو كتابية (أي يهودية أو ‏‏نصرانية) فقد قال‎ ‎إمام دار الهجرة رضي الله عنه "الزوج أملك بالمرأة إذا أسلم وهي في عدتها، فإن‎ ‎انقضت ‏‏عدتها فلا سبيل له عليها‎" ‎سحنون، المدونة: 2/ 298‏‎‏ . ‏ ‎
‎ولا‎ ‎تقبل دعواه الإسلام قبل انقضاء العدة إلا ببينة‎ ‎النفراوي، الفواكه الدواني‎: ‎‏2‏‎/ ‎‏80‏‎: ‎‏3‏‎/ ‎‏156‏‎‏ . ‏ ‎
‎‏ وإن بانت منه بانقضاء عدتها فهل بينونتها طلاق أو فسخ؟‏‎‏ ‏ ‎
‎سئل مالك رضي الله عنه عن ذلك فقال: "لا يكون إسلام أحد الزوجين طلاقًا إنما هو‎ ‎فسخ بلا طلاق‎" ‎‎سحنون، المدونة: 2/ 298‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ والأدلة على ما ذكر‏‎ ‎معرفة في هدي خير العباد صلى الله عليه وسلم مستفيضة منها: ما رواه‎ ‎مالك‎ ‎‎في ‏الموطأ عن‎ ‎ابن شهاب‎ ‎أنه بلغه، أن نساء كن في عهد رسول الله‎ ‎صلى الله عليه وسلم بأرضهن وهن ‏غير ‏مهاجرات وأزواجهن حين أسلمن كفار، منهن بنت‎ ‎الوليد بن المغيرة، وكانت تحت صفوان بن أمية ‏فأسلمت‎ ‎يوم الفتح‎ ‎وهرب‎ ‎زوجها صفوان بن أمية من الإسلام، إلى أن قال: فشهد حنينًا‎ ‎والطائف‎ ‎وهو‎ ‎كافر ‏وامرأته ‏مسلمة، ولم يفرق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بينه وبين‎ ‎امرأته حتى أسلم صفوان ‏واستقرت عنه ‏امرأته بذلك النكاح‎ ‎كتاب النكاح: نكاح‎ ‎المشرك إذا أسلمت زوجته قبله‎ ‎والمدة التي كانت بين ‏إسلام صفوان بن ‏أمية وبين‎ ‎إسلام زوجته عاتكة نحوا من شهرين وروى‎ ‎مالك‎ ‎رحمه الله في الموطأ عن‎ ‎‎ابن شهاب أنه قال: ‏‏"كان بين إسلام صفوان وبين إسلام امرأته نحوا من شهرين، قال ابن‎ ‎شهاب: ولم يبلغنا ‏أن امرأة هاجرت إلى ‏الله ورسوله وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا‎ ‎فرقت هجرتها بينها وبين زوجها، إلا ‏أن يقدم زوجها مهاجرًا ‏قبل أن تنقضي عدتها‎" ‎كتاب النكاح: نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله: 3/ ‏‏157 مع شرح الزرقاني‏‎‏ ‏ والمراد بعدم التفرقة بين صفوان بن أمية وزوجته أن نكاحهما لم يفسخ من‎ ‎لدنه صلى الله عليه وسلم وأما ‏‏التفرقة بأن لا يجامعها فهي متيقنة وأن يذكر الراوي‎ ‎كما قال الباجي‎ ‎المنتقى: 3/ 343‏‎‏ ‏ ‎
‎والمدة قدرت في هذا الحديث بنحو‎ ‎الشهرين وجاء في المدونة‎ ‎أن‎ ‎مالكًا‎ ‎قال: قال‎ ‎ابن‎ ‎شهاب‎ : ‎كان ‏بين ‏إسلام امرأة صفوان وبين إسلام صفوان نحوا من شهر‎ ‎المنتقى: 2/ 299‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ ومنها ما رواه‏‎ ‎مالك‎ ‎أيضًا عن‎ ‎ابن شهاب: "أن أم حكيم بنت الحراث بن هشام وكانت تحت‏‎ ‎عكرمة بن ‏‏أبي جهل‎ ‎فأسلمت‎ ‎يوم الفتح‎ ‎، وهرب زوجها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام‎ ‎حتى قدم‎ ‎اليمن‎ ‎، فارتحلت أم ‏‏حكيم حتى قدمت عليه باليمن، فدعته إلى‎ ‎الإسلام فأسلم، وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وثب ‏إليه ‏فرحًا، وما عليه‎ ‎رداء حتى بايعه فثبتا على نكاحهما ذلك‎" ‎الموطأ، كتاب النكاح، نكاح المشرك إذا‎ ‎‎أسلمت ‏زوجته قبله: 3/ 157 - 158‏‎ ‎والحديثان مرسلان‎‏. ‏ ‎
‎‏ قال‏‎ ‎الباجي‎ : "‎ومراسيل‎ ‎ابن شهاب‎ ‎لا يحتج بها غير أن‎ ‎هاتين القصتين: قصة صفوان بن أمية، ‏وقصة ‏عكرمة قد شهرتا وتواتر خبرهما فكان ذلك‎ ‎يقوم لهما مقام الإسناد المتصل‎" ‎المنتقى: 3/ 343‏‎‏ ‏ ومن الأدلة‎ ‎أيضًا ما روي عن‎ ‎ابن عباس‎ ‎أن النبي صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينت‎ ‎على زوجها أبي ‏‏العاص بن الربيع بالنكاح الأول لم يحدث شيئًا" رواه‎ ‎أحمد‎ ‎وأبو داود‎ ‎وفي لفظ: رد ابنته زينب على أبي ‏‏العاص زوجها بنكاحها‎ ‎الأول بعد سنتين ولم يحدث صداقًا" وكان إسلامها قبل إسلامه بست سنين على ‏النكاح‎ ‎الأول، ولم يحدث شهادة ولا صداقًا" رواه‎ ‎أحمد‎ ‎وأبو داود‎ ‎، وكذلك‎ ‎الترمذي‎ ‎وقال فيه‎:‎‏ ((‏‎ ‎لم يحدث ‏نكاحًا‎ ‎‏))‏‎ ‎وقال: هذا‎ ‎حديث ليس بإسناده بأس‎ ‎ابن تيمية الجد، منتقى الأخبار مع نيل الأوطار، كتاب‎ ‎النكاح، ‏باب ‏الزوجين الكافرين يسلم أحدهما قبل الآخر: 6/ 304‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ قد روي‏‎ ‎بإسناد ضعيف عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده،‎‏((‏‎ ‎أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم‎ ‎‎رد ابنته على أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد‎ ‎‏))‏‎ ‎قال‎ ‎الترمذي‎ ‎في إسناده قال: وقال‎ ‎أحمد‎ : ‎هذا حديث ‏‏ضعيف، والحديث الصحيح الذي‎ ‎روي أنه أقرهما على النكاح الأول، وقال‎ ‎الدارقطني‎ : ‎هذا حديث لا‎ ‎يثبت ‏‏والصواب حديث‎ ‎ابن عباس‎ ‎، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ردها‎ ‎بالنكاح الأول‎ ‎ابن تيمية الجد، منتقى ‏‏الأخبار، كتاب النكاح، باب الزوجين‎ ‎الكافرين يسلم أحدهما قبل الآخر: 6/ 304 - 305‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وفي حديث‏‎ ‎ابن‎ ‎عباس‎ ‎رضي الله عنهما يبدو معارضًا لما قلناه سالفًا من أنهما يقران على الزواج‎ ‎‎الأول ‏ما لم تنقض عدة الزوجة، فإذا انقضت عدتها حصلت الفرقة بين الزوجين، وقد حوصل‎ ‎الباجي إجابات ‏العلماء ‏عن هذا الحديث فقال: ولو ثبت ما روي عن عكرمة عن‎ ‎ابن عباس‎ ‎أنه ردها عليه بالنكاح الأول ‏لاحتمل أن ‏يريد به على مثل الصداق‎ ‎الأول،‎ ‎وقال‎ ‎الزهري‎ : ‎كان ذلك قبل أن تنزل الفرائض‎ ‎،‎ ‎وقال‎ ‎قتادة‎ : ‎‎كان ذلك قبل ‏أن تنزل سورة براءة بقطع العهود‎ ‎بين المشركين والمسلمين، ويحتمل أنها لم تكن استكملت ‏ثلاث حيض، ‏ويحتمل أن يكون‎ ‎حكمها منسوخًا، وثبت النسخ‎ ‎بالإجماع‎ ‎على أنها إذا انقضت عدتها وقد‎ ‎بانت ‏منه‎.. ‎المنتقى: ‏‏3/ 345‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وأما الحديث المروي‏‎ ‎بإسناد ضعيف عن عمرو بن شعيب عن جده فحسبنا ما قبل فيه وما نقلناه عن ‏‏المذهب‎ ‎المالكي: فمن أسلمت بعد البناء بها هو ما ذهب جمهور الفقهاء والأمصار خلافًا لأهل‎ ‎الكوفة‎ ‎في ‏‏قولهم: هذا حكم الحربيين دون الوثنين وأهل الذمة فإن أسلمت‏‎ ‎منهم المرأة قبل عرض عليه (أي الإسلام) ‏فإن ‏أسلم في الوقت فهو أحق بها، وإن لم يسلم‎ ‎عجل التفريق بينهما‎‏. ‏ ‎
‎‏ والدليل على ما نقوله: أن هذا كفر يمنع استدامة النكاح‎ ‎فكان حكمه موقوفًا على إسلام ككفر ‏الكتابيين ‏الحربيين‎" ‎المنتقى: بتصرف‎ ‎وخلافًا للنخعي الذي شذ عن جمهور الفقهاء فلم يتبعه أحد زعم أنها ‏ترد إلى‎ ‎زوجها وإن طالت المدة لما روى‎ ‎ابن عباس‎ ‎أن رسول الله صلى الله عليه‎ ‎وسلم‎‏ ((‏‎ ‎رد زينب على ‏زوجها أبي‎ ‎العاص بن الربيع بعد ست سنين بالنكاح الأول ولم يحدث نكاحًا‎ ‎‏))‏‎ ‎أي يكون‎ ‎الزوج أملك لحق ‏الزوجية وإن ‏طالت المدة‎ ‎الصنعاني، سبل السلام: 3/ 133‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وقد‏‎ ‎ذهب‎ ‎ابن القيم‎ ‎مذهبًا آخر فقال ما ملخصه: إن‎ ‎اعتبار العدة مجال لإقرار الزوجية بين الزوجة ‏التي ‏أسلمت وتأخر إسلام زوجها عن‎ ‎إسلامها لا نعرفه في شيء من الأحاديث ولا نعلم أن النبي صلى الله ‏عليه ‏وآله وسلم‎ ‎سأل امرأة أسلمت وتأخر إسلام زوجها عنها هل انقضت عدتك أم لا؟ ولو كان مجرد ‏الإسلام‎ ‎فرقة ‏لكان فرقة بائنة لا رجعة فيها فلا يكون للعدة أثر في بقاء النكاح الأول، وإنما‎ ‎أثرها في صنع ‏نكاحا لغير ‏زوجها الأول فلو كان الإسلام قد نجز الفرقة بينهما لم يكن‎ ‎أحق بها في العدة، ولكن الذي دل ‏عليه حكمه ‏صلى الله عليه وآله وسلم أن النكاح‎ ‎موقوف، فإن أسلم قبل انقضاء عدتها فهي زوجته، وإن ‏انتهت العدة فهي ‏بالخيار إن شاءت‎ ‎تزوجت غيره، وإن شاءت انتظرته، فإن أسلم لم يحتج إلى إحداث زواج ‏جديد، وحسبه ‏زواجه‎ ‎الأول ولا نعلم أحدًا ممن أسلم بعد إسلام زوجته جدد إسلامه البتة‏‎‏ . ‏ ‎
‎‏ وبعد عرض‏‎ ‎ابن القيم‎ ‎وجهة نظره أعرب عن كونها منبثقة عن‎ ‎اختيار الخلال وأبي بكر صاحب ‏‏الخلال‎ ‎وابن المنذر‎ ‎وابن حزم‎ ‎، وكونها مذهب‎ ‎الحسن‎ ‎وطاوس‎ ‎وعكرمة‎ ‎وقتادة‎ ‎والحكم‎ ‎زاد المعاد في هدي ‏خير ‏العباد: 2/ 14‏‎ – ‎‏15‏‎- ‎‏16‏‎ ‎باختصار وتصرف‎‏. ‏ ‎
‎‏ ووصف‏‎ ‎الشوكاني‎ ‎وجهة نظر ابن القيم‎ ‎هذه معقبًا عليها بقوله: وهذا كلام في غاية الحسن والمتانة‎ ‎‎نيل ‏الأوطار: 6‏‎/ ‎‏370‏‎ ‎ووصفها الصنعاني بقوله: هي الأقرب في المسالة‏‎ ‎سبل السلام: 3/ 134‏‎ ‎بتصرف‎ ‎‎وأنا ‏أقول: إنني منذ اهتممت بهذه المسألة في السنة النبوية نحيت هذا‎ ‎المنحى لموافقته لنصوص الحديث ‏الشريف ‏ومواردها، ولكن قلت لا بد من نص من إمام رواية‎ ‎ودراية فوجدت ضالتي في زاد المعاد في هدي ‏خير العباد ‏لابن القيم، وناهيك به من‎ ‎إمام‎‏. ‏ ‎
‎‏ وبعد عرضي لمناحي‏‎ ‎الاجتهاد‎ ‎في هذه القضية، وتعلقي بالمنحنى‎ ‎الاجتهادي القيم‎ ‎لابن القيم‎ ‎أفتي ‏‏السائلين بأن الزوجة التي أسلمت‎ ‎وطمعت في إسلام زوجها الذي ظل كافرًا بعدها بأن لا تمكنه من الوطء ‏ولا ‏تساكنه في‎ ‎خلوة سدا لذرائع الفساد، وهي زوجته ما دامت في العدة، وتدعوه إلى الإسلام، وتكون‏‎ ‎معه ‏كأم ‏حكيم مع عكرمة كلما دعاها إلى الفراش وهما‎ ‎باليمن‎ ‎تأبى وتقول‎ ‎أنت كافر وأنا مسلمة فقال: إن أمرًا ‏منعك ‏مني لأمر كبير، كما روى ذلك ابن مردويه‎ ‎والدارقطني‎ ‎والحاكم‎ ‎الزرقاني: شرحه على الموطأ: 3/ ‏‏185‏‎ ‎وإن ‏لم يسلم حتى خرجت من العدة فإن شاءت تزوجت، وإن أحبت انتظرته بشرط عدم‎ ‎ملامسته لها ‏المجمع على ‏تحريمه‎‏. ‏ ‎
‎‏ وأما ما جاء في السؤال من قول السائل: ما الحكم‎ ‎إذا لم تطمع في إسلامه ولكنه يحسن معاشرتها ‏‏فمردود بأنه لا يتصور إسلاميًا حسن‎ ‎معاشرة مع زوج كافر يشرب الخمر، ويأكل الخنزير ويكفر برسولها ‏‏وبكتابها ويلد أولادًا‎ ‎فيتبعونه في دينه، وتطعمه الحرام وتسقيه، ويقوم عليها والشرع قد قطع ولاية ‏الكافرين‎ ‎على المؤمنين فقال تعالى‎‏{‏‎ ‎وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا‎‏ }. ‏ ‎
‎‏ وأما إدعاء السائل من خوفها على ضياع الأولاد وانحرافهم فمردود أيضًا لأن‏‎ ‎مالكًا‎ ‎رضي الله عنه ‏‏سئل عن زوجين نصرانيين أسلمت الزوجة ولها أولاد منه‏‎ ‎صغار لمن تكون الأولاد؟ وعلى دين من؟ فأجاب: ‏‏هل على دين الأب.. وكذلك النصرانية إذا‏‎ ‎كانت حاملًا فأسلمت، ثم ولدت بعد ما أسلمت أن الولد للأب وهم ‏‏على دين الأب‎ ‎سحنون، المدونة: 2/ 307 - 308‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ فأي انحراف يزعمه هذا السائل بعد‏‎ ‎الكفر؟ بهذا أفتي وأسال الله التوفيق للصواب والله أعلم‎‏. ‏
السؤال‎ ‎الخامس‎
‏ ‎
‎‏ ما حكم دفن المسلم في مقابر غير المسلمين حيث لا يسمح بالدفن‏‎ ‎خارج المقابر المعدة لذلك، ولا ‏توجد ‏مقابر خاصة بالمسلمين في معظم الولايات‎ ‎الأمريكية، والأقطار الأوربية؟‎‏ ‏ ‎
‎وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد والله الملهم‎ ‎للصواب فأقول: إن الدفن للمسلم في مقابر الكفار في ‏‏الظروف العادية، ومع الاختيار‎ ‎محرم، وإن حصل وجب التداول ما لم يخش التغير، جاء في العتبية أن‎ ‎ابن‎ ‎‎القاسم‎ ‎سئل عن امرأة نصرانية قال لها ختنها: أسلمي يا فلانة. فقالت: نعم،‎ ‎وأمرت بغسل ثيابها، وقالت ‏كيف ‏أقول؟ قال: قلت لها: قولي أشهد أن لا إله إلا الله‎ ‎وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى ابن مريم ‏روح الله ‏وكلمته، فقالت كل هذا، ثم‎ ‎ماتت، فدفنت في قبور النصارى‎‏. ‏ ‎
‎‏ وقال‏‎ ‎ابن القاسم‎ : ‎اذهب‎ ‎فانبشها، ثم غسلوها، وصلوا عليها، إلا أن تكون قد تغيرت‎ ‎البيان ‏والتحصيل‎: ‎‏2‏‎/ ‎‏255‏‎ - ‎‏256‏‎‏ ‏‎
‎‏ قال‏‎ ‎ابن رشد‎ ‎في شرحه عليها المسمى‎ ‎بـ "البيان والتحصيل" وهذا كما قال لأن الكفار يعذبون في ‏‏قبورهم وهي تتأذى من أجل‎ ‎ذلك لمجاورتهم، فواجب أن تنبش وتحول إلى مقابر المسلمين‎ ‎البيان ‏والتحصيل‎: ‎‏2‏‎/ ‎‏255‏‎ – ‎‏256‏‎ ‎وإلى هذه المسألة أشار خليل بن إسحاق في مختصره وقال عاطفًا‎ ‎على ما ‏يتدارك بعد الدفن ‏بالنبش، "ودفن من أسلم بمقبرة الكفار، إن لم يخف التغير‎" ‎المختصر: 47‏‎ ‎وقد صرح ‏سيدي عبد الباقي ‏الزرقاني في شرحه عليه بأن‎ ‎التدارك هنا واجب ما لم يخش التغير‎ ‎شرح المختصر: 2/ ‏‏100‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وذكر‏‎ ‎الشيخ سليمان الجمل من فقهاء الشافعية أنه إذا مات مسلم بالبحر في سفينة والساحل‎ ‎بعيد، ‏أو به ‏مانع فيجب غسله، وتكفينه، والصلاة عليه، ثم يجعل ندبًا بين لوحين لئلا‎ ‎ينتفخ ثم يلقى لينبذه البحر ‏إلى الساحل ‏وإن كان أهله كفارًا، لاحتمال أن يجده مسلم‎ ‎فيدفنه، ويجوز أن يثقل لينزل إلى القرار وإن كان ‏أهل البر ‏مسلمين‎‏. ‏ ‎
‎‏ وذلك‏‎ ‎لأن القصد من دفن الميت في شرعنا العزيز صونه عن انتهاك جسمه، وانتشار ريحه،‎ ‎‎المستلزم ‏للتأذي بها، واستقذار جيفته، ومنع أذاها عمن عند القبر بحيث لا يتأذى‎ ‎تأذيًا لا يحتمل عادة‎ ‎‎حاشيته على شرح ‏شيخ الإسلام أبي زكريا الأنصاري على‎ ‎منهجه: 2/ 195‏‎ ‎كما ندبت إلى دفنه في المقبرة ‏التي يكثر فيها ‏الصالحون‎ ‎والشهداء لتناله بركتهم، وكذلك في البقاع الشريفة، وقد روى‎ ‎البخاري‎ ‎ومسلم‎ ‎‎بإسنادهما أن موسى ‏عليه السلام لما حضره الموت سأل الله‎ ‎تعالى أن يدنيه إلى الأرض المقدسة رمية ‏بحجر، قال النبي صلى الله ‏عليه وسلم‎:‎‏ ((‏‎ ‎لو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب‎ ‎الأحمر‎ ‎‏))‏‎ ‎ابن قدامة: المغني: ‏‏2/ 509‏‎ ‎ونهت نهي تحريم ‏عن دفنه‎ ‎في مقابر الكفار لتأذيه بمجاورتهم،‎ ‎قال‎ ‎الخرقي‎ ‎من فقهاء‎ ‎الحنابلة: ‏‏"وإن ماتت نصرانية، وهي حاملة ‏من مسلم دفنت بين مقبرة المسلمين ومقبرة‎ ‎النصارى‎ ‎متن الخرقي مع ‏شرح ابن قدامة عليه: 2/ 563‏‎ ‎قال‎ ‎شارحه‎ ‎ابن قدامة‎ : ‎اختار هذا‎ ‎أحمد‎ ‎لأنها كافرة لا‎ ‎تدفن في مقبرة ‏المسلمين فيتأذوا بعذابها ولا في مقبرة الكفار ‏لأن ولدها مسلم فيتأذى‎ ‎بعذابهم، وتدفن منفردة‎ ‎المغني: 2/ ‏‏563‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ إلى هذا الحد‏‎ ‎شدد فقهاء الإسلام النكير على دفن المسلم في مقابر الكفار، فإن توفي ببلاد الكفر‎ ‎‎وحيث ‏لا توجد مقبرة خاصة بالمسلمين فكيف الصنيع في ميزان الشرع؟ إن أمكن نقله إلى‎ ‎بلدة بها مقبرة ‏خاصة ‏بالمسلمين، لا يخشى تغير الميت في أثنائه، وانتهاك حرمته، وثقل‎ ‎مؤنته، ونقل وجوبًا، وإن خيف ‏تغيره أثناء ‏النقل أو ثقلت مؤنة النقل بالوسائل‎ ‎السريعة لا ينقل، أما الأول فلانتهاك الحرمة والرسول صلى ‏الله عليه وسلم ‏يقول‎:‎‏ ((‏‎ ‎كسر عظم الميت ككسره حيًّا‎ ‎‏))‏‎ ‎قال السيوطي في بيان سبب هذا الحديث وسياقه ما ‏يلي: عن‎ ‎جابر‎ ‎‎:‎‏ ((‏‎ ‎خرجنا مع رسول الله صلى‎ ‎الله عليه وسلم على شفير القبر وجلسنا معه، فأخرج الحفار ‏عظمًا ساقًا أو ‏عضدًا فذهب‎ ‎ليكسرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تكسرها فإن كسرك إياه ميتًا ‏ككسرك إياه‎ ‎حيًا، ولكن ‏درسه في جانب القبر‎ ‎‏))‏‎ ‎دار الإفتاء المصرية، الفتاوى‎ ‎الإسلامية: 4/ 1332‏‎ ‎‎فالحديث دليل صريح على أن ‏حرمة الإنسان ميتًا كحرمته‎ ‎حيًا‎‏. ‏ ‎
‎وأما الثاني فلثقل المؤنة: فالنقل بالطائرة يستلزم أموالًا باهظة لا‎ ‎يستطيعها الكثير ويستطيعها النزر ‏‏اليسر، والحي من المسلمين أولى بها، ولذلك أنكرت‎ ‎عائشة‎ ‎رضي الله عنها لما وقفت على قبر عبد الرحمن ‏‏أخيها، وقد نقل من‎ ‎الحبشة‎ ‎إلى مكة حيث دفن والمسافة بعيدة، فقالت: والله لو حضرتك ما‎ ‎دُفِنْتَ إلا حيث ‏مِتَّ، ‏قال صاحب المغني: لأن ذلك أخف لمؤنته، وأسلم له من التغيير‎ ‎المغني: 2/ 510‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وترتيبًا على ما ذكر أفتي إخواني في بلاد الغربة‏‎ ‎لأن يدفنوا موتاهم متى بعدت المسافة عن مقابر ‏‏إسلامية بمقابر الكفار، لأن ذلك أخف‎ ‎مؤنة على الأحياء وأبقى لحرمة الأموات وأسلم لهم من التغيير، والله ‏‏أعلم‎‏. ‏
‎السؤال‎ ‎السادس‎
‏ ما حكم بيع المسجد إذا انتقل المسلمون عن المنطقة التي هو فيها،‎ ‎وخيف تلفه أو الاستيلاء عليه، فكثيرًا ‏ما ‏يشتري المسلمون منزلًا ويحولونه مسجدًا‎ ‎فإذا انتقلت غالبية المسلمين من المنطقة لظروف العمل هجر ‏المسجد ‏أو أهمل، وقد‎ ‎يستولي عليه آخرون، ومن الممكن بيعه واستبداله بمسجد مؤسس في مكان فيه ‏مسلمون فما‎ ‎حكم هذا البيع أو الاستبدال ؟ إذا لم تتيسر فرصة استبداله بمسجد آخر فما أقرب‎ ‎الوجوه التي ‏يجوز صرف ‏ثمن المسجد فيها؟‎‏ ‏ ‎
‎‏ وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد –والله‎ ‎الموفق للصواب- سلف المالكية لا يرون بيع‏‎ ‎الأحباس‎ ‎‎الأصول والمسجد‎ ‎منها، قال خليل بن إسحاق في مختصره "لا‎ ‎عقار‎ ‎، وإن خرب، ونقض ولو بغير‎ ‎خرب‎" ‎‎المختصر: 249‏‎ ‎عاطفا على ما لا يجوز‎‏. ‏ ‎
‎‏ وأدلتهم على ذلك ما يلي‏‎‏: ‏ ‎
‎‏1- ‏‎ ‎قوله عليه الصلاة والسلام حين قال له عمر‎:‎‏ ((‏‎ ‎أصبحت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط‎ ‎أنفس ‏‏عندي منه فما تأمرني؟ إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق بها عمر على أن لا‎ ‎تباع ولا توهب ‏ولا ‏تورث‎ ‎‏))‏‎ ‎ابن تيمية الجد، منتفى الأخبار، كتاب‎ ‎الوقف: 6/ 127‏‎ ‎الحديث رواه الجماعة‎‏. ‏ ‎
‎‏ 2- عمل السلف الصالح يدل على عدم‏‎ ‎جواز بيع‎ ‎الأحباس‎ ‎الأصول وإن خربت، جاء فيها: لو كان ‏‏البيع يجوز فيها‎ (‎أي الأصول) لما أغفله من مضي ولكن بقاؤه خربًا دليل على أن بيعه غير مستقيم،‎ ‎‎وبحسبك ‏حجة قفي أمر قد كان متقادمًا بأن تأخذ منه ما جرى منه، فالأحباس قديمة ولم‏‎ ‎تزل وجل ما يوجد ‏منها بالذي ‏به، لم يزل يجري عليه فهو دليلها، فبقاء هذه خرابًا‎ ‎دليل على أن البيع فيها غير مستقيم، لأنه ‏لو استقام لما ‏أخطأ من مضى من صدر هذه‎ ‎الأمة، وما جهله من لم يعمل به حتى تركت خرابًا‎" ‎سحنون، ‏المدونة: 6/ ‏‏100‏‎‏ ‏ ‎
‎‏3- ‏‎ ‎إن ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه لا يجوز بيعه مع تعطلها كالمعتق‏‎‏. ‏ ‎
‎‏4- ‏‎ ‎سد ذريعة التطرق إلى بيع‎ ‎الأوقاف‎ ‎بدعوى الخراب‎‏. ‏ ‎
‎ولا‎ ‎يمكن أن يتأول موقف السلف بحال، جاء‎ ‎عن‎ ‎مالك‎ ‎بكتاب‎ ‎ابن المواز‎ : "‎وما خرب من الحبس ‏فأراد ‏صاحبه بيعه، والاتخاذ بثمنه ما هو‎ ‎أفضل منه، أو انتقل أهل تلك الناحية، وبطل الموضع فأراد ‏صاحبه، أو ‏من هو بيده بحبس،‎ ‎أو بحوزه أو ولاية بيعه، والاشتراء بثمنه في موضع ظاهر عامر يكون ‏حبسًا لا يجوز له‎ ‎ذلك في الرباع بحال وإن ذهب به الزمان أو العدو‎ ‎يحيى الخطاب، رسالة في‎ ‎بيع الوقف إذا ‏خرب: 8‏‎‏ ‏ بقي أن سلف المالكية استثنوا من الحكم السابق‎ ‎أرضًا بجوار المسجد يعني محبسة احتيج إليها لتوسعة ‏المسجد ‏أو الطريق، قال ابن جزي‎: ‎العقار لا يجوز بيعه إلا أن يكون مسجدًا تحيط به دور محبسة، فلا بأس ‏أن ‏يشتري منها‎ ‎ليوسع به، والطريق كالمسجد في ذلك، وقيل: إن ذلك في مساجد الأمصار لا في مساجد‎ ‎‎القبائل‎ ‎القوانين الفقهية: 356‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ ورأى المتأخرون من المالكية جواز‏‎ ‎بيع‎ ‎الأحباس‎ ‎الأصول إذا خربت وتعطلت منفعتها، وتعويضًا ‏بأصل ‏آخر‎ ‎وجعله حبسًا عوضًا عنها، وكثرت فتاواهم بذلك فقد أفتى أبو عبد الله محمد الحفار‎ ‎ببيع فدان ‏محبس على ‏مصرف من مصاريف البر لا منفعة فيه: أن يباع ويشترى بثمنه فدان‎ ‎آخر يحبس وتصرف ‏غلته في ‏المصرف الذي حبس عليه الأول على ما أفتى به كثير من العلماء‎ ‎في هذا النحو، وأفتى‎ ‎ابن رشد‎ ‎‎في أرض ‏محبسة عدمت منفعتها بسبب جيران‎: ‎أن تباع ويعوض بثمنها ما فيه منفعة على ما قاله جماعة ‏من العلماء في ‏الربع المحبس‎ ‎إذا خرب، ويكون ذلك بحكم القاضي بعد أن يثبت أن المنفعة فيه، قاله محمد ‏الحفار‎‏. ‏‎
‎وبمثل فتوى أبي يعبد الله الحفار أفتى الأستاذ سعيد بن لب‎ ‎ميارة،‎ ‎الإتقان والأحكام: 2/ 150‏‎‏ ‏ وبمثل فتواهما أفتى ابن هلال في سدس جنان محبس‎ ‎بتازة لا تفي غلته بخدمته: بأن يباع، ويعوض بثمنه ‏ما ‏هو أغبط للحبس‎ ‎الشيخ‎ ‎الشاذلي بن صالح باش مفتي المالكية بتونس، فتوى في حكم بيع الوقف إذا ‏خرب، ‏نشرت‎ ‎بمجموع طبع بتونس سنة 1316 ص 7‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وفي النوازل البرزلي عن شيخه الإمام ابن‏‎ ‎عرفة ما نصه: "وقعت عندنا مسائل بتونس منها: فندق ‏ابن ‏معطاس تهدم، أفتى شيخنا أن‎ ‎تباع أنقاضه ويغير عن حاله دارًا ورجع هذا القول وحكم به قاضي ‏الجماعة‎‏. ‏ ومنها‎ ‎دار خربت من دور المدرسة بالقنطرة أفتى شيخنا ببيعها فبيعت واشترى بثمنها رسم في‎ ‎الغابة ‏بتونس‎ ‎الشيخ الشاذلي بن صالح باش مفتي المالكية بتونس، فتوى في حكم‎ ‎بيع الوقف إذا خرب، نشرت ‏بمجموع طبع ‏بتونس سنة 1316 ص 7‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ والقول الأول هو‏‎ ‎المشهور وعليه جرى العلامة خليل في مختصره، وإن كان العمل قد جرى‎ ‎بتونس‎ ‎‎وفاس على القول الثاني الذي هو قول المتأخرين والعبرة في جريان العمل العرف لا‎ ‎شهرة القول ورجحانه، ‏‏قال الزقاق في لاميته‎: ‎ ‎
‎‏ فإن قيل إن البعض مما نقلته‏ ‎ ‎ ضعيف، نعم لكن العرف عولا‎ ‎ ‎‏ ‎
‎‏ متن اللامية مع‏‎ ‎متن العاصمية: 176‏‎‏ ‏ ‎
‎وكما أفتى المتأخرون من المالكية بجواز بيع‎ ‎الأحباس‎ ‎الأصول إذا خربت وتعطلت منفعتها أو قلت ‏‏أفتوا بجواز‎ ‎الاستبدال‎ ‎والمناقلة والحالة ما ذكر. قال الشيخ ابن أبي زيد القيرواني‎ ‎خاتمة المتقدمين، وفاتحة ‏‏المتأخرين الملقب بمالك الصغير: "واختلف في المعاوضة‎ ‎بالربع الخرب بربع غير خرب‎" ‎الرسالة بهامش ‏‏الفواكه الدواني: 3/ 45‏‎ ‎وعدم جواز المعاوضة فيما ذكر هو المشهور والذي عليه‎ ‎ابن القاسم‎ ‎، وجرى ‏عليه ‏العلامة خليل في قوله الذي نقلته سابقًا عاطفًا على ما لا يجوز‏‎: ‎لا‎ ‎عقار‎ ‎وإن خرب ونقض ولو بغير ‏خرب، ‏أي لا يجوز بيع الربع الخرب ولا‎ ‎استبداله بغير خرب ولا بيع أنقاضه، ولكن جرى العمل في تونس ‏وفاس ‏بغير قول ابن‎ ‎القاسم وبغير ما نقله عن‎ ‎مالك‎ ‎وأفتى الكثير من علماء القطرين بجواز‎ ‎معاوضة الربع ‏الحبس ‏الخرب بغير خرب متى وجد الخراب وقَلَّتِ المنعفة، أو تعطلت من‎ ‎باب أولى، وكان الربع الجديد أكثر ‏قيمة ‏ونفعًا في العمليات الفاسية‎: ‎ ‎
‏ كذا معاوضة ربع الحبس‎ ‎ ‎ ‎ على شروط أسست للمؤتسي‎ ‎ ‎ ‏‎
‎‏ وما قررته سابقًا‏‎ ‎من الخلاف بين المتقدمين والمتأخرين في حكم بيع الوقف الأصل إذا خرب ‏وتعطلت ‏منفعته‎ ‎أو قلت مقيدًا بما إذا لم يجعل الواقف للموقوف عليه بيعه، وإلا جاز بيعه بإطلاق،‎ ‎كما لو ‏شرط الواقف ‏بيعه لنفسه فيجوز له بيعه عملًا بالشرط قياسًا على شرط الرجوع في‎ ‎صدقته‎‏. ‏ ‎
‎‏ ومقيد أيضًا بغير المساجد عند المتأخرين منهم‎‏. ‏ ‎
‎‏ أما المساجد فلا يجوز‏‎ ‎بيعها بحال ولو خربت وتعطلت منفعتها، أو كان بجانبها جيران سوء، أو ‏انتقلت ‏العمارة‎ ‎عنها، قال ابن عسكر المالكي البغدادي في كتابه إرشاد السالك: "ولا يجوز بيع المسجد‎ ‎وإن ‏انتقلت ‏العمارة‎" ‎إرشاد السالك مع أسهل المدارك: 3/ 104‏‎ ‎وقال‎ ‎القرطبي‎ : ‎ولا يجوز نقض المسجد ولا ‏بيعه ولا ‏تعطيله وإن‎ ‎خربت المحلة‎" ‎الجامع لأحكام القرآن: 2/ 78‏‎ ‎وحكى ابن جزي الإجماع‎ ‎على ذلك‎ ‎‎القوانين الفقهية: ‏‏356‏‎‏ ‏ ‎
‎واختلفوا في بيع أنقاضها فعن ابن‎ ‎عبد الغفور: لا يجوز بيع مواضع المساجد الخربة، لأنها وقف، ‏ولا ‏بأس ببيع نقضها إذا‎ ‎أضيف عليه الفساد للضرورة إلى ذلك، وأفتى ابن عرفة في مساجد خربت وأيس ‏من ‏عمارتها‎ ‎بدفع أنقاضها إلى مساجد عامرة احتاجت إليها‎ ‎ميارة، الإتقان والأحكام: 2/ 150‏‎‏ ‏ وقد أفاض‎ ‎أبو إسحاق الشاطبي‎ ‎في هذه المسألة بما فيه مزيد‎ ‎ضبط وتحقيق فليراجعه من شاء ذلك في ‏الفتاوى ‏له‎ ‎جمع وتحقيق محمد أبي الأجفان‎: ‎‏168‏‎ ‎وما بعدها‎‏ ‏ ‎
‎‏ والخلاصة أن المتقدمين من فقهاء مذهب إمام دار الهجرة‏‎ ‎مالك بن أنس‎ ‎رحمه الله لا يرون جواز ‏بيع‎ ‎الأحباس‎ ‎الأصول ولو خربت، وتعطلت منفعتها، ولا معاوضتها بربع غير خرب إلا لتوسعة‎ ‎المسجد، ‏‏والطريق، أو المقبرة، ولا سبيل إلى التوسعة إلا بها، ما لم يجعل الواقف‎ ‎عليه ذلك ولا جاز ما ذكر‎‏. ‏ ‎‏ ‏‎
‎‏ وإن المتأخرين منهم أجازوا ذلك بشرط خراب‏‎ ‎الوقف، وتعطل منفعته، وجعل ما اشتري أو استبدل ‏من ‏ربع غير خرب حبسًا في مصرف البر‎ ‎الذي كان فيه الأول لكنهم قيدوا ذلك بغير المساجد، أما المساجد ‏فلا ‏يجوز بيعها ولو‎ ‎خربت وتعطلت منفعتها، أو خربت العمارة حولها، ولا استبدالها بما هو أغبط‎ ‎بالإجماع‎ ‎‎، ‏واختلفوا في جواز بيع أنقاضها، أو دفعها إلى عمارة مسجد آخر كما‏‎ ‎سبق‎‏. ‏ ‎
‎‏ وأما المذهب النعماني فقد جاء فيه: إذا خرب ما حول المسجد، واستغني عنه،‎ ‎قال‎ ‎أبو حنيفة‎ ‎وأبو ‏‏يوسف‎ ‎يبقى مسجدًا، لأن المحبس‎ ‎أسقط ملكه بتحبيسه فلا يعود إلى ملكه كالإعتاق، ولأن المسجد الحرام ‏‏استغنى عنه أهله‎ ‎في زمن الفترة، ولما جاء الله بالإسلام لم يعد إلى ورثة الباني له‎‏ . ‏ ‎
‎‏ وقال‏‎ ‎محمد بن الحسن الشيباني‎ : ‎لا يبقى مسجدًا، ويعود إلى ملك‎ ‎المحبس، أو إلى ملك ورثته بعد ‏‏موته، لأنه عينه لجهة وقد انقطعت بخرابه ففات غرضه‏‎ ‎منه، وهو القرابة إلى الله تعالى بمكان يصلي فيه ‏‏الناس فيعود إلى ملكه، كما لو كفن‎ ‎ميتًا ثم أكله سبع وبقي الكفن يعود إلى ملكه كذا هذا، وقال أيضًا: إذا ‏خرب ‏المسجد‎ ‎حتى لا يصلى فيه، فالذي بناه إن شاء أدخله داره وإن شاء باعه، فإن لم يبق المسجد‎ ‎بان ‏فخرب، ‏وبنى أهل المسجد مسجدًا آخر، ثم أجمعوا على بيعه واستعانوا بثمنه، في‎ ‎بناء المسجد الآخر فلا ‏بأس بذلك ‏كما جاء عنه أيضًا: مسجد بادت القرية من حوله، خربت‎ ‎وجعلت مزارع، وخرب المسجد، ولا ‏يصلي فيه ‏أحد، ولا بأس أن يأخذه صاحبه ويبعه لمن‎ ‎يجعله مزرعة، ويأخذ ثمنه فيأكله، أو يجعله مزرعته‎ ‎‎راجع: تبيين ‏الحقائق‎ ‎شرح كنز الدقائق للزيلعي مع حاشية الشهاب الشبي عليه: 3/ 330 - 331‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ في‏‎ ‎المذهب الشافعي: إذا تعطل المسجد بتفرق الناس عن البلد أو خرابها أو بخراب المسجد‎ ‎فلا ‏يعود ‏مملوكًا خلافًا‎ ‎لمحمد بن الحسن‎ "‎ولا يجوز بيعه بحال ولا‎ ‎التصرف فيه كما لو أعتق عبدًا، ثم زمن لا ‏يعود ‏مملوكًا ثم إن خيف أن تنقضه الشياطين‎ ‎نقض وحفظ، وإن رأى القاضي أن يبنى بنقضه مسجدًا آخر، ‏قال ‏القاضي وابن الصباغ‎ ‎والمتولي: يجوز، وقال المتولي: الأولى من ينقل إلى أقرب الجهات إليه، فإن نقل ‏إلى‎ ‎البعيد جاز، ولا يصرف النقض إلى غير المسجد كالرباطات والقناطر والآبار كما لا يجوز‎ ‎عكسه، لأن ‏الوقت ‏لازم، وقد دعت الضرورة إلى تبديل المحل دون الجهة، والحاصل من ريع‎ ‎وقف عمارة هذا المسجد ‏يصرف ‏إلى عمارة مسجد آخر‎‏. ‏ ‎
‎وقال في الحاوي: ريع‎ ‎المسجد الذي خربت محلته يصرف إلى المساكين لأنه مصرف لا ينقطع ‏لفافتهم ‏على الأبد‎ ‎وقال‎ ‎الخوارزمي‎ ‎في الكافي: إذا خرب المسجد لا يجوز بيعه، ولا‎ ‎بيع شيء منه، ولا نقله ‏إلى ‏موضع آخر، ولا نقل شيء منه، هذا هو المنقول عن عامة‎ ‎الأصحاب، قال: وكذلك مسجد في محلة، أو ‏قرية ‏خربت المحلة واندرست القرية لا يجوز نقل‎ ‎ذلك المسجد إلى موضع آخر، قال: والأصلح عندي جواز ‏نقله ‏إلى موضع آخر وهو مذهب‎ ‎أحمد‎ ‎الزركشي: إعلام الساجد بأحكام المساجد: 345‏‎ (‎محرر‎ ‎مذهب ‏الشافعي من ‏إعلان الساجد للزركشي‎‏). ‏ ‎
‎‏ وفي المذهب الحنبلي إذا خرب الوقف‎ ‎وتعطلت منافعه كدار انهدمت أو أرض خربت وعادت مواتًا ‏ولم ‏تمكن عمارتها، أو مسجد‎ ‎انتقل أهل القرية عنه، وصار في موضع لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله، ولا ‏يمكن ‏توسعه في‎ ‎موضعه، أو تشعب جميعه فلم تمكن عمارته، ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه جاز بيع ‏بعضه‎ ‎لتعمر به بقيته وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه بيع جميعه‎‏. ‏ ‎
‎‏ وجاء في فتاوى شيخ‏‎ ‎الإسلام ابن تيمية إفاضة في هذا الموضوع وبيانًا للمفتى به في المذهب ‏الحنبلي ‏ومما‎ ‎جاء في فتاواه: إجازة نقل المسجد من مكان إلى آخر محتجًا بعمل‎ ‎عمر‎ -‎رضي الله عنه – ‏وذلك لما قدم‏‎ ‎عبد الله بن مسعود‎ ‎على‎ ‎بيت المال‎ ‎كان سعد بن مالك قد بنى القصر، واتخذ مسجدًا عند ‏أصحاب التمر‎ ‎فنقب ‏بيت المال فأخذ الرجل الذي نقبه فكتب إلى‎ ‎عمر بن الخطاب‎ ‎، فكتب‎ ‎عمر: أن لا تقطع ‏الرجل وانقل المسجد، ‏واجعل بيت المال في قبلته فإنه لن يزال في‎ ‎المسجد مصلى فنقله عبد الله، فخط له ‏هذه الخطة‎‏. ‏ ‎
‎‏ كذلك أفتى بنقله لضيق المسجد،‏‎ ‎أو لقذارة موضعه، أو لخوف اللصوص وبجواز بيعه ونقله إلى ‏‏موضع آخر،‎ ‎فعمر بن‎ ‎الخطاب‎ ‎خرب المسجد الأول مسجد الجامع الذي كان لأهل الكوفة وجعل بدله مسجدًا‎ ‎‎في موضع آخر، وصار موضع المسجد الأول سوق التمارين‎‏. ‏ ‎
‎‏ وذكر أن هذه الصورة‏‎ ‎هي التي احتج بها‎ ‎أحمد‎ ‎وأصحابه على من خالفهم، وقال أصحاب أحمد: هذا‎ ‎‎يقتضي إجماع الصحابة –رضي الله عنهم- عليها من غير نكير، مع كونهم لا يسكتون عن‏‎ ‎إنكار ما يعدون ‏‏خطأ لأنهم أنكروا على عمر النهي عن المغالاة في الصدقات حتى ردت‎ ‎عليه امرأة، وردوه عن أن يحد ‏‏الحامل فقالوا: إن جعل الله لك على ظهرها سبيلًا فما‎ ‎جعل لك على ما في بطنها سبيلًا، وأنكروا على‎ ‎عثمان‎ ‎‎في إتمام الصلاة‎ ‎في الحج حتى قال: إني دخلت بلدًا فيه أهلي، وعارضوا‎ ‎عليًا‎ ‎فحين رأى‎ ‎بيع أمهات الأولاد، ‏‏فلو كان نقل المساجد منكرًا لكان أحق بالإنكار، لأنه أمر ظاهر‎ ‎ففيه شناعة ونقل‎ ‎عن أبي عبد الله ابن تيمية ‏‏في "ترغيب القاصد" أن المسجد‎ ‎إذا ضاق بأهله أو تفرق الناس عنه، لخراب المحلة، فإنه يباع، ويصرف ‏ثمنه ‏في إنشاء‎ ‎مسجد آخر أو في شقص (مناب) في المسجد‎ ‎شيخ الإسلام ابن تيمية، الفتاوى‎: ‎‏31‏‎/ ‎‏227‏‎‏ ‏ ‎
‎وبعد عرض نصوص المذاهب وأدلتها، وبعد يقيننا بأنه متى وجدت‎ ‎المصلحة فثم شرع الله، وأنه إذا ‏لم ‏يبع ما اتخذ مسجدًا، استولى عليه آخرون، ولم‎ ‎يبقوه مسجدًا، وإن عمر من أجل المصلحة نقل المسجد ‏الجامع ‏من مكانه، وصير المسجد‎ ‎العتيق سوقًا تجارية تعرف في ذلك العهد بسوق التمارين أفتي وأن فقير ‏ربه محيي ‏الدين‎ ‎قادي بجواز بيع المسجد الذي انتقلت بسوق التمارين أفتي وأنا فقير ربه محيي الدين‎ ‎قادي ‏بجواز بيع ‏المسجد الذي انتقلت غالبية المسلمين عنه لمنطقة أخرى وشراء محل صغير‎ ‎للأقلية الباقية ‏لاتخاذه مسجدًا، ‏والاشتراء بالباقي من ثمنه مسجدًا آخر أو منابًا‎ ‎في مسجد، وإن لم يفِ بذلك صرف في ‏سبل الخير لأن ذلك ‏أصلح المسلمين لما روي عن‎ ‎عائشة‎ –‎رضي الله عنها- لما قيل لها: إن كسوة الكعبة ‏قد يداول عليها؟‎ ‎فقالت: ‏تباع، ويجعل ثمنها في سبيل الخير‎ ‎الفتاوى: 223‏‎ ‎والله أعلم‎‏. ‏
‎‏ السؤال‏‎ ‎السابع‎
‏ ‎
‎كثيرات من بنات المسلمين ونسائهم تدعوهن ظروف العمل أو الدراسة‎ ‎إلى السفر إلى ولايات أخرى ‏‏‏(أبعد من مسافة القصر) بالطائرة أو غيرها من وسائل السفر‎ ‎بدون محرم، ومن غير رفقة من نسوة ‏تعرفهن ‏أو يعرفنها غير رفقة المسافرين والمسافرات‎ ‎عادة، فما حكم هذا السفر؟‎‏ ‏ ‎
‎‏ فأقول في الجواب –والله الموفق للصواب-: ورد في‎ ‎الحديث الصحيح الذي رواه‎ ‎مالك‎ ‎في الموطأ ‏عن ‏سعيد بن أبي سعيد‎ ‎المقبري عن‎ ‎أبي هريرة‎ ‎رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم‎ ‎قال‎ : ‎‎<<‎لا يحل ‏لامرأة تؤمن باله وباليوم الآخر تسافر مسيرة يوم‎ ‎وليلة إلا مع ذي محرم منها‎>> ‎الموطأ مع ‏شرح الزرقاني: ‏‏4/ 391 - 392‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ والحديث ناطق بحرمة سفر المرأة وحدها، ولا فرق في المرأة بين الشابة‏‎ ‎والمتجالة (التي ليس ‏للرجل ‏فيها مطمع) وفي نقل للقاضي‎ ‎عياض‎ ‎رحمه‎ ‎الله عن بعض الفقهاء: أن النهي منوط بالشابة، وأما ‏المتجالة ‏فتسافر كل الأسفار بلا‎ ‎محرم ولا زوج‎‏. ‏ ‎
‎وتعقبه ابن دقيق العيد: بأنه تخصيص للعموم بالنظر إلى المعنى،‏‎ ‎وإن لم يرتضه‎ ‎القرطبي‎ ‎وقال: فيه ‏‏بعد؛ لعدم جواز الخلوة بالمتجالة‎ ‎واعتبار ما لا يطلع لعيه غالبًا من حسدها عورة يحرم النظر إليه، فالظنة ‏‏موجودة‎ ‎فيها، والعموم صالح فينبغي أن تخرج منه‎‏. ‏ ‎
‎‏ وأما ما ورد في السؤال من تقييد السفر‎ ‎بمسافة القصر فمرجعه أن الحديث روي بعديد من ‏الروايات، ‏فحديث أبي سعيد عند الشيخين‎ ‎وغيرهما‎:‎‏ ((‏‎ ‎أن تسافر فوق ثلاثة‎ ‎أيام فصاعدًا‎ ‎‏))‏‎ ‎وفي حديث‎ ‎ابن ‏عمر‎ ‎رضي ‏الله عنهما في الصحيحين‎ ‎وسنن‎ ‎أبي داود‎ :‎‏ ((‏‎ ‎لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا ومعها‏‎ ‎زوج أو محرم‎ ‎‏))‏‎ ‎‎وفي رواية‎ ‎أحمد‎ ‎رضي الله عنه‎‏ ((‏‎ ‎يوم‎ ‎‏))‏‎ ‎وفي أبي داود‎‏ ((‏‎ ‎بريد‎ ‎‏))‏‎ ‎عوض ((يوم‎ ‎‏))‏‎ ‎وفي رواية‎‏((‏‎ ‎بيومين‎ ‎‏))‏‎ ‎‎وفي رواية ‏إطلاق‎ ‎السفر من غير التقييد‎ ‎محمد الزرقاني، شرحه على الموطأ: 4/ 392‏‎‏ ‏‎
‎والفقهاء قد اختلفوا في مسافة القصر على نحو عشرين قولًا، ومن‏‎ ‎بين أسباب الاختلاف بينهم ‏اختلاف ‏السنن والآثار ومن بينها هذا الحديث المروي‎ ‎بروايات متعددة‎‏. ‏ ‎
‎‏ والحق أنه لا تلازم بين مسافة القصر، ووجوب المحرم، لجواز‏‎ ‎التوسعة في إيجاب المحرم تخفيفًا ‏على ‏العباد‎ ‎الصنعاني، سبل السلام: 2/ 39‏‎ ‎بالإضافة إلى ما أجاب به العلماء على اختلاف هذه الروايات ‏وأنه لا ‏تعارض‎ ‎بينها، وأن هذا الاختلاف بحسب السائلين، فسئل مرة عن سفر المرأة يومًا؛ فقال: "لا‎" ‎وهلم ‏جرا، ‏وليس فيه تحديد، ولا مفهوم أحدها‎‏. ‏ ‎
‎‏ والخلاصة أن كل ما يطلق عليه اسم‎ ‎السفر لا يجوز للمرأة وإلا ومعها ذو محرم منها‎ ‎النووي: ‏شرحه ‏على صحيح مسلم مع‎ ‎إرشاد الساري: 6/ 33‏‎‏ ‏ ‎
‎ولم يستثن الإمام الأعظم والإمام‎ ‎أحمد‎ ‎ومن وافقهما سفرًا من الأسفار لا سفر الحج ولا غيره عند ‏‏انعدام الزوج أو‎ ‎المحرم منها، قالوا: إن الزوج أو المرحم شرط في استطاعة الحج للمرأة، فالسفر حرام‎ ‎‎عليها ‏إلا مع أحدهما‎‏. ‏ ‎
‎‏ وذهب‏‎ ‎مالك‎ ‎والشافعي‎ ‎في‎ ‎المشهور عنهما ومن وافقهما إلى عدم اشتراط المحرم في سفر الحج، ‏وجاء ‏في المدونة: من‎ ‎لا ولي لها تخرج مع من تثق به من الرجال والنساء واختلف في تأويلها: هل مرادة ‏مجموع‎ ‎الصنفين أو مع جماعة من صنف منهما؟ وأكثر ما نقل عن الإمام رضي الله عنه: اشتراط‎ ‎النساء‎ ‎‎محمد ‏الزرقاني: شرحه على موطأ مالك: 4/ 392‏‎ ‎وقال الشافعي: تحج‎ ‎مع امرأة مسلمة حرة ثقة‎‏. ‏ ‎
‎‏ هذا والخلاف يجري في حج الفرض، أما حج التطوع فالاتفاق‎ ‎جار على اشتراط المحرم منها أو ‏‏الزوج‎ ‎الحطاب، مواهب الجليل: 2/ 524‏‎ ‎وقيده لحطاب من المالكية بيوم وليلة فأكثر، شابة كانت أو ‏متجالة‎‏. ‏
وسبب الخلاف في حج الفرض معارضة الأمر بالحج والسفر إليه للنهي عن سفر‎ ‎المرأة ثلاثًا إلا مع ‏‏ذي محرم وذلك أنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي‎ ‎سعيد الخدري‎ ‎وأبي هريرة‎ ‎وابن عباس‎ ‎‎وابن ‏عمر‎ ‎أنه قال صلى الله عليه وسلم‎:‎‏ ((‏‎ ‎لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم‎ ‎الآخر أن تسافر إلا مع ذي ‏محرم‎ ‎‏))‏‎ ‎فمن غلب عموم الأمر قال: تسافر للحج وإن‎ ‎لم يكن معها ذو محرم، ومن خصص العموم بهذا ‏الحديث أو ‏رأى أنه من باب تفسير‎ ‎الاستطاعة قال: لا تسافر للحج إلا مع ذي محرم‎ ‎ابن رشد الحفيد، بداية ‏المجتهد‎ ‎ونهاية ‏المقتصد: 1/ 311 - 312‏‎‏ ‏ ‎
‎وقد نقل‎ ‎الحطاب‎ ‎أن حكم‎ ‎سفرها الواجب جميعه حكم سفرها لحجة الفريضة في الخروج مع الرفقة ‏‏المأمونة، وعزا هذا‎ ‎القول إلى‎ ‎القاضي عبد الوهاب‎ ‎وغيره، وذلك كسفرها لحجة النذر،‎ ‎والقضاء وجميع ‏‏الأسفار الواجبة عليها‎‏. ‏ ‎
‎‏ كما نقل عن الباجي تقييد إطلاق الحديث‏‎ ‎بالانفراد والعدد اليسير، أما القوافل العظيمة فهي عند ‏الباجي ‏كالبلاد يصح سفر‎ ‎المرأة فيها بدون نساء وذوي محارم، وذكر هذا القيد الزناتي في شرحه على ‏رسالة ابن‎ ‎أبي ‏زيد رضي الله عنه على أساس أنه المذهب وقيد به قول ابن أبي زيد: والقوة على‎ ‎الوصول ‏إلى مكة، إما ‏راكبًا أو راجلًا مع صحة البدن، ونص كلام الزناتي على ما ذكر‏‎ ‎الحطاب ما يلي: "إذا كانت في ‏رفقة مأمونة ‏ذات عَدَدٍ وعُدَدٍ أو جيش مأمون من‎ ‎الغلبة والمحلة العظيمة فلا خلاف في جواز سفرها من ‏غير ذي محرم في ‏جميع الأسفار‎ ‎الواجب منها والمندوب والمباح من قول‎ ‎مالك‎ ‎وغيره إذ لا فرق بين ما‎ ‎‎تقدم ذكره وبين البلد، ‏هكذا ذكره القابسي ونقله في الإكمال عن الباجي وقَبِلَه: ولم‎ ‎يذكر خلافه‎ " ‎مواهب ‏الجليل: 2/ 524‏‎‏ . ‏ ‎
‎‏ وبعد بسطنا للمسألة من خلال‏‎ ‎فقه أئمة المذاهب، واعتمادًا منا على ما قيد به الباجي الحديث، وعلى ‏‏وصف الزناتي‎ ‎لذلك القيد بأنه المذهب (أي المعتمد في المذهب المالكي) وعزوه للقابسي وبعد نقل‎ ‎صاحب ‏‏الإكمال له، دون ذكر خلافه، وبعد نظرنا في تطور وسائل النقل تطورًا سريعًا‎ ‎تكفي الدقائق لانتقال الإنسان ‏‏من ولاية إلى ولاية أبعد من مسافة القصر وبعد نظرنا‎ ‎في تقييد‎ ‎الحطاب‎ ‎السفر بمسيرة ليوم وليلة فأكثر ‏وبعد ‏الاطلاع على أن‎ ‎للشافعي قولًا أنها تسافر وحدها إذا كان الطريق آمنًا‎ ‎الصنعاني: 2/ 183‏‎ ‎أفتى هؤلاء ‏البنات ‏المسلمات بجواز السفر بالحافلات والقطارات والطيارات‎ ‎وبغيرها من وسائل النقل التي تعظم فيها ‏الجماعات ‏ويكون لها شبه بالجيوش والبلدان‎ ‎والمحلات بغير زوج لهن ولا محرم منهم، والله أعلم. حرره ‏فقير ربه محي ‏الدين قادي‎‏. ‏
السؤال‎ ‎الثامن‎
‏ ‎
‎بعض النساء أو الفتيات تضطرهن ظروف العمل، أو الدراسة إلى‎ ‎الإقامة بمفردهن، أو مع نسوة ‏غير ‏مسلمات، فما حكم هذه الإقامة؟‎‏ ‏ ‎
‎وفي الجواب عن‎ ‎هذا السؤال أفيد –والله ولي التسديد- فأقول: جاء الإسلام الحنيف معلنا‏‎ ‎مبدأ‎ ‎‎المساواة‎ ‎بين الرجل والمرأة في أصل الخلقة الإنسانية، فقال تعالى‎‏{‏‎ ‎يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي ‏خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ‎ ‎وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا‎ ‎‏}‏‎ ‎وقال تعالى‎‏{‏‎ ‎يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ‏وَجَعَلْنَاكُمْ‎ ‎شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ‏لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ‎ ‎‏}‏‎ ‎وقال صلى الله عليه وسلم‎:‎‏ ((‏‎ ‎النساء شقائق ‏الرجال‎ ‎‏))‏‎،‎ ‎رواه الإمام‎ ‎أحمد‎ ‎وأبو داود‎ ‎والترمذي‎ ‎، ومبدأ المساواة بينهما في الانتساب إلى‎ ‎الجامعة ‏الإسلامية‎ ‎،‎ ‎فقال تعالى‎:‎‏{‏‎ ‎إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ‏إِخْوَةٌ‎ ‎‏}‏‎ ‎وصرح فقهاء الإسلام بأن خطاب‎ ‎الأمة الإسلامية‎ ‎في ‏القرآن الكريم يشمل الجنسين: الذكر والأنثى ولو ‏كان‎ ‎بصيغة التذكير‎‏. ‏ ‎
‎وانطلاقًا من مساواة المرأة للرجل فيما ذكر، جاءت‎ ‎المساواة‎ ‎في التشريع بينهما أصلًا لا يتخلف، إلا ‏‏عند وجود مانع: جبلي أو‎ ‎شرعي أو اجتماعي، أو سياسي، وفي كل إما أن تكون دائمًا أو مؤقتًا‎ ‎راجع كتاب‎ ‎‎مقاصد الشريعة الإسلامية لسماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله‎: ‎‏100‏‎ ‎وما بعدها، ‏وكتاب ‏أصول النظام الاجتماعي في الإسلام له أيضًا: 147 وما بعدها،‏‎ ‎والأشباه والنظائر للسيوطي رحمه ‏الله: 237 ‏وما بعدها‎ ‎، ولم ينص على شيء من‎ ‎ذلك فيما أعلم‎‏. ‏ ‎
‎‏ واهتداء هذا الأصل من أصول‏‎ ‎التشريع الإسلامي‎ ‎للنظام‎ ‎الاجتماعي تقرر في الفقه الإسلامي جواز ‏‏إقامة المرأة المسلمة في مسكن خاص بها له‎ ‎غلق ومرافق متى توفر لها الأمن ولا أعلم في ذلك خلافًا، ‏فعن‎ ‎ابن مسعود‎ ‎رضي الله عنه في نساء نعي إليهن أزواجهن، وتشكين الوحشة يجتمعن بالنهار، ثم‎ ‎ترجع ‏كل امرأة ‏إلى بيتها بالليل، وأخرج الشافعي‎ ‎وعبد الرزاق‎ ‎عن‎ ‎مجاهد‎ ‎مرسلًا‎:‎‏ ((‏‎ ‎أن رجالًا استشهدوا بأحد، ‏فقال نساؤهم: يا ‏رسول اله، أنا نستوحش في بيوتنا أفنبيت‎ ‎عند إحدانا؟ فأذن لهن أن يتحدثن عن إحداهن، ‏فإذا كان وقت النوم ‏تأوي كل واحدة إلى‎ ‎بيتها‎ ‎‏))‏‎ ‎كما دل قوله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه مسلم في ‏صحيحه‎:‎‏ ((‏‎ ‎لا يبيتن ‏رجل عند امرأة إلا أن يكون‎ ‎ناكحًا أو ذا محرم‎ ‎‏))‏‎ ‎بطريق دلالة الالتزام على أن المسلمة ‏يجوز لها أن تقيم‏‎ ‎في ‏مسكن بمفردها وإلا لما ورد النهي عن البيات معها إلا لناكح أو ذي محرم‏‎‏. ‏ ‎
‎‏ هذا ما يتعلق بشطر السؤال الأول، وهو إقامتها بمفردها في منزل خاص بها‏‎. ‎وأما ما يتعلق بشطر ‏‏السؤال الثاني وهو: إقامتها مع نسوة غير مسلمات فلا يجوز لها‎ ‎ذلك، قال تعالى‎‏{‏‎ ‎وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ‏‏لِبُعُولَتِهِنَّ‎ ‎‏}‏‎ ‎إلى أن قال جل‎ ‎جلاله‎‏{‏‎ ‎أو نِسَائِهِنَّ‎ ‎‏}‏‎ ‎قال‎ ‎القرطبي‎ ‎في تفسير ذلك يعني‎ ‎المسلمات، وتدخل في هذا ‏‏الإماء المؤمنات، ويخرج منه نساء المشركين من أهل الذمة‎ ‎غيرهم فلا يحل لامرأة مؤمنة أن تكشف شيئًا ‏من ‏بدنها بين يدي امرأة مشركة إلا أن‎ ‎تكون أمة لها، فذلك قوله تعالى‎:‎‏{‏‎ ‎أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ‎ ‎‏}‏‎ ‎وكان‎ ‎ابن ‏جريح‎ ‎وعبادة بن‎ ‎نسي وهشام القارئ يكرهون أن تقبل النصرانية المسلمة، أو ترى عورتها، ويتأولون‎‏{‏‎ ‎أَوْ ‏نِسَائِهِنَّ‎ ‎‏}‏‎ ‎وقال عبادة بن نسي: وكتب‎ ‎عمر‎ ‎صلى الله‎ ‎عليه وسلم إلى‎ ‎أبي عبيدة بن الجراح‎ : "‎أنه بلغني أن ‏نساء أهل ‏الذمة‎ ‎يدخلن الحمامات مع نساء المسلمين، فامنع ذلك، وحُلْ دونه فإنه لا يجوز أن ترى‎ ‎الذمية ‏عرية المسلمة، ‏قال: فعند ذلك قام أبو عبيدة، وابتهل وقال: أيما امرأة تدخل‎ ‎الحمام من غير عذر، لا تريد ‏إلا أن تبيض ‏وجهها، فسود الله وجهها يوم تبيض الوجوه،‎ ‎وقال‎ ‎ابن عباس‎ ‎رضي الله عنهما: لا يحل ‏للمسلمة أن تراها ‏يهودية أو‎ ‎نصرانية لئلا تصرفها لزوجها، وفي هذه المسألة خلاف للفقهاء‎" ‎الجامع‎ ‎‎لأحكام القرآن: 12/ 233‏‎‏ ‏ وهذا أولًا، وثانيًا عملًا بقاعدة سد الذرائع‏‎ ‎وذلك أن المرأة المسلمة موجودة بمجتمع الغرب الذي يعيش بلا ‏قيم ‏ولا أخلاق، لا سيما‎ ‎في مجال الجنس فقد أصبح طليقًا من كل اليوم، فلا يعقل أن نلقي بها في بؤرة فساد‎ ‎‎ونلزمها بعد ذلك أن تكون عفيفة طاهرة؛ لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه‎: ‎
ألقاه في اليم مكتوفًا، وقال له‎ ‎ ‎ ‎ إياك إياك أن تبتل بالماء‎ ‎
‎‏ ‏‎
‎‏ وثالثًا: أن الخلاف قد‎ ‎جرى بين السلف من الفقهاء في نظر غير المسلمة إلى المسلمة، لا في ‏مساكنتها،‎ ‎وللمساكنة معنى زائد عن النظر‎‏. ‏ ‎
‎رابعًا: أن الخلاف بين السلف من الفقهاء في نظر‎ ‎الذمية إلى المسلمة‎‏. ‏ ونحن نعلم أن شيمة أهل الذمة الصغار بخلاف كفار اليوم فهم‎ ‎الأعزاء والمتسلطون على العالم‎‏. ‏ وترتيبًا على ذلك أُفتي أخواتي في بلاد الغربة‎ ‎بأنه يجوز لهن الإقامة بمفردهن في مسكن خاص له غلق ‏‏ومرافق متى توفر الآن، ولا يجوز‎ ‎لهن أن يساكن غير المسلمات كتابيات أو غير كتابيات لأنهن كالرجل ‏‏الأجنبي بالنسبة‎ ‎لهن، والله أعلم‏‎‏. ‏
السؤال‎ ‎التاسع‎
‏ ‎
‎كثيرات من النساء هنا‎ ( ‎أمريكا الشمالية‎ ) ‎يذكرن أن‎ ‎أقصى ما بإمكانهن سترة من أجسادهن هو ما ‏عدا ‏الوجه والكفين، وبعضهن تمنعهن جهات‎ ‎العمل، أو الدراسة، من ستر رؤوسهن وأعناقهن، فما أقصى ‏ما يمكن ‏السماح بكشفه من‎ ‎أجزاء جسم المرأة بين الأجانب في محلات العمل أو الدراسة؟‎‏ ‏ ‎
‎‏ وفي الجواب عن هذا‏‎ ‎السؤال أفيد والله الموافق للصواب: أن ما قاله جل النسوة من أن أقصى ما ‏‏يستطعن ستره‎ ‎من أجسادهن هو ما عدا الوجه والكفين هو شرع الله جلل جلاله، إذ عورة المرأة إذا‎ ‎حاضت ‏‏جميع جسدها ما عدا الوجه والكفين عند‎ ‎مالك‎ ‎والشافعي‎ ‎وأحمد‎ ‎في إحدى روايتيه: أن الحرة كلها عورة إلا ‏‏وجهها‎ ‎وكفيها‎ ‎،‎ ‎مع قول‎ ‎أبي حنيفة‎ : ‎أنها كلها عورة كذلك إلا‎ ‎وجهها وكفيها وقدميها‎ ‎ومع الرواية الأخرى‎ ‎‎عن‎ ‎أحمد‎ : ‎إلا‎ ‎وجهها خاصة‎ ‎الشعراني، الميزان الكبرى: 1/ 170‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ ونسب‏‎ ‎ابن رشد الحفيد‎ ‎إلى‎ ‎الأمام أحمد‎ ‎قولًا ثالثًا وهو أن المرأة‎ ‎كلها عورة‎ ‎بداية المجتهد: 1/ 111‏‎ ‎‎ولم ‏يعزه‎ ‎ابن قدامة‎ ‎في مغنيه إلى الإمام‎ ‎أحمد‎ ‎وإنما إلى بعض أهل المذهب الحنبلي،‎ ‎فقال: وقال بعض ‏أصحابنا ‏المرأة: كلها عورة لأنه قد روى في حديث عن النبي صلى الله‎ ‎عليه وسلم‎:‎‏ ((‏‎ ‎المرأة عورة‎ ‎‏))‏‎ ‎رواه‎ ‎‎الترمذي‎ ‎وقال: حديث حسن صحيح، ولكن رخص لها في كشف‎ ‎وجهها وكفيها لما في تغطيته من المشقة، ‏وأبيح النظر ‏إليه لأجل الخطبة لأنه مجمع‎ ‎المحاسن، وهذا قول أبي بكر الحارث ابن هشام قال: المرأة كلها ‏عورة حتى ‏ظفرها‎ ‎بداية المجتهد: 1/ 601‏‎‏ ‏
وأرجع‎ ‎ابن رشد الحفيد‎ ‎الخلاف‎ ‎في هذه المسألة إلى الاحتمال القائم في قوله عز وجل‎‏{‏‎ ‎وَلَا يُبْدِينَ ‏‏زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا‎ ‎‏}‏‎ ‎هل هذا المستثنى‎ ‎إلى أن المقصود أعضاء محدودة أم إنما المقصود ما لا يملك ‏‏ظهوره؟ فمن ذهب إلى أن‎ ‎المقصود من ذلك ما لا يملك ظهوره عند الحركة، قال: بدنها كله عورة حتى ‏‏ظهرها واحتج‎ ‎لذلك بعموم قوله تعالى‎:‎‏{‏‎ ‎يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ‎‏ }. ‏ ‎
‎ومن رأى أن المقصود من ذلك ما جرت به العادة بأنه لا يستر وهو الوجه‎ ‎والكفان ذهب إلى أنهما ‏‏ليسا بعورة، واحتج لذلك بأن المرأة ليست تستر وجهها في الحج‏‎" ‎بداية المجتهد: 1/ 111‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وسيأتي في الجواب عن السؤال السابع‏‎ ‎عشر مزيد إيضاح لهذه المسألة‎‏. ‏ ‎
‎‏ وأما منع بعض الجهات النسوة العاملات عندهن وبعض‏‎ ‎أماكن الدراسة التلميذات أو الطالبات أو ‏‏المدرسات من ستر رؤوسهن وأعناقهن وسؤالهن‏‎ ‎عن أقصى ما يمكن السماح بكشفه من أجزاء جسم ‏المرأة، ‏فالجواب عنه على حسب مذهب‎ ‎الجمهور هو أن بدن المرأة كله عورة ما عدا وجها وكفيها إذا ‏بلغت ‏المحيض، ورخص ابن‎ ‎جرير‎ ‎الطبري‎ ‎لها في كشف يديها إلى نصف الذراع معتمدًا على حديث‎ ‎يرويه ‏عن ‏سيدتي‎ ‎عائشة‎ ‎أم المؤمنين رضي الله عنها وهو‏‎:‎‏ ((‏‎ ‎لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم‎ ‎الآخر إذا عركت ‏أن تظهر ‏إلا وجهها ويديها إلى هاهنا وقبض على نصف الذراع‎" ‎القرطبي الجامع لأحكام القرآن: 12/ ‏‏222‏‎ ‎كما ذكر ‏الأستاذ الإمام محمد‎ ‎الطاهر ابن عاشور أن بعض الفقهاء جعل الشعر من الزينة الظاهرة ‏حاكيًا له بقيل‎ ‎المشعرة بتمريضه‎ ‎التحرير والتنوير: 18/ 207‏‎ ‎ويدل على ضعفه وأيضًا أنه‎ ‎إذا كشف شعر ‏الرأس بدا الجيد ‏واللبة، ولا أحد من الفقهاء فيما أعلم قال بجواز‎ ‎كشفهما، بل جاء في حواشي يوسف ‏الصفتي من المالكية على ‏شرح ابن تركي على متن‎ ‎العشماوية أن الوجه في العورة غير الوجه في ‏الوضوء، لأنه يجب ستر الشعر ولو ‏كانت‎ ‎غماء‎ ‎حواشي الصفتي: 83‏‎ ‎هذا أولًا، وثانيًا لما لهما من الأثر ‏العجيب‎ ‎في تحريك الشهوة‎‏. ‏ ‎
‎‏ وترتيبًا على ذلك أقول: لا يجوز للمرأة إذا عركت- عاملة كانت‏‎ ‎أو تلميذة في ثانوية، أو طالبة في ‏‏جامعة أو مدرسة- أن تبدي أكثر من وجهها وكفيها،‏‎ ‎والله أعلم‎‏. ‏ ‎‏ ‏
‎‏ السؤال‏‎ ‎العاشر‎
‏ ‎
‎يضطر كثير من الطلاب المسلمين إلى العمل في هذه البلاد لتغطية‎ ‎نفقات الدراسة والمعيشة لأن ‏كثيرًا ‏منهم لا يكفيه ما يرده من ذويه مما يجعل العمل‎ ‎ضرورة له، لا يمكن أن يعيش بدونه، وكثير منهم لا ‏يجد ‏عملًا إلا في المطاعم تبيع‎ ‎الخمور وتقدم الوجبات فيها لحم الخنزير وغيره من المحرمات فما حكم عمله ‏في ‏هذه‎ ‎المحلات؟‎‏ ‏ ‎
‎‏ وفي الجواب عن هذا السؤال والله الموفق للصواب، أقول: لم يضبط في‎ ‎السؤال دين صاحب المطعم ‏‏أو نحلته، والذي يظهر أنه غير مسلم أصالة أو استحلالًا‎ ‎للمحرمات، أو فاسقا معايشا للمعاصي‎‏. ‏ ‎
‎وعلى كل فالشريعة الإسلامية تحرم على السلم‎ ‎إجارة نفسه للمعاصي قال عبد الرحمن بن عسكر ‏‏البغدادي المالكي: "لا تجوز إجارة نفسه‎ ‎أو عبده أو دابته أو داره في عمل معصية‎" ‎إرشاد السالك إلى ‏أشرف ‏المسالك مع‎ ‎شرحه أسهل المدارك: 2/ 342‏‎ ‎، فإن فعل شيئًا من ذلك فقد تعدى حدود الله‎‏{‏‎ ‎وَمَنْ يَتَعَدَّ ‏حُدُودَ ‏اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ‎ ‎‏}‏‎ ‎وللقاضي ردعه‎ ‎وتأديبه‎ ‎الكشناوي، أسهل المدارك: 2/ 342‏‎ ‎ودليل ذلك قوله ‏تعالى‎‏{‏‎ ‎وَلاَ ‏تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ‎ ‎‏}‏‎ ‎والإجارة على المعصية‎ ‎إعانة عليها‎‏. ‏ ‎
‎‏ وتنوعت أمثلة ذلك،‏‎ ‎قال‎ ‎ابن عبد البر‎ ‎في كافيه‎: ‎ولا يجوز لأحد أن يكري معصرته ولا دابته، ولا ‏‏سفينته ممن يعمل الخمر ويحملها، وإن‎ ‎فعل ذلك أخذ منه ما قبض ذلك من النصراني لم يحكم له بشيء، ‏‏وهكذا لو أكرى بيته، أو‎ ‎حانوته، أو قطعة من أرضه ممن يبيع فيها الخمر‎ ‎ابن عبد البر، الكافي: 2‏‎/ ‎‏756‏‎‏ ‏ وكلام‎ ‎ابن عبد البر‎ ‎عام في المؤاجر نفسه لمعصية عند مسلم‎ ‎أو عند كافر، وأما قوله: "وإن لم يقبض من ‏‏النصراني" فهو مخرج على الغالب، أن‎ ‎المعهود في عصره رحمه الله أنه لا يتاجر في الخمرة بيعًا إلى ‏‏النصارى‎‏. ‏ ‎‏ ‏‎
‎‏ وأما إن كان هؤلاء الطلبة يؤاجرون أنفسهم في بلاد الحرب لغير المسلمين‏‎ ‎في مطاعم تبيح الخمور ‏‏ولحم الخنزير لحرفائها وغيرها من المحرمات فذلك أشد لأن فقهاء‎ ‎الإسلام كرهوا للمسلم مؤاجرة نفسه ‏‏للنصراني واليهودي في الحلال له،‎ ‎قال‎ ‎ابن القاسم‎ ‎المالكي: وبلغني أن‎ ‎مالكًا‎ ‎كره أن يؤاجر‎ ‎المسلم نفسه من ‏‏النصراني‎ ‎سحنون، المدونة: 4/ 433‏‎ ‎وقال أيضًا: سئل‎ ‎مالك‎ ‎عن المسلم يأخذ من النصراني مالًا قرضًا، ‏فكره ‏ذلك له وغيره من‎ ‎أهل العلم قد كره ذلك، وقال: سئل‎ ‎مالك‎ ‎عن المسلم يؤاجر نفسه لنصراني‎ ‎ليحرس ‏له ‏زيتونه، أو يجره له أو يبني له بنيانًا؟ فأجاب: أكره أن يؤاجر نفسه في‎ ‎خدمة هذا النصراني‎" ‎سحنون ‏المدونة: ‏‏4/ 433‏‎‏ ‏ ‎
‎والكراهة هنا كراهة‎ ‎تنزيه، ويجوز للمسلم ذلك لأن‎ ‎الإجارة‎ ‎عقد معاوضة كالبيع وإجارة المسلم‎ ‎نفسه ‏‏فيها مباح له لخدمة النصراني مشروطة بعدم إذلالها أو ليس للمسلم أن يذل نفسه‎ ‎عمومًا وخصوصًا للكافر ‏‏والله جل جلاله يقول‏‎:‎‏{‏‎ ‎وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ‎ ‎‏}‏‎ ‎وأما مع الإهانة‎ ‎فحرام ككونه خادمًا في بيته يقدم ‏له ‏الطعام ويغسل يديه منه ويجري خلفه ويفسخ وله‎ ‎أجر ما عمل‎ ‎أحمد الدردير، الشرح الكبير: 4/ 19‏‎‏ ‏ وأما موقف فقهاء‎ ‎الإسلام من مؤاجرة المسلم نفسه في عمل معصيته هي محرمة عليه في شريعة الإسلام‎ ‎‎فالمنع البات جاء في المدونة: قلت: أرأيت مسلمًا آجر نفسه من نصراني يحمل له خمرًا‎ ‎على دابته أو على ‏‏نفسه، أيكون له من الأجر شيء؟ أم تكون له إجارة مثله؟‎‏ ‏ ‎‏ ‏‎‏ ‏‎
‎‏ قال‏‎: ‎قال‎ ‎مالك‎ : ‎لا تصلح هذه‎ ‎الإجارة‎ ‎، ولا أرى أنا له من الإجارة التي سمى، ولا من إجارة مثله ‏‏قليلًا ولا‎ ‎كثيرًا، لأن‎ ‎مالكًا‎ ‎قال في الرجل المسلم يبيع خمرًا، قال مالك: لا‎ ‎أرى أن يعطى من ثمنها قليلًا ولا ‏‏كثيرًا، والكراء عندي بهذه المنزلة لا أرى أن يعطى‎ ‎من الإجارة قليلًا ولا كثيرًا، قلت: وكذلك أن آجر حانوته ‏‏من نصراني يبيع فيه خمرًا‎ ‎قال‎ ‎ابن القاسم‎ : ‎وأرى كل مسلم آجر نفسه أو غلامه أو دابته‎ ‎أو داره أو بيته ‏أو ‏شيئًا مما يملكه في شيء من الخمر فلا أرى له من الإجارة قليلًا‎ ‎ولا كثيرًا، ولكن يفعل فيه إن كان قبض ‏ما ‏وصفت لك في ثمن الخمر‎" ‎المدونة‎: ‎‏4‏‎/ ‎‏424‏‎ – ‎‏425‏‎ ‎قال خليل بن إسحاق المالكي رحمه الله في ‏مختصره ‏ذاكرًا مفهوم‎ ‎المنفعة المحظورة: "ولا تعليم غناء ودخول حائص لمسجد أو دار لتتخذ كنيسة كبيعها‎ ‎‎لذلك ‏وتصدق بالكراء وبفضلة الثمن على الأرجح‎" ‎المختصر: 239‏‎ ‎ومثل ذلك‎ ‎الإجارة على تقديم لحم ‏الخنزير ‏الذي هو حرام على المسلم في هذه المطاعم، ويؤدب فاعل‏‎ ‎ذلك، قال ابن القاسم في مسلم آجر ‏نفسه لنصراني ‏ليرعى له خنازيره: أنا أرى أن تؤخذ‎ ‎الإجارة من هذا النصراني ويتصدق بها على المساكين ‏ولا يعطاها هذا ‏المسلم أدبًا لهذا‎ ‎المسلم، ولأن الإجارة أيضًا لا تحل لهذا المسلم إذا كانت إجارته من رعيه ‏الخنازير،‎ ‎ورأى أن ‏يضرب هذا المسلم أدبًا، فيما صنع من رعيه الخنازير ورضاه من رعيه الخنازير‎ ‎إلا أن ‏يكون ممن يعذر ‏بالجهالة فيكف عنه في الضرب ولا يعطى من الإجارة شيء، ويتصدق‎ ‎بالأجرة على ‏المسلمين ولا تترك ‏الأجرة‎ ‎للنصراني‎" ‎سحنون، المدونة: 4/ 426‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وجاء في المذهب الحنفي: "من استأجر حمالًا يحمل له الخمر فله الأجر في‎ ‎قول‎ ‎أبي حنيفة‎ ‎، عند‎ ‎أبي ‏‏يوسف‎ ‎و‎ ‎محمد‎ ‎لا أجر له، كذا ذكر في الأصل وذكر في الجامع الصغير أنه يطيب له الأجر في قول‎ ‎أبي ‏‏حنيفة وعندهما يكره لهما لأن هذه إجارة على المعصية، لأن حمل الخمر معصية،‎ ‎لكونه إعانة على ‏المعصية ‏وقد قال الله عز وجل‎:‎‏{‏‎ ‎وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ‎ ‎‏}‏‎ ‎ولهذا لعن الله تعالى‎ ‎عشرة منهم: حاملها ‏والمحمول ‏إليه، ولأبي حنيفة أن نفس‎ ‎الحمل‎ ‎ليس‎ ‎بمعصية بدليل أن حملها للإراقة والتخليل مباح، وكذا ‏ليس بسبب ‏المعصية وهو الشرب لأن‎ ‎ذلك يحصل بفعل فاعل مختار وليس الحمل من ضرورات الشرب ‏فكانت سببًا ‏محضًا فلا حكم له‎ ‎كعصر العنب وقطفه، والحديث محمول على الحمل بنية الشرب، وبه نقول: ‏إن ذلك ‏معصية‎ ‎ويكره أكل أجرته‎ ‎الكاساني، البدائع: 4/ 190‏‎‏ ‏
السؤال‎ ‎العاشر‎
‏ ‎
‎‏ ما قررناه في المذهب المالكي قال به‏‎ ‎الإمام الشافعي‎ ‎واعتمد في المذهب الحنبلي حسبما ذكره‎ ‎ابن ‏‏قدامة‎ ‎في مغنيه‎ ‎المغني: 5/ 551‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وأدلة تحريمه كثيرة مستفيضة في هدي خير العباد وفي‏‎ ‎آثار السلف الصالح‎‏. ‏ ‎
‎‏ أما هديه صلى الله عليه وسلم فمن جوامع كلمه قوله‏‎:‎‏ ((‏‎ ‎إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء‎ ‎حرم ‏عليهم ‏ثمنه‎ ‎‏))‏‎، وفي حديث الموطأ أن ابن وعلة المصري سأل‎ ‎عبد الله بن عباس‎ ‎رضي الله عنهما عما ‏يعصر من ‏العنب؟ فقال‎: ‎ابن‎ ‎عباس‎ :‎‏ ((‏‎ ‎أهدى رجل لرسول‎ ‎الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر فقال له ‏رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم: أما علمت‎ ‎أن الله حرمها؟ قال: لا، فساره رجل إلى جنبه، فقال له صلى الله ‏عليه وسلم: بم‎ ‎ساررته؟ قال: أمرته أن يبيعها: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الذي حرم‎ ‎‎شربها حرم بيعها‎ ‎‏))‏‎ ‎ابن القيم: زاد المعاد، ذكر أحكامه صلى الله عليه‎ ‎وسلم في البيوع: 4/ 239‏‎ ‎والإجارة ‏بيع لمنفعة‎‏. ‏ ‎
‎‏ وأما أثار السلف الصالح‎ ‎فقد ساق منها‎ ‎سحنون‎ ‎في المدونة الكثير من ذلك‎‏: ‏ ‎
‎‏1- ‏‎ ‎ما روي عن‎ ‎عياض بن عبد الله السلامي أنه قال‎ ‎لعبد الله بن عمر‎ ‎رضي الله عنهما‎: ‎إن لي إبلًا ‏‏تعمل في‎ ‎السوق‎ ‎ريعها صدقة تحمل الطعام فإذا لم تجحد‎ ‎فربما حملت خمرًا؟ فقال: لا يحل ثمنها، ولا كراؤها ‏‏ولا شيء منه كان ثمنها فيه سببا‏‎" ‎ففتوى عبدا لله بن عمر صريحة ناطقة بتحريم كل ثمن أنجز من حركة ‏في ‏الخمر‎‏. ‏ ‎
‎‏2- ‏‎ ‎ما روي عن عميرة المعافري فقال:خرجت حاجًا أنا وصاحب لي حتى قدمنا‎ ‎المدينة‎ ‎فأكرى ‏‏صاحبي راحلته من صاحب خمر فأخبرني فذهب إلى عبد الله بن‎ ‎عمر فسأله عن ذلك فنهاه عن ذلك وقال: ‏لا ‏خير فيه‎‏. ‏ ‎
‎‏3- ‏‎ ‎ما روي عن مالك بن كلثوم‎ ‎أنه سأل‎ ‎سعيد بن المسيب‎ ‎عن غلمان له يعملون في‎ ‎السوق‎ ‎على ‏‏دواب له، فربما حملت خمرًا، قال: فنهاني سعيد عن ذلك أشد النهي، وقال: إن‎ ‎استطعت أن لا تدخل البيت ‏‏الذي فيه الخمر فلا تدخله‎ ‎المدونة: 4/ 425‏‎‏ ‏‎
‎‏ وبعد هذا العرض الواسع والمشتمل على تحريم الإجارة في كل منفعة محرمة‏‎ ‎وبعد إفرادنا للإجارة ‏في ‏الخمر عصرًا وحملًا، وللإجارة على رعي الخنازير وهو أقل‎ ‎جرمًا من تقديم لحومها إلى آكليها، وهو ‏‏(أقل ‏جرمًا) وبعد تيقنا من أن السنة النبوية‎ ‎الشريفة ما حرمت شيئًا إلا حرمت أكل ثمنه بيعًا، وأنها لعنت ‏في الخمر ‏عشرة: عاصرها،‎ ‎ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ‏ثمنها،‎ ‎والمشتري ‏لها، والمشتراة له، وبعد علمنا بكل ذلك أفتي هؤلاء الطلبة أن لا يؤاجروا‎ ‎أنفسهم في ‏شيء من عمل الخمر، ‏ولا من عمل الخنازير حملًا وتقديمًا وغير ذلك ولا في‎ ‎عمل محرم لأن الله ما حرم ‏شيئًا إلا حرم أكل ثمنه، ‏وما جعل كسب المسلم في ما حرم‎ ‎عليه وما أحل الله أوسع وأطيب، والله الموفق ‏للصواب وهو حسبي ونعم ‏الوكيل‎‏. ‏
‎‏ السؤال‏‎ ‎الحادي عشر‎
‏ ‎
‎ما حكم‎ ‎بيع المسلم‎ ‎للخمور والخنازير، أو صناعة‎ ‎الخمور وبيعها لغير المسلمين، علمًا بأن بعض ‏‏المسلمين في هذه البلدان قد اتخذوا من‎ ‎ذلك حرفة لهم؟‎‏ ‏ ‎
‎‏ وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد والله الموفق للصواب أقول: روى‎ ‎مالك‎ ‎في الموطأ عن زيد بن ‏أسلم ‏وعن أبي وعلة المصري أنه سأل‎ ‎عبد الله بن عباس‎ ‎رضي الله عنهما عما يعصر من العنب؟ فقال‎ ‎ابن‎ ‎‎عباس‎ ‎‎:‎‏ ((‏‎ ‎أهدى رجل رسول‎ ‎الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‏أما علمت‎ ‎أن الله حرمها؟ قال: لا، فساره رجل إلى جنبه، فقال له رسول الله صلى الله عليه‎ ‎وسلم: بم ‏ساررته؟ فقال: ‏أمرته أن يبيعها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن‎ ‎الذي حرم شربها حرم بيعها، ‏ففتح الراجل ‏المزادتين حتى ذهب ما فيهما‎ ‎‏))‏‎ ‎الموطأ، كتاب الأشربة: جامع تحريم الخمر: 4/ 172‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وروى‏‎ ‎مالك‎ ‎في الموطأ أيضًا " عن نافع عن بن الله أن رجالًا من أهل‎ ‎العراق‎ ‎قالوا له: يا أبا عبد ‏‏الرحمن، أنا نبتاع من ثمر النخل والعنب‎ ‎فعنصره خمرًا، فنبيعها؟ فقال‎ ‎عبد الله بن عمر‎ : ‎إني أشهد الله ‏عليكم‎ ‎وملائكته، ومن سمع من الجن والإنس أني لا آمركم أن تبيعوها، ولا تباعوها ولا‎ ‎تعصروها، ولا ‏تشربوها ‏ولا تسقوها، فإنها رجس من علم الشيطان‎" ‎الموطأ: 4/ 174‏‎‏ ‏‎
‎‏ وعن‏‎ ‎جابر بن عبد الله‏‎ ‎رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى‎ ‎الله عليه وسلم يقول‎:‎‏ ((‏‎ ‎إن الله‎ ‎حرم ‏بيع ‏الخمر والميتة والخنزير والأصنام‎ ‎‏))‏‎ ‎فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم‎ ‎الميتة فإنه يطلى بها السفن ‏ويدهن بها ‏الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: هو حرام، ثم‎ ‎قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك‎:‎‏ ‏‏((‏‎ ‎قاتل الله ‏اليهود، إن الله لما حرم‏‎ ‎شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه‎ ‎‏))‏‎ ‎رواه الجماعة‎ ‎ابن تيمية الجد،‎ ‎‎منتقى الأخبار، ‏كتاب البيوع: باب ما جاء في بيع النجاسة وآلة المعصية، وما لا نفع‎ ‎فيه: 5/ 235‏‎‏ ‏ ‎
‎وعن‎ ‎ابن عباس‎ ‎رضي الله عنه: أن النبي‎ ‎صلى الله عليه وسلم قال‏‎:‎‏ ((‏‎ ‎لعن‎ ‎الله اليهود حرمت عليهم ‏‏الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وأن الله إذا حرم على قوم‎ ‎أكل شيء حرم عليهم ثمنه‎ ‎‏))‏‎ ‎رواه‎ ‎أحمد‎ ‎وأبو ‏داود‎‏ ‏ ‎
‎وإذا تأملنا هذه الأحاديث الشريفة وجدنا أن حديث الموطأ الأول متضمن‎ ‎حرمة عصر الخمور ‏‏وصناعتها، لأن ابن وعلة المصري سأل حبر الأمة عن حكم ذلك فروى له‏‎ ‎هذا الحديث الشريف جوابًا عن ‏‏سؤاله، كما تضمن الحديث أن حرمة أكل الثمن، تابعة‎ ‎لحرمة الشرب‎‏. ‏ ‎
‎‏ وأما علة التحريم فالرجسية أي النجاسة، والنجس لا يصح بيعه بوجه‏‎ ‎عام إلا ما رخص فيه، فقال ‏ابن ‏عاصم في تحفة الأحكام‎: ‎ ‎ ‏ ونجس صفقته محظورة‎ ‎ ‎ ‎ ورخصوا في الزبل للضرورة‎ ‎ ‎‏ ‏‎
‎‏ هذا أولًا، وثانيًا: سد‎ ‎الذريعة، لأن إباحة بيعها تؤدي إلى شربها، ذلك ما قاله‎ ‎العلامة الزرقاني‎ ‎في ‏‏شرحه على الموطأ‎ ‎شرح الموطأ: 4/ 172‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ هذا وإذا عصرها مسلم‎ ‎لتشرب خمرًا محظورًا وجب عليه أن يريقها، فإن اجترأ وخللها فعن‎ ‎مالك‎ ‎في ‏‏ذلك روايتان: بالجواز والكراهة‎‏. ‏ ‎
‎وأما حديث الموطأ الثاني فالعراقيون‎ ‎السائلون‎ ‎لعبد الله بن عمر‎ ‎رضي الله عنهما صانعو خمور ‏ولعلهم ‏حديثو‎ ‎عهد بالإسلام (كما قال الزرقاني‏‎) ‎وابن عمر‎ ‎منعهم من ذلك، ولا خلاف‎ ‎نعلمه في منعه، ‏والأصل في ‏ذلك الحديث الأول فقد قال صلوات الله وسلامه عليه، للذي‎ ‎أهدي إليه راوية خمر‎:‎‏ ((‏‎ ‎إن الذي‎ ‎‎حرم شربها ‏حرم بيعها‎‏ )). ‏ ‎‏ ‎‏ ‏‎
‎‏ والعصير المستخلص من التمر والعنب متفق‏‎ ‎على ما منبع بيعه وابتياعه وجمهور الفقهاء على ‏إطلاق ‏اسم الخمير على كل ما خامر‎ ‎العقل فأسكره، وأن ما أسكر كثيره قليله حرام شراب وبيعها، فقد صح ‏عنه ‏صلوات الله‎ ‎وسلامه عليه‎:‎‏ ((‏‎ ‎كل مسكر خمر‎ ‎‏))‏‎ ‎قال ابن القيم: وهذا نص رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم ‏الصحيح الصريح الذي‎ ‎لا مطعن في سنده: ولا إجمالا في متنه.. وإخراج صنف من أصناف المسكر ‏عن اسم ‏الخمر‎ ‎يتضمن محذورين‎‏: ‏ ‎
‎‏ أحدهما: أن يخرج من كلامه ما قصد دخوله فيه‎‏. ‏ ‎
‎‏ والثاني: أن‎ ‎يشرع لذلك النوع الذي أخرج حكم غير حكمه، فيكون تغييرًا لألفاظ الشارع ومعانيه،‎ ‎‎فإنه ‏إذا سمى ذلك النوع بغير الإسم الذي سماه به الشارع أزال عنه حكم ذلك المسمى‎ ‎وأعطاه حكمًا آخر‎‏. ‏ ولما علم النبي صلى الله عليه وسلم أن من أمته من يبتلى بهذا‎ ‎كما قال‎:‎‏ ((‏‎ ‎ليشربن ناس من أمتي‎ ‎الخمر ‏‏يسمونها بغير اسمها‎ ‎‏))‏‎ ‎قضى قضية كلية عامة، لا يتطرق‏‎ ‎إلها إجمالًا ولا‎ ‎احتمال، بل هي شافية كافية فقال ‏‏صلى الله عليه وسلم‎‏ ((‏‎ ‎كل مسكر خمر‎ ‎‏))‏‎ ‎زاد‎ ‎المعاد في هدى خير العباد: 2/ 240‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ هذا والذي يظهر من قول‏‎ ‎ابن‎ ‎عمر‎ ‎رضي الله عنهما: "ولا تعصروها ولا تشربوها، ولا تسقوها فإنها ‏‏رجس من عمل‎ ‎الشيطان" المنع من كل تصرف مقصود فيها، وعمل لها، معللًا ذلك بالرجسية، وكونها من‎ ‎‎عمل الشيطان ومريدًا والله أعلم قوله تعالى‎‏{‏‎ ‎إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ‎ ‎‎الشَّيْطَانِ ‏فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‎ ‎‏}‏‎ ‎والاجتناب قاض بالكف‎ ‎عن كل تصرف مقصود ففها وعمل لها، وفي ‏الحديث‎:‎‏ ((‏‎ ‎لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم‎ ‎في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، ‏وحاملها، والمحمولة ‏إليه، وساقيها،‎ ‎وبايعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له‎ ‎‏))‏‎ ‎هذا ما يتعلق ‏ببيع‎ ‎الخمر وعصرها ‏وصناعتها، وكل تصرف مقصود فيها، وعمل لها‎‏. ‏ ‎
‎‏ وأما ما يتعلق بيع‏‎ ‎الخنازير فقد ورد في هدى خير العباد في الحديث الثالث الذي رواه‎ ‎جابر بن‎ ‎عبد ‏الله‎ ‎رضي الله عنهما تحريم بيع الخمر الخنزير والانتفاع به مع ترخيص‎ ‎المالكية في الانتفاع بشعره للخرز ‏بعد ‏جزه لطهارته، فقال خليل بن إسحاق بالعطف على‎ ‎الطاهر وشعر ولو من خنزير إن جزت‎ ‎المختصر: 5‏‎ ‎‎وعلى هذا‎ ‎أبو‎ ‎يوسف‎ ‎والأوزاعي‎‏ . ‏ ‎
‎‏ والجمهور على أن علة تحريم بيع الخنزير‏‎ ‎نجاسته، وعند المالكية ومن وافقهم تحريمه‎ ‎راجع فتح ‏‏الباري لابن حجر: 4/ 425‏‎ - ‎‏426‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وأما ما ورد في السؤال ممن تقيد بيعها بغير المسلمين فهو قيد لاغ،‏‎ ‎لأن اختلاف الدارين لتباين ‏‏الأحكام إذ دعوة الإسلام نور وهدى، ورحمة وشفاء لا يختلف‎ ‎باختلاف الرباع والأماكن، فإن باع مسلم ‏‏نصرانيًا خمرًا تراق عليه بحكم أن كان ثم‎ ‎حاكم يرى تخليلها، وإلا أراقها من غير رفع، لأن المسلم لا يصح ‏‏له تملك الخمر بحال‎‏. ‏ ‎
‎وترتيبًا على كل ما سبق أفتي وأنا فقير ربه محيي الدين قادي أنه لا يجوز لمسلم‎ ‎أن يبيع الخمور ‏‏والخنازير، ولا أن يصنع الخمر وأن ليؤدي على ذلك، والله أعلم‎‏. ‏ ‎ ‏ ‎‏ ‏
‎‏ السؤال‏‎ ‎الثاني عشر‎
‏ ‎
‎هناك كثير من الأدوية تحوي كميات مختلفة من الكحول تتراوح‎ ‎بين 01? و 25? ومعظم هذه ‏الأدوية ‏من أدوية الزكام‎ ‎واحتقان الأنف‎ ‎والحنجرة‎ ‎والسعال وغيرها من الأمراض السائدة، وتمثل هذه ‏الأدوية الحاوية‎ ‎للكحول ما يقرب من 95? من الأدوية في هذا المجال مما يجعل الحصول على الأدوية‎ ‎‎الخالية من الكحول ‏عملية صعبة أو متعذرة فما حكم تناول هذه الأدوية؟‎‏ ‏ ‎
‎‏ وفي الجواب‏‎ ‎عن هذا السؤال أقول والله الموفق للصواب‎: ‎التداوي‎ ‎بالخمر مسألة جرى‎ ‎فيها الخلاف ‏بين ‏علماء الإسلام ففي المذهب الحنفي أثيرت هذه المسألة‎ ‎فقال‎ ‎الزيلعي‎ ‎في شرحه على الكنز في كتاب ‏الكراهية: ‏كل تداو لا يجوز إلا‎ ‎بالأشياء الطاهرة ولا يجوز بالنجس كالخمر، لما روى ابن مسعود أنه عليه ‏السلام‎ ‎قال‎:‎‏ ((‏‎ ‎أن الله لم يجعل شفاءكم‎ ‎فيما حرم عليكم‎ ‎‏))‏‎ ‎ذكره‎ ‎البخاري‎‏ . ‏ ‎
‎وقال: وقال في‎ ‎النهاية: يجوز التداوي بالمحرم كالخمر والبول، إذا أخبره طبيب مسلم أن فيه شفاء،‎ ‎‎ولم يجد غيره من المباح ما يقوم مقامه، والحرمة ترتفع للضرورة فلم يكن متداويًا‎ ‎بالمحرم، فلم يتناوله ‏حديث ‏مسعود‎‏. ‏ ‎
‎‏ ويتحمل أنه قال في داء عرف له دواء غير‏‎ ‎المحرم‎ ‎بيين الحقائق شرح كنز الدقائق: 6/ 23‏‎ ‎كلام‎ ‎‎الزيلعي‎‏ . ‏ ‎
‎‏ وقال‏‎ ‎العلامة ابن نجيم‎ ‎في البحر من كتاب‎ ‎الشهادات: إن الإنسان لو شرب الخمر للتداوي لم تسقط ‏‏عدالته، لأن‎ ‎الاجتهاد‎ ‎فيه مساغًا، ونسبه لابن الكمال‎ ‎البحر: 7/ 26‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وجاء في‏‎ ‎المذهب المالكي في هاته المسألة الإشارة أيضًا إلى الخلاف داخل المذهب فيما قال‎ ‎المواق ‏‏في التاج والإكليل في باب: المباح طعام طاهر، بعد أن تكلم عن جواز إزالة‎ ‎الغصة بالخمر وعدم الجواز: ‏‏وأما‎ ‎التداوي‎ ‎بها فمشهور المذهب أنه لا‎ ‎يحل، وإذا قلنا: إنه لا يجوز التداوي بها ويجوز استعماله ‏للضرورة، ‏فالفرق أن‎ ‎التداوي لا يتيقن‎ ‎البرء‎ ‎بها‎" ‎التاج والإكليل مع مواهب الجليل‎ ‎بالهامش: 3/ 233‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وقال العتبي: وسئل (أي مالك) عن الذي تكون له‎ ‎القرحة أيغسلها بالبول والخمر؟ فقال: إذا أنقى ‏ذلك ‏بالماء بعد فنعم له ذلك، وأني‎ ‎لأكره الخمر في كل شيء الدواء وغيره يعمد إلى ما حرم الله في كتابه، ‏وذكر ‏نجاسته‎ ‎يتداوى به، ولقد بلغني أنها أشياء يدخلها من يريد الطعن في الدين والغض عليه، فقيل‎ ‎له: ‏فالبول ‏عندك أخف؟ فقال: نعم‎‏. ‏ ‎
‎‏ قال ابن رشد الجد في شرحه على العتبية: "إنما‎ ‎رأى غسل الجرح بالبول أخف من غسله بالخمر، ‏لأن ‏لله تبارك وتعالى قال في الخمر: أنها‎ ‎رجس، وأمر باجتنابها حيث يقول‎:‎‏{‏‎ ‎إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ ‏‏وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ‏‎ ‎الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‎ ‎‏}‏‎ ‎فاقتضى ظاهر الأمر‎ ‎باجتنابها بحمله على ‏مقتضاه ‏من العموم الشرب وغيره، والبول لم يأت فيه ذلك إلا أنه‎ ‎نجس‎ ‎بالإجماع‎ ‎، فحرم‎ ‎التداوي‎ ‎بشربه، ‏وجاز ‏الانتفاع به‎ ‎في غسل الجرح وشبهه، قياسًا على ما أجازته السنة من الانتفاع بجلد الميتة النجس‎" ‎‎ابن رشد: ‏البيان والتحصيل: 188/ 428 - 429‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ إذن مذهب إمام دار‏‎ ‎الهجرة يحرم‎ ‎التداوي‎ ‎بالخمر شربًا وغسلًا ودهنًا على المعتمد، وأما‎ ‎المذهب ‏‏الشافعي فقد قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "كتاب الأشربة والتعازير" من‎ ‎شرحه على منهجه: "كل ‏‏شراب أسكر كثيره من خمر أو غيره حرم تناوله وإن قل ولم يسكر‎ ‎لآية‎‏{‏‎ ‎إِنَّمَا الْخَمْرُ‎ ‎‏}‏‎ ‎ولخبر الصحيحين‎:‎‏ ((‏‎ ‎‎كل شراب أسكره فهو حرام‎ ‎‏))‏‎ ‎وخبر مسلم‎:‎‏ ((‏‎ ‎كل مسكر خمر، وكل‎ ‎خمر حرام‎ ‎‏))‏‎ ‎ولو كان تناوله للتداول أو ‏‏عطش لو لم يجد غيره لعموم النهي عنه‎ ‎شرح المنهج: 5/ 158‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وقيد سلمان الجمل في حاشيته على شرح‏‎ ‎شيخ الإسلام زكريا الأنصاري على منهجه كلامه بقيدين‎‏: ‏ ‎
‎‏1- ‏‎ ‎ما لم تستهلك الخمر في‎ ‎غيرها‎‏. ‏ ‎
‎‏2- ‏‎ ‎أن لا يوجد دواء طاهر يقوم مقامها‎‏. ‏ ‎
‎وإلا جاز‎ ‎التداوي‎ ‎بها‎‏. ‏ ‎
‎‏ ثم قال:‏‎ ‎والأصح‎ ‎تحريمها صرفًا لخبر‎:‎‏ ((‏‎ ‎إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم‎ ‎عليها‎‏ )). ‏ ‎
‎وأما مستهلكة مع دواء آخر فيجوز التداوي بها كصرف بقية‎ ‎النجاسات، إن عرف، أو أخبر طبيب ‏‏عدل بنفعها وتعينها بأن لا يغني عنها طاهر‏‎‏. ‏ ‎
‎‏ ولو‏‎ ‎احتيج في قطع يد متآكلة إلى زوال عقل صاحبها نحو ساعة ببنج جاز لا بمسكر مائع‎ ‎حاشية ‏‏الجمل على شرح المنهج: 5/ 158‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وجاء في آخر كتاب الأشربة‏‎ ‎لابن عابدين‎ ‎في حاشية رد المحتار على الدر المختار ما نصه: سئل‎ ‎‎ابن ‏حجر المكي‎ ‎عمن ابتلي بأكل نحو الأفيون وصار إن لم يأكل منه هلك؟‎‏ ‏ ‎
‎‏ فأجاب: إن علم ذلك قطعًا حل له بل وجب لاضطراره إلى إبقاء روحه كالميتة للمضطر،‎ ‎ويجب عليه ‏‏التدريج في تنقيصه شيئًا فشيئًا حتى يزول تولع المعدة به من غير أن تشعر‎ ‎فإن ترك ذلك فهو آثم فاسق‎‏. ‏ قال‎ ‎الرملي‎ : ‎وقواعدنا لا‎ ‎تخالفه‎ ‎نهاية المحتاج: 5/ 297‏‎‏ ‏ ‎
‎وفي المذهب الحنبلي لا يجوز‎ ‎شربها للتداوي فإن شربها لذلك لم يبح له. وعليه الحد‎‏. ‏ ودليلهم ما رواه الإمام‎ ‎أحمد‎ ‎بإسناد عن طارق بن سويد أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‎: ‎إنما ‏أصنعه ‏للدواء، فقال‎:‎‏ ((‏‎ ‎إنه‎ ‎ليس بدواء ولكنه داء‎‏ )). ‏ ‎
‎‏ وبإسناده عن مخارق‏‎‏ ((‏‎ ‎أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل‎ ‎على‎ ‎أم سلمة‎ ‎، وقد نبذت في جرة، ‏فخرج ‏والنبيذ يهدر، فقال: ما هذا؟‎ ‎فقالت: فلانة اشتكت بطنها فنقعت لها، فدافعه برجله فكسره، وقال: إن ‏الله لم ‏يجعل‎ ‎فيما حرم عليكم شفاء‎ ‎‏))‏‎ ‎ولأنه محرم لعينه، فلم يبح للتداوي كلحم الخنزير،‎ ‎ولأن الضرورة لا ‏تندفع به ‏فلم يبح‎ ‎كالتداوي‎ ‎بها فيما لا تصلح له‎ ‎ابن قدامة، المغني: 8/ 308‏‎‏ ‏ ‎
‎وبعد عرض نصوص المذاهب الأربعة‎ ‎من أمهاتها المعتمدة في الفتوى وبعد استخلاص أن ثلاثة ‏منها ‏جري فيها الخلاف في جواز‎ ‎التداوي‎ ‎بالخمر وعدم الجواز وهي الحنفي والمالكي والشافعي وأن‎ ‎‎المذهب ‏الحنبلي فقط لا يجيز شربها للتداوي فيما علمت، وبعد وضعنا نصب أعيننا ما‎ ‎رواه وائل بن حجر ‏أن طارق ‏بن سويد الجعفي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر‎ ‎فنهاه عنها: فقال‎:‎‏ ((‏‎ ‎إنما أصنعها‎ ‎‎للدواء؟ فال: إنه ‏ليس بدواء ولكنه داء‎ ‎‏))‏‎ ‎وقول‎ ‎ابن مسعود‎ ‎في‎ ‎المسكر الذي ذكره‎ ‎البخاري‎ : ‎أن الله لم يجعل ‏شفاءكم فيما حرم ‏عليكم،‎ ‎وما رواه الإمام‎ ‎أحمد‎ ‎عن مخارق: إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على‎ ‎أم ‏سلمة‎ ‎وقد نبذت نبذًا في ‏جرة، فخرج ولا نبيذ يهدر فقال‎:‎‏ ((‏‎ ‎ما هذا؟‎ ‎‏))‏‎فقالت: فلانة‎ ‎اشتكت بطنها، فنقعت ‏لها، فدفعه برجله فكسره، ‏وقال‎:‎‏ ((‏‎ ‎إن الله لم يجعل فيما حرم عليكم‎ ‎شفاء‎ ‎‏))‏‎، وبعد العلم أنه لا منازع في ‏عموم قوله تعالى‎‏{‏‎ ‎فَمَنِ اضْطُرَّ ‏غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ‎ ‎‏}‏‎ ‎وأنهم‎ ‎اختلفوا في تخصيص القرآن العام ‏بالسنة واتفقوا على عدم تخصيص ‏عموم القرآن بالحديث‎ ‎الضعيف، وبعد العلم بما أولت به هذه الأحاديث ‏وما شابهها من قبل القائلين بجواز‏‎ ‎التداوي بالمحرمات وبالمسكر منه فقالوا: إن الأحاديث المانعة من ‏التعالج بالخمر‎ ‎محمولة بالمحرمات ‏وبالمسكر منها فقالوا: إن الأحاديث المانعة من التعالج بالخمر‎ ‎محمولة ‏على أن الحرمة ارتفعت بالضرورة، أو ‏الحاجة منزلتها لما يلحق تارك التعالج‎ ‎بها من انخرام في صحته، أو ‏لحاق شديد الحرج به إن لم يتداو بها، فلم ‏تتناول‎ ‎الأحاديث المذكورة، أو أن الرسول صلى الله عليه وسلم ‏قال ذلك في أمراض عرف لها دواء‎ ‎طاهر ‏ميسور غيرا لخمر أو أنها محمولة على الخمر صرفًا‎‏. ‏ ‎
‎‏ فإذا وعينا كل‏‎ ‎هذا وأضفنا إليه أن مادة الكحول في عالمنا المعاصر لها الأثر الفعال في ميدان‎ ‎‎التطبيب ‏وقاية وعلاجًا، وأن كثيرًا من الأدوية كما جاء بالسؤال تحوي على كميات منها‎ ‎تتراوح بين 01? و ‏‏25? وأن ‏معظم هذه الأدوية من أدوية الزكام‎ ‎واحتقان‎ ‎الأنف والحنجرة‎ ‎والسعال وغيرها من الأمراض ‏المنتشرة لا سيما ‏في البلاد البردة،‎ ‎وأن هذه الأدوية تمثل ما يقارب 95? من لأدوية، وأن الحصول على ‏أدوية غير كحولية‎ ‎عملية صعبة وشاقة، وأن علما لطب أثبت لبعض الأدوية التي يتوقف علاج بعض ‏الأمراض‎ ‎عليها كالبنيسلين ‏ضررًا، ولكنه أخف من المرض المعالج به، وأن من قواعد فقهاء‎ ‎الإسلام ‏المتعارفة بينهم: أن الضرر الأشد ‏يزال بالأخف‎ ‎ابن نجيم: الأشباه‎ ‎والنظائر: 96‏‎ ‎وأنه من القدر الدواء، وأن‎ ‎‎التداوي‎ ‎إن لم يكن‎ ‎ضروريًا فهو ‏حاجي، وأن‎ ‎الحاجة عامة كانت أو خاصة تتنزل منزلة الضرورة‎ ‎السيوطي، ‏الأشباه والنظائر: 88‏‎ ‎وأن ‏الضرورة أو الحاجة‎ ‎تقدر بقدرها‎ ‎السيوطي، الأشباه والنظائر: 88‏‎‏ ‏ ‎
‎وانطلاقًا من كل‎ ‎ما سلف، وترتيبًا عليه أفتي وأنا فقير ربه محي الدين قادي وإني بدار الغربة بجواز‎ ‎‎التداوي‎ ‎بالأدوية الكحولية متى أخبر بنفع ذلك طبيب عارف بمهنته، ثقة‎ ‎فيها، ولم يوجد دواء غير كحولي ‏‏ميسور، أو كان دون الكحولي في النفع فدين الله يسر،‎ ‎وليس بعسر، والله أعلم‎‏. ‏ ‎‏ ‏‎‏ ‏
‎‏ السؤال‏‎ ‎الثالث عشر‎
‏ ‎
‎‏ هناك الخمائر والجلاتين توجد فيها عناصر مستخلصة من الخنزير‏‎ ‎بنسب ضئيلة جدًا، فهل يجوز ‏‏استعمال الخمائر والجلاتين؟‎‏ ‏ ‎
‎وفي الجواب عن هذا‎ ‎السؤال أفيد والله ولي التوفيق فأقول: هناك قاعدة مشهورة‎: " ‎الحكم على‎ ‎‎الشيء ‏فرع عن تصوره‎ ‎، ومعرفة حكم استعمال هذه الخمائر والجلاتين يتوقف على‎ ‎تصورنا لحقيقتها‎‏". ‏ ‎
‎‏ جاء في دائرة المعارف لمحمد فريد وجدي: يسمى بالخميرة أجسام‎ ‎متعضونة لا ترى إلا ‏‏بالميكروسكوب، وهي قد تكون نباتية أو حيوانية تحيا وتنمو في بعض‎ ‎الأجسام العضوية، فتحيلها إلى ‏‏متحصلات أخرى، العمل الكيماوي الذي تحدثه الخميرة‎ ‎يسمى " تخميرًا‎ " ‎دائرة المعارف: 3/ 795‏‎ ‎كما ورد ‏‏في نفس الموضوع ذكر‎ ‎الجلوتين باعتباره مادة تخمر الأشياء‎ ‎دائرة المعارف: 3/ 795‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وبهذا‏‎ ‎التصور الإجمالي لكلمتي خمائر وجلاتين، وبعد معرفتنا أن السؤال وارد عن بعض هذه‎ ‎‎الخمائر ‏والجلاتين المحتوي على نسب ضئيلة من أكياس توجد في معدة الخنزير بالنسبة‎ ‎إلى الخماير أو من ‏عظمه ‏بالنسبة إلى الجلاتين، وأن هذه النسبة الضئيلة جدًا أقول‎: ‎إن الخلاف جار بين الفقهاء في كون ‏النجاسة تطهر ‏بالاستحالة أو لا؟‎‏ ‏ ‎
‎‏ قال ميارة عن‏‎ ‎كلامه على ما يظهر بالاستحالة: "ومنه القمح النجس يزرع، فينبت هو طاهر.. ومنه ‏‏الخمر‎ ‎إذا تحجر، أي جمد، وصار طرطارًا على المشهور وكذلك إن صارت خلًا، وفي ذلك طريقتان‎‏: ‏ طريقة‎ ‎ابن رشد‎ : ‎إن تخللت بنفسها فلا خلاف في طهارتها، ومحل‎ ‎القولين إذا خللها صاحبها بالمعاناة ‏‏والمعالجة‎‏. ‏ ‎
‎والطريقة الثانية: أن القولين‎ ‎في المخللة بذاتها، والمخللة بالصنعة حكاها‎ ‎عياض‎ ‎عن وضاح‎‏. ‏ ‎
‎‏ ولأبي‏‎ ‎محمد عبد الواحد الونشريسي في نظم إيضاح المسالك لوالده‎: ‎ ‎ ‏ ولابن رشد‎ ‎حل ما تخللا‏‎ ‎ ‎ ‎ بنفسه، والخلف فيما خللا‎ ‎ ‎‏ ‏‎
‎‏ الشرح الكبير على‏‎ ‎المرشد المعين: 88 - 89‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وجاء في البيان والتحصيل‏‎ ‎لابن‎ ‎رشد‎ : "‎قال ابن القاسم في سماع عيسى من كتاب الضحايا: في ‏الجدي ‏يرضع الخنزيرة،‎ ‎أحب إلى أن لا يذبح حتى يذهب ما فيه بطنه ولو ذبح مكانه لم ير به بأسًا‎" ‎البيان ‏‏والتحصيل: 1/ 155‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ ولعل النظير والشبيه لهذه‏‎ ‎القضية المطروحة ما جرى‎ ‎بالمغرب الأقصى‎ ‎في القرن الثالث عشر ‏‏الهجري حين‎ ‎أخبر بعض الثقات ممن له مزيد فطنة، ويتيقظ أن سكر القالب الذي جلب من‎ ‎بلاد‎ ‎الروم‎ ‎، ‏‏ويجعلون فيه الدم المسفوح عند طبخه للتصفية، ثم يبالغون فيه بالعمل‏‎ ‎طبخًا وتصفية إلى أن يصير في ‏النهاية ‏من البياض والصلابة مفرغًا في القوالب على‎ ‎الشكل المواصل إلينا، وكثر التساؤل نظمًا ونثرًا عن ‏حكم ما ‏استعمل فيه من المشروبات‎ ‎والمأكولات أهو الجواز أو الحرمة؟ وتعددت الإجابات، واختلفت‎‏. ‏ ‎
‎وممن أجاب عن‎ ‎السؤال وأجاب أبو الربيع سليمان الحوات في نحو كراسة، ومما جاء في إجابته، ‏‏‏"وهب أن‎ ‎تنجيس النصارى للسكر بما ذكر، قد ثبت الثبوت المعتبر، بل تواتر فيما مضى وغبر، لا‎ ‎يحرم ‏‏أكله، ولا يمنع بيعه لطهارته بعد الاستحالة إلى صلاح، وعدم استقذاره فإنه دم‎ ‎منعقد طاهر لاستحالته إلى ‏‏صلاح، وإن كان جزء حيوان، لاتصافه بنقيض علة النجاسة، وهي‎ ‎علة الاستقذار‎ ‎وقد قال‎ ‎الحطاب‎ : ‎إن ‏جواز ‏أكله كالمعلوم من‎ ‎الدين بالضرورة، وكلام الفقهاء في أكل المحرم الطعم الممسك دليل على ذلك‎‏ . ‏ ‎
‎‏ وقد صحح البرزلي جواز استعمال ما يصبغ بالدم، أو بالبول، وأجراهما على النجاسة‎ ‎تنقلب أعيانها ‏‏إلى صلاح، وأما طهارته لكثرة الأعمال فيه، من تكرار طبخه مرارًا،‎ ‎والسكر في أوان تختلف بحسب كل ‏‏طور من أطوار طبخه، إلى غير ذلك مما في التذكرة للشيخ‎ ‎داود فكأنه به أحمر قان مائع، فإذا هو أبيض ‏‏جامد كالحجارة أو أشد لا أكثر لعين الدم‎ ‎النجس فيه بحال طعمًا ولا لونًا، لا ريحًا، وإذا تحقق ذهاب عين ‏‏النجاسة فلا معنى‎ ‎لمنع ما سواه نحو ما في الرحلة العياشية عن سيدي أحمد بن عمران في الملف الذي ‏يصنع‎ ‎ببلاد الروم‎ ‎من الصوف لمنتوف من الغنم الحية، إن الجزء النجس منها لا يبقى‎ ‎مع الأعمال الكثيرة ‏التي ‏يصير بعدها ملفًا بالغ الصنعة من دق وغسل وقصر وغزل، ونسيج‎ ‎وغير ذلك، بل يضمحل بالكلية، فلا ‏يمنع ‏حينئذ من لبسه لتحقق ذهاب عين النجاسة منه،‎ ‎ودون هذه الأعمال المتداولة على السكر والملف ‏بكثير عمل ‏الزيت المتنجس، وقد أفتى‎ ‎المازري بجواز استعماله إن لم يتغير أحد أوصافه، وقال: إنه ‏الصحيح عندي على ‏أصل‎ ‎المحققين ثم التطهير بكثرة الأعمال في المتنجس كالسكر والزيت أظهر منه في ‏نفس النجس‎ ‎الذي هو ‏الصوف المنتوف كما أنه أظهر فيهما معا من الطعام الذي طبخ فيه روث الفرس‎ ‎وهو ‏غالب على الطعام وقد ‏أفتى ابن عرفة بأكله‏‎‏. ‏ ‎
‎لا يقال: إن هذا السكر‎ ‎يحتمل عقلًا أن يبقى فيه شيء من أثر الدم النجس ولو بولغ في أعماله؛ لأنا ‏‏نقول: هذا‎ ‎الاحتمال إنما هو من جملة التجويزات العقلية وهي لا تعتبر في الأحكام الفقهية التي‎ ‎هي على ‏غلبة ‏الظن مبنية على أنه احتمال جار عقلًا في أكثر الأشياء دائمًا، إذ ما من‏‎ ‎طعام، أو شراب أو ثياب أو ‏غيرها إلا ‏وهو محتمل عقلًا لتعلق شيء من النجاسة به، ولا‎ ‎ينتفي الاحتمال عنه بتكرر الأعمال فيه أبدًا، ‏فالاستثناء إذن ‏في ذلك إنما هو إلى‎ ‎حكم العادة ولا إلى مجرد التجويز العقلي‎ ‎محمد الطالب بن حمدون بن ‏الحاج‎ ‎السلمي، ‏حاشية على الشرح الصغير لميارة علي المرشد: 146 - 147‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وقال‏‎ ‎ابن تيمية‎ ‎من فقهاء الحنابلة: الاستقراء دلنا أن كل ما بدأ‎ ‎الله بتحليله وتبديله من جنس إلى ‏جنس ‏مثل جعل الخمر خلا، والدم منيا، والعلقة مضغة،‎ ‎ولحم الجلالة الخبيث طيبا، وكذلك بيضها ولبنها و ‏الزرع ‏المسقى بالنجس إذا سقي‎ ‎بالماء الطاهر وغير ذلك، وأنه يزول حكم التنجيس، ويزول حقيقة النجس، ‏واسمه ‏التابع‎ ‎للحقيقة، وهذا ضروري لا يمكن المنازعة فيه فإن جميع الأجسام المخلوقة في الأرض فإن‎ ‎الله ‏يحولها ‏من حال إلى حال ويبدلها خلقًا بعد خلق، ولا التفات إلى موادها‎ ‎وعناصرها‎‏. ‏ ‎
‎‏ وأما ما استحال بسب كسب الإنسان كإحراق الروث حتى يصير رمادًا ووضع‏‎ ‎الخنزير في الملاحة ‏‏حتى يصير ملحًا ففيه خلاف مشهور، والقول بالتطهير اتجاه وظهور‎ ‎ابن تيمية، الفتاوى: 21/ 600 - ‏‏601‏‎‏ ‏ وانطلاقًا من كل النصوص‎ ‎الفقهية التي نقلت والمقتضية أن النجاسة تطهر بالاستحالة أفتي إخواني ‏المسلمين ‏في‎ ‎بلاد الغربة وغيرها من بلاد الإسلام بحلية ما تستعمل‎ ‎فيه الخمائر والجلاتين‎ ‎المذكورة، ‏واستعمال غيره ‏من الخمائر النباتية، أو الجلاتين التي تحتوي على نسب من‎ ‎عظم حيوانات مذكاة ويحل لنا ‏أكلها كالبقر أولى ‏وأدخل في باب اتقاء ما يريب، والله‎ ‎أعلم‎‏. ‏
السؤال‎ ‎الرابع عشر‎
‏ ‎
‎يضطر معظم المسلمين إلى إقامة حفلات الزفاف لبناتهم في‎ ‎مساجدهم، وكثيرًا ما يتخلل هذه الحفلات ‏‏رقص وإنشاد، أو غناء، ولا تتوفر لهم أماكن‎ ‎تتسع لمثل هذه الحفلات، فما حكم الإقامة هذه الحفلات في ‏‏المساجد؟‎‏ ‏ ‎
‎‏ في الجواب عن‏‎ ‎هذا السؤال أفيد والله ولي الهداية والتسديد فأقول: لقد ورد في سنة رسول الله ‏صلى‎ ‎الله عليه وسلم الأمر بإعلان النكاح، والضرب بالدفوف، ورفع الأصوات بالغناء فعن‏‎ ‎محمد بن حاطب ‏قال: ‏قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‎:‎‏ ((‏‎ ‎فصل ما بين الحلال والحرام الدف‎ ‎والصوت والنكاح‎ ‎‏))‏‎ ‎رواه ‏الخمسة ‏إلا أبا داود، وعن‎ ‎عائشة‎ ‎عن‎ ‎النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال‎:‎‏ ((‏‎ ‎أعلنوا هذا النكاح واضربوا ‏عليه‎ ‎بالغربال‎ ‎‎‏))‏‎‏9‏‎‏. ‏ ‎
‎‏ وعن‏‎ ‎ابن عباس‎ ‎قال: أنكحت عائشة ذات قرابة‎ ‎لها من الأنصار، فجاء رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم ‏فقال‎:‎‏ ((‏‎ ‎أهديتكم الفتلة؟ قالوا: نعم، قال‎: ‎أرسلتم معها من يغني؟ قالت: لا، فقال رسول الله صلى الله ‏عليه ‏وسلم: إن الأنصار قوم‎ ‎فيها غزل، فلو جمعتم معها من يقول: أتيناكم، أتيناكم ... فحيانا، وحياكم‎ ‎‏))‏‎ ‎‎رواهما‎ ‎ابن ماجه‎ ‎ابن تيمية الجد، منتقى الأخبار، كتاب النكاح،‎ ‎باب الدف واللهو في النكاح: 6/ 336‏‎‏ ‏ ‎
‎وفي هذه الأحاديث التي سقتها دليل‎ ‎على جواز ضرب الأدفاف، ورفع الأصوات بشيء من الكلام ‏‏نحو: أتيناكم الخ.. وما يشاكله،‎ ‎لا بالأغاني المهيجة للشرور، المشتملة على وصف الجمال والفجور، ‏ومعاقرة ‏الخمور فإن‎ ‎ذلك يحرم في النكاح كما يحرم في غيره، وكذلك سائر الملاهي الملهية‎ ‎الشوكاني،‎ ‎نيل ‏الأوطار: ‏‏6/ 337‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وقلت في صدر الكلام: ورد الأمر في السنة وظاهر‎ ‎الأمر الوجوب ولعله لا قائل به فيكون مسنونًا‎ ‎‎الصنعاني، سبل السلام: 3/ 117‏‎ ‎وذلك بالشرط السالف الذكر‎‏. ‏ ‎
‎‏ إذن حفلات الزفاف إذا روعيت فيها‏‎ ‎الآداب الإسلامية مندوب غليها مرغب فيها لكن إقامتها في ‏‏المساجد هي مركز الاهتمام،‎ ‎قال‎ ‎محمد بن رشد‎ : ‎المساجد إنما اتخذت لعبادة الله عز وجل‎ ‎بالصلاة والذكر ‏‏والدعاء فينبغي أن تنزه عما سوى ذلك، قال الله عز وجل‎‏{‏‎ ‎فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ‎ ‎‏}‏‎ ‎‎أي‎ ‎أمر بذلك، ومن ترفيعها ألا ينشد فيها الشعر‏‎ ‎البيان والتحصيل: 1/ 237‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وقال خاتمة المحققين‏‎ ‎ابن عابدين‎ ‎الحنفي: ونهى‎ ‎رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنشد الأشعار ‏في ‏المسجد.. ووفق بينه وبين ما ورد‎ ‎أنه صلى الله عليه وسلم وضع لحسان منبرًا ينشد عليه الشعر، ‏يحمل الأول ‏على ما كانت‏‎ ‎قريش تهجو به ونحوه مما فيه ضرر، أو على ما يغلب على المسجد حتى يكون ‏أكثر من فيه‎ ‎مشتغلًا به‎ ‎رد المحتار على الدر المختار: 1/ 444‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وقيد رحمه‏‎ ‎الله الإنشاء بنشيد الأعراب وهو إنشاد الشعر من غير لحن‎ ‎رد المحتار على الدر‎ ‎‎المحتار: ‏‏1/ 443‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ والقضية التي وقعت الإشارة إليها في كلام‏‎ ‎ابن‎ ‎رشد‎ ‎الجد عجوز المذهب كما يلقب عند المالكية، ‏وعند ‏العلامة‎ ‎ابن‎ ‎عابدين‎ ‎الذي أدركنا شيوخنا بجامع الزيتونة يلقبونه بخاتمة المحققين، في المذهب‎ ‎‎النعماني هي ‏جواز إنشاد الشعر بالمساجد أو منعه، واختلاف الفقه في ذلك لورود أحاديث‎ ‎متعارضة في ‏ظاهرها، فقد روى‎ ‎البخاري‎ ‎عن‎ ‎أبي هريرة‎ ‎رضي‎ ‎الله عنه: أن‎ ‎عمر‎ ‎رضي الله عنه مر‎ ‎بحسان بن ثابت‎ ‎‎رضي الله‎ ‎عنه ينشد في ‏المسجد فلحظ إليه –أي نظر إليه وكان حسان فهم من نظرة‎ ‎عمر‎ ‎إنكاره لصنيعه) ‏فقال: قد كنت أنشد فيه، ‏وفيه خير منك –يقصد رسول الله صلى الله‎ ‎عليه وسلم- متفق عليه‏‎‏. ‏ ‎
‎وفي هذا الحديث الشريف جواز إنشاد الشعر في المسجد، وقد‎ ‎عارضته أحاديث أخر، منها ما أخرجه ‏‏ابن خزيمة وصححه‎ ‎الترمذي‎ ‎من حديث‎ ‎عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله صلى الله ‏عليه ‏وسلم عن تناشد‎ ‎الأشعار في المسجد‎‏. ‏ ‎
‎‏ وقد وقع الجمع بين هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض بما‏‎ ‎ذكره العلامة‎ ‎ابن عابدين‎ ‎وبغيره لكن ‏‏الوجه الأخير من وجه التوفيق‎ ‎بين هذه الأحاديث المتعارضة هو الصواب، والوجه الأول مردود بحديث ‏جابر ‏بن سمرة الذي‎ ‎رواه الإمام‎ ‎أحمد‎ ‎عنه قال‎:‎‏ ((‏‎ ‎شهدت النبي صلى الله عليه وسلم أكثر‎ ‎من مائة مرة في ‏المسجد ‏وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت،‎ ‎فربما تبسم معهم‎ ‎‏))‏‎ ‎أخرجه ‏الترمذي وقال: ‏حديث صحيح‎‏. ‏ ‎
‎‏ وفي هذا‏‎ ‎الحديث التصريح بأنهم يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية، فيكون المنهي عنه ما‎ ‎‎إذا ‏كان التناشد غالبًا على المسجد حتى يتشاغل به من فيه، وقد قيد‎ ‎ابن‎ ‎العربي‎ ‎إنشاد الشعر في المسجد ‏بعدم رفع ‏الصوت بالإنشاد بحيث يشوش بذلك على مصل‎ ‎أو قارئ أو منتظر الصلاة، فإن أدى إلى ذلك كره، ‏ولو قيل ‏بتحريمه لم يكن بعيدًا‎ ‎الشوكاني، نيل الأوطار: 2/ 168‏‎ ‎وقال‎ ‎الونشريسي‎ ‎من فقهاء المالكية: أجاز ‏الشيوخ ‏قراءة الحساب في المسجد وإعراب الأشعار الستة‎ ‎بخلاف قراءة المقامات لما فيها من الكذب ‏والفحش، وكان ‏ابن البراء بالجامع الأعظم‎ ‎بتونس‎ ‎لا يقرؤها فيه إلا بالدويرة منه، إذ ليس للدويرة حكم ‏الجامع‎‏ . ‏ ‎
‎‏ قال‏‎ ‎ابن عرفة‎ : ‎وفي فتوى‎ ‎ابن رشد‎ ‎بإدخال من لا غنى له عن مبيته بالمسجد من سدنته لحراسته، ‏‏ومن اضطر لمبيت به من‎ ‎شيخ ضعيف أو زمنٍ أو مريض، أو رجل لا يستطيع الخروج ليلًا للمطر والريح ‏‏والظلمة‎ ‎ظروفًا لها للبول نظر، لأن ما يجوز له اتخاذه بها غير واجب، وصونها عن ظروف البول‎ ‎واجب، ‏‏ولا يخل في نفل بمعصية، ولا تسل به سيوف، ولا يحدث به حدث الريح، وعمل‎ ‎الحبشة‎ ‎به منسوخ‎ ‎،‎ ‎قال‎ ‎‎عياض‎ : ‎ولأنه من أعمال‎ ‎البر‎‏. ‏ ‎
‎‏ وأفتى ابن لبابة أيضًا وأصحابه بعدم منع المستحلقين في المسجد للخوض‏‎ ‎في العلم وضروبه لفعل ‏‏الأئمة‎ ‎ومالك‎ ‎، قال سهل: إطلاقه غير صحيح إنما‎ ‎ذلك لمن يوثق بعلمه ودينه، وقصر كلامه على ما يعلمه ‏‏في غير أوقات الصلوات حتى لا‎ ‎يضر بالمصلي، أهـ‎‏. ‏ ‎‏ ‏ ‎
‎‏ قال ابن عرفة: وهذا التقييد صحيح لانعقاد‎ ‎الإجماع‎ ‎على عدم قبول الفتيا من مجهول الحال حتى ‏يشتهر ‏بالعلم والدين‎ ‎المعيار: 11/ 13‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ فإذا كانت المقامات لا تقرأ بجامع الزيتونة من‏‎ ‎طرف لإمامة ابن البراء فيه وإنما تقرأ في الدويرة: ‏‏بالرغم على أنها تقرأ للتعلم أو‏‎ ‎التعليم‎‏. ‏ ‎
‎‏ وإذا منع من اضطر لمبيت بالمسجد من مريض وزمن، وعاجز عن الخروج بالليل‏‎ ‎لمطر لاحتياجه ‏‏إلى ظروف البول، والواجب تنزيه المسجد عنها، جريًا على القاعدة التي‎ ‎رواها‎ ‎أشهب‎ ‎عن‎ ‎مالك‎ : ‎لا يدخل ‏في ‏نفل بمعصية، وإذا‎ ‎كان رقص‎ ‎الحبشة‎ ‎في المسجد النبوي الشريف بالدف والحراب بحضرة المصطفى‎ ‎‎صلى ‏الله عليه وسلم وهو مدرسة لتعلم فنون الحرب في ذلك الزمن قد اختلف العلماء فيه،‎ ‎فمن قائل بالنسخ ‏ومن ‏قائل: إنه عمل من أعمال البر‎‏. ‏ ‎
‎‏ وإذ كانت حِلَقِ العلم تقيد‏‎ ‎العلوم والمعارف التي تلقى فيها بعلم الحق، حتى لا يقال في بيت من بيوت ‏‏الله أن‎ ‎ترفع باطل، وبصحة الدين حتى تراعى آداب المسجد، ويقيد وجودها في غير أوقات الصلوات‎ ‎حتى لا ‏‏يشغل ذلك مصلٍّ وإلا كان المنع منها‎‏. ‏‎
‎‏ وإذا كان هذا التقييد من طرف بن‏‎ ‎سهل بما ذكر لكلام ابن لبابة يكفي التأييد من الإمام ابن عرفة ‏رحمه ‏الله مدعمًا له‎ ‎بأن‎ ‎الإجماع‎ ‎على عدم قبول الفتيا من مجهول الحال حتى يشتهر بالعلم‎ ‎والدين‎‏. ‏ ‎
‎‏ وإذا كان كل ذلك فكيف تنتهك حرمة المسجد الذي هو بيت الله، ومكان‏‎ ‎العبادة والذكر والتسبيح، ‏‏بالغناء المثير للشهوة الجنسية، وبالرقص الذي هو من أعظم‎ ‎المهيجات لها في شتى أنماطه وأشكاله في ‏التي ‏تشتمل على تثن وانعطاف لا سيما النمط‎ ‎الغربي فهو مغرق في التهييج لها، وصورة مصفرة من الزنا، ‏هذا ‏أولًا، وثانيًا: سئل‎ ‎إمام دار الهجرة عن الغناء الذي يفعل‎ ‎بالمدينة‎ ‎فقال: إنما يفعله عندنا‎ ‎الفساق‎‏. ‏ ‎‏ ‏‎
‎‏ وهذا محمول على غناء النساء، وأما الرجال فغناؤهم مذموم أيضًا،‏‎ ‎بحيث إذا داوم أحد على فعله أو ‏‏سماعه سقطت عدالته، لما فيه من إسقاط المروءة‎ ‎ومخالفة السلف، حكى‎ ‎عياض‎ ‎عن التميمي أنه قال: كنا ‏عند‎ ‎مالك‎ ‎وأصحابه حوله فقال رجل من أهل‎ ‎نصيبين‎ : ‎يا أبا عبد الله،‎ ‎عندنا قوم يقال لهم الصوفية، يأكلون ‏كثيرًا، ‏ثم يأخذون في القصائد ثم يقومون‎ ‎فيرقصون؟ فقال مالك: أصبيان هم؟ قال: لا، قال: أمجانين هم؟ ‏قال: لا، ‏قوم مشائخ وغير‎ ‎ذلك عقلاء، فقال مالك: ما سمعت أحدًا من أهل الإسلام يفعل هذا‎‏. ‏ ‎
‎‏ انظر كيف أنكر‏‎ ‎مالك‎ ‎وهو إمام السنة أن يكون في أهل الإسلام من يفعل هذا إلا أن‏‎ ‎يكون مجنونًا أو ‏‏صبيًا، فهذا بين أنه ليس من شأن الإسلام، ثم يقال: ولو جعلوه على‎ ‎جهة اللعب كما يفعله الصبي، لكان ‏أخف ‏عليهم مع ما فيه من إسقاط الحشمة وإذهاب‏‎ ‎المروءة، وترك هدي أهل الإسلام وأرباب العقول‎ ‎‎المعيار: 11/ ‏‏41‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ ولنتأمل في نص هذه الفتوى من إمام دار الهجرة ومن التعليق عليها الوارد‏‎ ‎في معيار الونشريسي ‏في ‏الغناء والرقص، ولنقف عند الغناء في أي مكان من الغناء‎ ‎المحتوي على الغزل والفجور صناعة الفساق ‏وعد ‏الرقص ولو من طرف من يفعلونه تقربًا‎ ‎إلى الله كالصوفية من‎ ‎البدع‎ ‎المنكرة، لنعرف على أي خطر ‏سيقدم من‏‎ ‎يقيم حفلة فيها رقص وغناء في بيت من بيوت الله التي أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه،‎ ‎لأنه ‏يمارس في ‏المسجد الغناء وهو فعل الفساق، والرقص ذا التثني والانعطاف والمثير‎ ‎للشهوة وهو صورة ‏مصغرة من الزنا ‏إذا كان في شكله الغربي، ولا ضرورة تدعو لذلك حتى‎ ‎في غير المساجد، إذ الضرورة هي ‏التي إذا فقدت لم ‏تجر مصالح الدنيا على استقامة يدل‎ ‎على فساد وفوت حياة وفي الآخرة فوت النجاة ‏والنعيم‎. ‎الشاطبي: ‏الموافقات 2/ 4‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وانطلاقًا من كل ذلك أُفتي بحرمة التجمعات المختلطة من الجنسين في‏‎ ‎المساجد إذا لم تراع فيها ‏الآداب ‏المطلوبة في الفقه الإسلامي من جلوس المرأة في قاع‎ ‎المسجد، وبحرمة ممارسة الرقص والغناء في ‏المساجد ‏وعد ذلك من أشد المنكرات المسقطة‎ ‎للعدالة والمذهبة للمروءة. والله أعلم‎‏. ‏ ‎‎‏ ‏
السؤال‎ ‎الخامس عشر‎
‏ ‎
‎ما حكم زواج الطالب والطالبة المسلمة زواجًا لا ينوي‎ ‎استدامته، بل النية منعقدة عنده على إنهائه ‏‏بمجرد انتهاء الدراسة والعزم على العودة‎ ‎إلى مكان الإقامة الدائم ولكن العقد يكون –عادة- عقدًا عاديًا ‏وبنفس ‏الصيغة التي‎ ‎يعقد بها الزواج المؤبد فما حكم هذا الزواج؟‎‏ ‏ ‎
‎‏ وفي الجواب عن هذا السؤال أقول‏‎ –‎ومنه جل جلاله بلوغا المأمول-: إن حكم زواج الطالب المسلم ‏‏بدار الغربة زواجًا لا‎ ‎ينوي استدامته، بل نيته منعقدة على إنهاءه بمجرد انتهاء الدراسة، والعزم على ‏العودة‎ ‎إلى دار الإسلام الجواز‎‏. ‏ ‎
‎جاء في الشرح الكبير لأبي البركات سيدي‎ ‎أحمد‎ ‎الدردير‎ : ‎وحقيقة نكاح المتعة الذي يفسخ أبدًا أن ‏يقع ‏العقد مع ذكر الأجل‎ ‎للمرأة أو وليتها، وأما إذا لم يقع ذلك في العقد، لم يعلمها الزوج بذلك، وإنما قصده‎ ‎‎في ‏نفسه، وفهمت المرأة أو وليها المفارقة بعد مدة فإنه لا يضر‎‏ . ‏ ‎
‎‏ وهي فائدة‏‎ ‎تنفع المتغرب‎ ‎الشرح الكبير: 2/ 239‏‎ ‎لكن‎ ‎قال‎ ‎مالك‎ –‎رحمه الله- ليس من أخلاق الناس‏‎ ‎‎د. ‏محمد سويسي، الفتاوى التونسية في‎ ‎القرن الرابع عشر الهجري: 2/ 812 مرقونة‏‎. ‎المعنى أن النكاح ‏كما ذكر ‏في قول‎ ‎أبي البركات صحيح في قول عامة أهل العلم إلا‎ ‎الأوزاعي‎ ‎قال‎: ‎هو نكاح المتعة‎‏ . ‏ ‎
‎‏ ثم قال: إنه لا بأس به، ولا تضر نيته،وليس على الرجل أن‎ ‎ينوي حبس امرأته وحبسه إن وافقته ‏وإلا ‏طلقها‎. ‎ابن قدامة. المغني: 6/ 665‏‎‏ ‏ ‎
‎وأما المطالبة الواردة في السؤال فهي مقحمة لا معنى لإقحامها في السؤال،‎ ‎إذ المرأة لا تملك فك ‏‏العصمة، وإنما ذلك ملك للزوج قال عليه الصلاة والسلام "إنما‎ ‎الطلاق لمن أخذ بالساق" رواه‎ ‎الدارقطني‎ ‎‎وابن ‏ماجة، وأخرجه‎ ‎الطبراني‎ ‎وابن عدي. ولكن قال شيخنا محمد الحطاب بوشناق المفتي الحنفي‎ ‎بمحروسة‎ ‎‎تونس‎ ‎سابقًا: وإنما للمرأة أن تشترط وقت النكاح أن تكون‎ ‎عصمتها بيدها فيصير الطلاق حينئذ من حقوقها ‏توقعه في ‏أي وقت‎. ‎د. محمد سويسي،‏‎ ‎الفتاوى التونسية في القرن الرابع عشر الهجري: 2/ 810 مرقونة‏‎‏. ‏ ‎
‎‏ وترتيبًا‏‎ ‎على ما ذكر أفتي - وأنا الفقير إلى ربه الغني محيي الدين قادي - إخواني بدار الغربة‏‎ ‎‎بذلك. ‏والله أعلم‎‏. ‏ ‎‏ ‏
السؤال‎ ‎السادس عشر‎
‏ ‎
‎بعض الحكومات النصرانية (خاصة في‎ ‎أمريكا الجنوبية‎ ) ‎تفرض على رعاياها التسمي بالأسماء ‏‏النصرانية، وتضع قوائم بأسماء اختارتها‎ ‎للأطفال ذكورًا كانوا أو إناثًا، ولا تسمح بتسجيل المواليد بأسماء ‏‏تختار من غير هذه‎ ‎القوائم، فما حكم تسمي المسلمين بهذه الأسماء؟ وما الحلول التي تقترحونها في هذه‎ ‎‎الأحوال؟‎‏ ‏ ‎
‎‏ وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد –والله ولي الفتح والتسديد-: التسمي‎ ‎بالأسماء النصرانية جائز ‏للمسلم ‏ما لم يكن فيه انتماء لصنم، أو وثن، أو عبودية لغير‎ ‎الله كعبد المسيح، أو تبرك بمتعبداتهم كابن ‏كنيسة القيامة، ‏أو نصراني أو نصرانية‎ ‎يزعمون أنهما من الصالحين، ولم يثبت ذلك عندنا، أما إذا جاء في ‏شرعنا الإسلامي‎ ‎نسبته إلى الصلاح كمتى ويهوذا، أو برنبا من حواري السيد المسيح عليه السلام فيجوز‎ ‎‎للمسلم أن يسمي ابنه ‏بذلك الاسم، بل يندب إليه لأنه اسم لولي من أولياء الله، ولأنه‎ ‎قصد به التفاؤل، أو ‏إشعار بتزكية كصلاح الدين ‏ومحيي الدين ذكر ذلك العلامة‎ ‎ابن عابدين‎ ‎وذكر أن بعض المالكية ألف في منع ‏الأسماء المشعرة بتزكية‎ ‎مؤلفًا ‏خاصًا، ونقل عن‎ ‎القرطبي‎ ‎المالكي التصريح بذلك في شرح أسماء‎ ‎الله ‏الحسنى، كما نقل عن الإمام النووي أنه ‏كان يكره من يلقبه بمحيي الدين، يقول‎: ‎لا أجعل من دعاني به في ‏حل‎. ‎يراجع رد المحتار على الدر المختار ‏لابن عابدين‎: ‎‏5‏‎/ ‎‏268‏‎ - ‎‏269‏‎‏ ‏ ‎
‎فإذا خلا الاسم النصراني أو غيره عما ذكرته جاز بصورة‎ ‎عامة، وندب إذا قصد به صاحبه التفاؤل ‏‏لمن سماه به كما ذكرت‎‏. ‏ ‎‏ ‏‎
‎‏ ويندب‏‎ ‎لإخواننا المسلمين في بلاد الغربة أن يراعوا الآداب التي نص عليها فقهاء الإسلام في‎ ‎تسمية ‏‏البنين والبنات ما استطاعوا لذلك سبيلًا، فيختارون من ضمن هذه القوائم ما‎ ‎تعريبه عبد الله، أو عبد ‏الرحمن، ‏إن وجد هذان الاسمان في القوائم المعدة المفروضة‎ ‎على المتواجدين ببعض الحكومات النصرانية، ‏لقوله صلى ‏الله عليه وسلم في الحديث الذي‎ ‎رواه مسلم من طريق نافع عن‎ ‎ابن عمر‎ ‎رفعه‎:‎‏ ((‏‎ ‎إن أحب ‏أسمائكم إلى الله عبد ‏الله‎ ‎وعبد الرحمن‎ ‎‏))‏‎ ‎واختار له اسمًا من أسمائه عليه الصلاة والسلام غير المشهور‏‎ ‎‎به كمحمد‎ ‎وأحمد‎ ‎فمثلًا ‏يسميه "الطيب" أو من أسماء إخوانه الرسل على‎ ‎نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأزكى ‏السلام كإلياس واليسع ‏ودنيال، لما روى عن‎ ‎سعيد بن المسيب‎ ‎أنه قال‎:‎‏ ((‏‎ ‎أحب الأسماء إلى الله تعالى ‏أسماء‎ ‎الأنبياء‎ ‎‏))‏‎ ‎ولا تعارض ‏بين الحديث الأول وبين هذا الحديث، إذ الأول محمول‎ ‎على من أراد التسمي ‏بالعبودية، لأن أهل الجاهلية ‏كانوا يسمون عبد شمس عبد الدار‎ ‎وإلا فمحمد وأحمد ومحمود أحب إلى الله ‏تعالى من جميع الأسماء، فإنه لم ‏يختر لرسوله‎ ‎صلى الله عليه وسلم إلا أحب الأسماء إليه، هذا هو ‏الصواب، ولا يجوز حمل الحديث‎ ‎الأول ‏على الإطلاق‎. ‎يراجع رد المحتار لابن عابدين: 5/ 268‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وأنا‏‎ ‎أقول: إن باقي الخمس والعشرين من الرسل المذكورين في القرآن الكريم ليس فيهم واحد‎ ‎مدعو ‏‏بعبد الله، أو عبد الرحمن، وقد سمى رسول الله أبناءه الذكور –خلا عبد الله‎- ‎بغير العبودية فسمى مثلًا ابنه ‏من ‏مارية القبطية إبراهيم" عليه السلام باسم أبينا‎ ‎إبراهيم عليه السلام‎‏. ‏ ‎
‎‏ وكذلك هم مطلوبون على وجه الندب بتحسين أسماء أولادهم من‏‎ ‎ضمن تلك القوائم "كوروجو" أي ‏‏الشجاع اسم حسن، و"شربوني" أي الفحام اسم خلاف ذلك‎‏. ‏ ‎‏ ‏‎
‎فعن ابن المسيب عن أبيه أن أباه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم‎ ‎فقال‎:‎‏ ((‏‎ ‎ما اسمك؟‎ ‎‏))‏‎ ‎قال‎: ‎‎حزن، ‏قال‎:‎‏ ((‏‎ ‎أنت سهل‎ ‎‏))‏‎،‎ ‎قال: لا أغير اسمًا سمانيه أبي، قال ابن المسيب: ما زالت الحزونة فينا بعد" ‏ومقياس‎ ‎الاسم الحسن هو: أن لا تستكَّ من سماعه المسامع، وأن يصل إلى النفس من أقرب سبيل،‎ ‎ويؤخذ ‏منه فأل ‏حسن، وقد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما رواه أبو‎ ‎داود‎‏ ((‏‎ ‎العاصي وعتلة، ‏وشيطانًا،‎ ‎وغربا، ‏وحبابا، وشهابا، وحربا‎ ‎‏))‏‎ ‎وكان لعمر بنت تسمى عاصية فسماها جميلة،‎ ‎روى‎ ‎مالك‎ ‎في ‏الموطأ في كتاب ‏الجامع فيما يكره من الأسماء عن‎ ‎يحيى بن سعيد‎ ‎أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ‏للقحة تحلب‎:‎‏ ((‏‎ ‎من ‏يحلب هذه؟‎ ‎‏))‏‎ ‎فقام رجل‎ ‎فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‎:‎‏ ((‏‎ ‎ما اسمك؟‎ ‎‏))‏‎ ‎‎فقال له الرجل‎: ‎مرة، ‏فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‎:‎‏ ((‏‎ ‎اجلس‎ ‎‏))‏‎، ثم قال‏‎:‎‏ ((‏‎ ‎من يحلب هذه؟‎ ‎‏))‏‎ ‎‎فقام رجل،‎ ‎فقال له رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم‎:‎‏ ((‏‎ ‎ما اسمك؟‎ ‎‏))‏‎ ‎فقال: حرب، فقال‎ ‎له رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم‎:‎‏ ((‏‎ ‎اجلس‎ ‎‏))‏‎، ثم ‏قال: ((‏‎من يحلب هذه؟‎ ‎‏))‏‎ ‎فقام رجل، فقال له رسول الله صلى الله عليه‎ ‎‎وسلم‎:<<‎ما اسمك؟‎>> ‎فقال يعيش، ‏فقال له رسول الله صلى‎ ‎الله عليه وسلم‎:‎‏ ((‏‎ ‎احلب‎ ‎‏))‏‎ ‎وروي عنه أيضًا ‏في نفس الكتاب والباب: أن‎ ‎عمر بن ‏الخطاب‎ ‎قال لرجل: ما اسمك؟ فقال: جرمة. فقال: ابن من؟ فقال‎: ‎ابن ‏شهاب‎ ‎، قال: ممن؟ قال: من الحرقة، ‏قال: أين مسكنك؟ قال: بحرة النار ، قال: بأيها؟‎ ‎قال: بذات لظى ، قال ‏عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا، قال: ‏فكان كما قال عمر بن الخطاب‎ – ‎رضي الله عنه‎‏. ‏ ‎
‎‏ والحديث الأول ما تضمنته ليس طيرة لأنه من المحال أن ينهى عليه‏‎ ‎الصلاة والسلام عن الطيرة ‏‏ويتطير، وإنما هو من باب الفأل الحسن وقد كان أخبرهم عن‎ ‎سيئ الأسماء: حرب ومرة، وأكد ذلك حتى لا ‏‏يتسمى بهما أحد‎‏. ‏ ‎‎‏ ‏‎
‎‏ والحديث‏‎ ‎الثاني كذلك يأمر بتحسين الاسم واحتوائه على فأل حسن، والأمر بتحسين الأسماء،‎ ‎‎وبتغيير ‏الاسم إلى ما أحسن منه ليس على سبيل الوجوب كما ذكر ذلك ابن بطال في شرحه‎ ‎لحديث‎ ‎سعيد بن ‏المسيب‎ ‎، ‏وقد ورد ذلك صريحًا فيما أخرجه أبو داود وصححه‎ ‎ابن حبان‎ ‎من حديث‎ ‎أبي الدرداء‎ ‎رفعه‎:‎‏ ((‏‎ ‎‎إنكم تدعون يوم ‏القيامة بأسمائكم‎ ‎وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم‎.. ‎‏))‏‎ ‎ورجاله ثقات، قال‎ ‎الطبري‎ ‎، لا ‏تنبغي التسمية باسم قبيح ‏المعنى، ولا باسم يقتضي التزكية له، ولا باسم‎ ‎معناه السب‎. ‎ابن حجر: الفتح: ‏‏10/ 755 و 757‏‎ ‎وليلاحظ أن ‏ابن جرير لا‎ ‎يرى في الاسم المُشْعِر بتزكية أكثر من ترك مندوب بينما يراه‎ ‎‎ابن عابدين‎ ‎كما أسلفت من الحرام ‏التسمية به، وهو مذهب المالكية للنهي عن تزكية النفس‎ ‎قرآنًا وسنة، أما ‏القرآن فقوله تعالى‎‏{‏‎ ‎أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ ‏يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ‎ ‎يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلًا‎ ‎‏}‏‎ ‎والآية ‏تقتضي الغض من المزكي لنفسه‎ ‎بلسانه، ‏والإعلام بأن الزاكي المزكى من حسنت أفعاله وزكاه الله عز ‏وجل، فلا عبرة‎ ‎بتزكية الإنسان نفسه، وإنما ‏العبرة بتزكية الله له‎‏. ‏ ‎
‎وفي صحيح مسلم عن محمد بن‎ ‎عمرو بن عطاء قال‎:‎‏ ((‏‎ ‎سميت ابنتي‎ ‎برة فقالت لي زينت بنت أم ‏‏مسلمة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا‎ ‎الاسم، وسميت بَرَّةَ، فقال رسول الله صلى الله ‏عليه ‏وسلم: لا تزكوا أنفسكم، الله‎ ‎أعلم بأهل البر منكم، فقالوا: بم نسميها؟ فقال: سموها زينب‎ ‎‏))‏‎ ‎فقد دل ‏الكتاب‎ ‎والسنة على حرمة أن يزكي الإنسان نفسه،‎ ‎قال‎ ‎القرطبي‎ ‎وعقب‎ ‎عليه بقوله: ويجري هذا المجرى ما ‏قد كثر ‏في هذه الديار المصرية من نعتهم أنفسهم‎ ‎بالنعوت التي تقتضي التزكية كزكي الدين ومحيي الدين ‏وما أشبه ‏ذلك، ولكن لما كثرت‎ ‎قبائح المسلمين بهذه الأسماء ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها فصارت لا ‏تفيد شيئًا‎ . ‎القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: 5/ 246‏‎‏ ‏ ‎‏ ‏‎
‎‏ وإن لم يتسن‏‎ ‎لإخواننا المسلمين في بلاد الغربة مراعاة الآداب المطلوبة في تسمية الولد فالتسمية‎ ‎‎باسم ‏لم يذكر الله تعالى في عباده، ولا ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،‎ ‎ولا استعمله المسلمون ‏فالأولى ‏أن لا يفعل كما تكلموا، هذا ما قاله‎ ‎ابن‎ ‎عابدين‎ ‎، والمسلم مختار في تسمية ولده تمام الاختيار ‏وليس مجبورًا ‏على قوائم‎ ‎بعينها لا يتجاوزها، والظاهر أنه في الأسماء البديعة لا ما عرف من أسماء ‏المسلمين‎ ‎من فرس ‏كقاشاني، أو روم كمارية أو غيرها بعد الفتوح الإسلامية ودخول أمم عديدة في‎ ‎الإسلام ‏وبقائها على أسمائها، ‏لأن‎ ‎الأحكام الشرعية‎ ‎لا تناط‎ ‎بالأسماء، وقد أخطأ بعض الفقهاء في صنف من الحيتان ‏يسميه البعض خنزير ‏البحر،‎ ‎فقالوا: يحرم أكله لأنه خنزير، ومن أجل ألا يقع خطأ في إناطة الحكم بالاسم ‏كره‎ ‎مالك‎ –‎رضي الله ‏عنه- أن يسمى هذا النوع من الحيتان بخنزير الماء، ومن أجل‏‎ ‎أن المراعى في ‏التسمية اقتران الاسم بصفته ‏وحقيقته، وأن لا يفتى بحلية التسمية به‎ ‎أو حرمة ذلك إلا بعد معرفة ما ذكر ‏أنذر رسول الله طائفة من أمته ‏يشربون الخمر‎ ‎يسمونها بغير اسمها منكرًا ذلك عليهم فقال‏‎:‎‏ ((‏‎ ‎ليشربن ناس ‏من أمتي الخمر يسمونها‎ ‎بغير ‏اسمها‎ ‎‏))‏‎ ‎رواه‎ ‎أحمد‎ ‎وابن أبي شيبة، فتغيير الاسم لا يؤثر‎ ‎بمنطوق الحديث ‏الشريف في تحليل الحرام، كذلك لا ‏يكون مؤثرًا في تحريم الحلال،‎ ‎وبعبارة أحوط واشمل لا تكون الأسماء ‏مناط الأحكام، ولكنها تدل على مسمى ‏ذي أوصاف‎ ‎تلك الأوصاف هي مناط الأحكام فالمنظور إليه هو ‏الأوصاف خاصة‎ ‎سماحة الأستاذ‎ ‎الإمام محمد ‏الطاهر ابن عاشور –رحمه الله- المقاصد: 0/ 155 – 111- ‏‏112 بتصرف‏‎ ‎واختصار‎. ‎فالاسم النصراني ما ‏خلا عما اشترطناه في صدر هذه الفتوى وقعت‎ ‎التسمية به ‏على ما وصفت في الحكم، وليس ذلك من الركون ‏إلى الكفار المنهي عنه بقوله‎ ‎تعالى‎‏{‏‎ ‎وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ‏ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ‎ ‎‏}‏‎ ‎لأن‎ ‎المسلم لا يميل كما هو ‏إطار السؤال إلى الأسماء الموجودة بهذه القوائم، ولكن لا‎ ‎‎مندوحة له عنها‎‏. ‏ ‎
‎‏ وانطلاقًا من كل ذلك وترتيبًا على ما ذكر أفتي وأنا الفقير إلى‏‎ ‎مولاه الغني محيي الدين قادي إخواني ‏‏في بلاد الغربة أن يسموا أبناءهم بالأسماء‎ ‎النصرانية ما خلت عن شرك أو تبرك بمن يزعمه النصارى من ‏‏الصالحين أو تزكية، أو تحريف‎ ‎لاسم مقدس في الإسلام وله حرمة، والله أعلم، وهو ولي التوفيق‎‏. ‏ ‎‎‏ ‏
السؤال‎ ‎السابع عشر‎
‏ ‎
‎ما حكم ظهور المرأة في محلات العمل، أو الدراسة بعد أن تأخذ‎ ‎من شعر حاجبيها وتكتحل؟‎‏ ‏ ‎
‎‏ وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد –والله الموفق للصواب‎-: ‎أن أخذ المرأة من حاجبيها جرى فيه ‏‏الخلاف بين فقهاء الإسلام فقد جاء في أحكام‎ ‎القرآن‎ ‎لابن العربي‎ ‎أن ذلك من تغيير خلق الله حيث يقول وهو ‏‏يفسر ما‎ ‎اشتمل عليه قوله تعالى‎:‎‏{‏‎ ‎وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ‎ ‎الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ ‏خَلْقَ ‏اللَّهِ‎ ‎‏}‏‎ ‎الآية‎‏. ‏ ‎
‎‏ المسألة السادسة‏‎:‎‏ ((‏‎ ‎لعن رسول‎ ‎الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والمستوشمة والنامصة ‏والمتنمصة ‏والواشرة‎ ‎والمؤتشرة، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله‎‏ )) . ‏ ‎
‎‏ وذكر أن النامصة‎ ‎ناتفة الشعر تتحسن‎. ‎القرطبي: 1/ 501‏‎‏ ‏ ‎
‎قال‎ ‎القرطبي‎ : ‎واختلف في المعنى الذي نهى لأجلها، فقيل: لأنها من باب‎ ‎التدليس، وقيل: من باب ‏تغيير ‏خلق الله. كما قال‎ ‎ابن مسعود‎ ‎وهو أصح،‎ ‎وهو يتضمن المعنى الأول‎‏. ‏ ثم قيل: هذا المنهي عنه إنما هو فيما يكون باقيًا،‎ ‎لأنه من باب تغيير خلق الله تعالى، فأما ما لايكون باقيًا ‏‏كالكحل والتزين به للنساء‎ ‎فقد أجاز العلماء ذلك‎: ‎مالك‎ ‎وغيره، وكرهه‎ ‎مالك‎ ‎للرجال‎‏ ‏ ‎
‎‏ قال الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور –رحمه الله-: وليس‎ ‎من تغيير خلق الله التصرف في ‏‏المخلوقات بما أذن الله فيه، ولا ما يدخل في معنى‎ ‎الحسن فإن‎ ‎الختان‎ ‎من تغيير خلق الله، ولكنه لفوائد ‏صحية، ‏وكذلك حلق‎ ‎الشعر لفائدة د\فع الأضرار، وتقليم الأظافر لفائدة تيسير العمل بالأيدي. وكذلك ثقب‎ ‎‎الآذان للنساء ‏لوضع الأقراط والتزين‎‏. ‏ ‎
‎‏ وأما ما ورد في السنة من لعن الواصلات،‏‎ ‎والمتنمصات والمتفلجات للحسن، فمما أشكل تأويله، ‏‏وأحسب تأويله أن الغرض منه النهي‎ ‎عن سمات كانت تعد من سمات العواهر في ذلك العهد، أو من سمات ‏‏المشركات، وإلا فلو‎ ‎فرضنا هذه منهيًا عنها لما بلغ النهي إلى حد لعن فاعلات ذلك‏‎‏. ‏ ‎
‎وملاك الأمر أن‎ ‎تغيير خلق الله إنما يكون إثمًا إذا كان فيه حظ من طاعة الشيطان، بأن يجعل علامة‎ ‎‎لنحلة شيطانية كما هو سياق الآية واتصال الحديث بها‎" ‎التحرير والتنوير: 5‏‎/ ‎‏205‏‎ - ‎‏206‏‎‏ ‏ ‎‏ ‏‎
‎‏ وقد زاد هذا المعنى إيضاحًا في كتابه مقاصد الشريعة‎ ‎الإسلامية في المبحث الذي خصصه لبيان أن ‏‏قصد الشريعة الإسلامية من أحكامها نوطها‎ ‎بمعان وأوصاف، لا بأسماء وأشكال وبرهن على ذلك بأدلة من ‏‏السنة واجتهادات الفقه‎ ‎الإسلامي ومن بين ذلك ما علق به على حديث‎:‎‏ ((‏‎ ‎لعن الواصلة والمستوصلة‎ ‎‏))‏‎ ‎‎مقاصد ‏الشريعة: 111‏‎ ‎الخ.. فقال: وكذلك قد أخطأ بعض المتقدمين في حكم‎ ‎وصل الشعر للمرأة ذات ‏الزوج، وتفليج ‏أسنانها، وتنميص حاجبيها، فجعل لذلك من التغليط‎ ‎في الإثم ما ينافي سماحة الإسلام تمسكًا ‏بظواهر أثر يروى ‏عن رسول الله صلى الله‎ ‎عليه وسلم‎:‎‏ ((‏‎ ‎لعن فيه الواصلة،‎ ‎والواشمة والمتفلجة ‏والمتنمصة‎ ‎‏))‏‎، وأنا أجزم بأن ما ‏ورد عن رسول الله صلى‎ ‎الله عليه وسلم في ذلك إذا كان كذلك ورد عنه: ‏إنما أراد به ما كان من ذلك شعارًا‎ ‎لرقة عفاف نساء معلومات، كما إذا قلنا‎ ‎بتونس‎ : ‎بئست المرأة التي ‏تخرج‎ ‎لافة على يدها منديلًا‎‏". ‏ ‎
‎وقد قصد سماحة الأستاذ الإمام رحمه الله: أن هذه‎ ‎الأوصاف المذكورة في هذا الأثر ليست أوصافًا ‏‏مقصودة للتشريع وإنما أوصاف مقارنة له‎ ‎لا تعلق لغرض الشارع بها‎‏. ‏ ‎
‎‏ وقد ذكر في موضع آخر من كتابه السالف الذكر أن الفهم‏‎ ‎يكاد يضل في فهم المراد من حديث‎ ‎ابن ‏‏مسعود‎ ‎إذ يرى ذلك صنفًا من أصناف‎ ‎التزين المأذون في جنسه. للمرأة كالتحمير والحلوق والسواك يتعجب ‏‏من النهي الغليظ‎ ‎عنه، ثم وجهه رحمه الله – بما وجهه به من قبل من أن تلك الأحوال أمارات رقة حصانة‏‎ ‎‎المرأة، فالنهي عنها نهي عن الباعث عليها، أو عن التعرض لهتك العرض بسببها‎‏. ‏ ‎
‎وحيث اتضح لنا أن تلك الأوصاف ليست مقصودة للتشريع وإنما أوصاف مقارنة لا تعلق‏‎ ‎لغرض ‏‏الشارع بها، وأن النهي عنها عن الباعث‎‏. ‏ ‎‎‏ ‏‎
‎‏ وحيث روي عن أم المؤمنين‏‎ ‎عائشة‎ –‎رضي الله عنها- جواز الوصل للشعر لقصة الزينة للنساء ‏بشعر ‏أو‎ ‎غيره من صوف وخرق ولو أن رواية هذا القول عنها وصفها الإمام النووي –رضي الله عنه‎- ‎‎بأنها لم ‏تصح عنها، وأن الصحيح عنها كقول الجمهور وترتيبًا على هذه الرواية عن أم‎ ‎المؤمنين عائشة، ‏والتي ‏يدعمها ذلك التخريج القائم على سبر خلجات أغوار الشريعة‎ ‎الإسلامية أقول –والله الموفق للصواب‎‏-‏‏: ‏ ‎
‎‏ إن أخذ المرأة شيئًا من شعر حاجبيها‏‎ ‎بالنماص ونحوه جائز في حاضرنا لفقدان علة النهي وهي أنه ‏‏أمارة على رقة العفاف وإنما‎ ‎هو نمط من أنماط التزين للنساء الذي ليس فيه اتباع لنحلة شيطانية‎‏. ‏ ‎
‎وحيث ثبت ذلك‎ ‎أقول: إن ظهور المرأة في محلات العمل أو الدراسة بعد أخذها من شعر حاجبيها،‎ ‎‎واكتحالها جائز، لأنه من الزينة الظاهرة التي في سترها حرج عليها من طرف زوجها أو‏‎ ‎من جانب ‏‏صورتها، أو من ناحية أترابها، وليس من اليسير إزالتها عند بدوها أمام‎ ‎الرجال وإرجاعها عند الخلو في ‏‏البيت وكذلك ما كان محل وضعه غير مأمور بستره‎ ‎كالخواتيم، ذلك ما قاله العلامة‎ ‎أبو بكر بن العربي‏‎ ‎في ‏‏بيان معنى‎ ‎الزينة الظاهرة ونقله عنه الأستاذ الإمام في التحرير والتنوير،‎ ‎التحرير‎ ‎والتنوير: 18/ 206‏‎ ‎ولم ‏‏أقف عليه في مظنته وهي قوله تعالى‎‏{‏‎ ‎إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا‎ ‎‏}‏‎ ‎في أحكام القرآن‎‏. ‏ ‎
‎‏ ويعرض‏‎ ‎القرطبي‎ ‎إلى تفسير الزينة الظاهرة في قوله تعالى‎‏{‏‎ ‎إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا‎ ‎‏}‏‎ ‎فيقول: قال‎ ‎ابن ‏مسعود‎ ‎‎: ‎ظاهر‎ ‎الزينة هو الثياب، وزاد ابن جبير: الوجه. وقال‎ ‎سعيد بن جبير‎ ‎أيضًا‎ ‎وعطاء‎ ‎والأوزاعي‎ : ‎‎الوجه ‏والكفان ولثياب، وقال‎ ‎ابن عباس‎ ‎وقتادة‎ ‎والمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة، هو الكحل‎ ‎والسوار ‏والخضاب إلى ‏نصف الذراع، والقرطة والفتخ ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة‎ ‎لكل من دخل عليها من ‏الناس‎‏. ‏ ‎
‎وذكر‎ ‎الطبري‎ ‎عن‎ ‎قتادة‎ ‎في معنى نصف الذراع حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر آخر عن‎ ‎‎عائشة‎ –‎رضي الله عنها- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏‎:‎‏ ((‏‎ ‎لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم‎ ‎الآخر إذا ‏‏عركت أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى هنا‎ ‎‏))‏‎ ‎وقبض على نصف‎ ‎الذراع‎ ‎الجامع لأحكام القرآن: 12/ 228 ‏‏- ‏‏229‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وقال‏‎ ‎ابن العربي‎ : ‎قال‎ ‎ابن القاسم‎ ‎عن مالك: الخضاب ليس من‎ ‎الزينة الظاهرة، وقيده ابن العربي بما ‏‏إذا كان في القدمين‎ . ‎الجامع‎ ‎لأحكام القرآن: 3/ 1369‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وترتيبًا على كل ما سبق نقله من نصوص أفتي وأنا‎ ‎فقير ربه محيي قادي بجواز ظهور المرأة في ‏‏محلات العمل أو الدراسة بعد أن تأخذ من‎ ‎شعر حاجبيها وتكتحل والله أعلم‎‏. ‏ ‎‏ ‏
السؤال‎ ‎الثامن عشر‎
‏ ‎
‎بعض المسلمات يجدن حرجًا في عدم مصافحتهن للأجانب الذين‎ ‎يرتادون الأماكن التي يعملن، أو ‏‏يدرسن فيها، فيصافحن الأجانب دفعًا للحرج، فما حكم‎ ‎هذه المصافحة؟ وكذلك الحال بالنسبة لكثير من ‏‏المسلمين الذين تتقدم إليهم نساء‎ ‎أجنبيات مصافحات وامتناعهم عن مصافحتهن يوقعهم في شيء من ‏الحرج ‏على حد ما يذكرون‎ ‎ويذكرن؟‎‏ ‏ ‎
‎‏ وفي الجواب عن هذا السؤال أفيد –والله ولي الفتح-: لم أر في أمهات‎ ‎المذهب المالكي إثارة هذه ‏‏القضية، ولكنها في القرون الأخيرة أثيرت حين أصبح بعض‎ ‎طلاب الفقه يقولون: تحرم مصافحة الأجنبية ‏مع ‏قصد اللذة أو وجدانها وإلا فلا حرمة‎ ‎فجاء الجواب الصحيح من طرف بعض شيوخ المذهب عن حكم ‏‏مصافحة المرأة الأجنبية، فقال‎ ‎الشيخ يوسف الصفتي في حواشيه على شرح ابن تركي على متن ‏العشماوية، ‏تحرم مصافحة‎ ‎المرأة لغير المحرم سواء حصلت لذة أم لا بغير حائل، وعزا نقله هذا إلى الشيخ ‏على‎ ‎الصعيدي في حاشيته على شرح الخرشي على مختصر خليل، ثم حذر –رحمه الله – من خطأ بعض‏‎ ‎‎الطلاب ‏في هذه المسألة فقال: فتنبه له، وقد أخطأ في كثير من الطلبة، وزعموا أنه إن‎ ‎حصل قصد اللذة أو ‏وجودها ‏فهو حرام، وإلا فلا، قياسًا على نقض الوضوء. وليس كذلك بل‎ ‎حرام مطلقًا‎. ‎حواشي الصفتي: 31‏‎‏ ‏ ويقول‎ ‎الشيخ‎ ‎عبد الباقي الزرقاني‎ ‎في شرحه على مقدمة له "والمصافحة حسنة" أي مستحبة لرجل مع‎ ‎مثله، ‏أو ‏لامرأة مع مثلها، لا رجل ولو لمتجالة (المرأة التي لا أرب للرجال فيها‎) ‎لأنها من المباشرة، إن لم يكن ‏‏محرمها‎ ‎شرح الزرقاني: 337 - 338‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وقول الصفتي: بلا حائل" مفهومه أنها مع وجود الحائل غير محرمة ولم أعثر‎ ‎على من صرح بحكم ‏‏هذا المفهوم من فقهاء مذهبنا المالكي، وقواعده تأبى على الأخذ‎ ‎بمفهومات الكتب وأقوال المشائخ، ‏واعتبارها ‏حجة،‎ ‎قال‎ ‎القاضي أبو‎ ‎عبد الله المقري‎ –‎رحمه الله- في قواعده الفقهية: لا يجوز نسبة التخريج‎ ‎‎والإلزام ‏بطريق المفهوم أو غيره، إلى غير المعصوم عند المحققين لإمكان الغفلة أو‎ ‎الفارق، أو الرجوع ‏عن الأصل ‏عند الإلزام والتقييد بما ينفيه، أو إبداء معارض في‎ ‎المسكوت أقوى، أو عدم اعتقاد العكس إلى ‏غير ذلك، فلا ‏يعتمد في التقييد ولا يعد في‎ ‎الخلاف‎ . ‎الونشريسي. المعيار: 6/ 376 - 377‏‎‏ ‏ ‎‎‏ ‏‎
‎لكن ورد‎ ‎جواز المصافحة للأجنبية بحائل صريحًا في فقه الشافعية حيث يقول شيخ الإسلام زكريا‎ ‎‎الأنصاري –رحمه الله- في شرحه على منهجه ما نصه: "وحيث حرم نظر حرم مس"، لأنه أبلغ‎ ‎منه في ‏اللذة ‏بدليل أنه لو مس فأنزل بطل صومه ولو نظر فأنزل لم يبطل، فيحرم على‎ ‎الرجل دلك فخذ رجل بلا ‏حائل" ‏وتعقب محشية الشيخ سليمان الجمل قوله: "ويحرم على‎ ‎الرجل دلك فخد رجل بلا حائل" بأنه يجوز ‏للرجل دلك ‏فخذ الرجل بشرط حائل، وأمن فتنة،‎ ‎وأخذ منه حل مصافحته الأجنبية مع ذينك أي الحائل أمن ‏الفتنة وأفهم ‏تخصيصه الحل‎ ‎معهما بالمصافحة حرمة مس غير وجهها وكفيها من وراء حائل ولو مع أمن ‏الفتنة، وعدم‏‎ ‎الشهوة، ووجهه أنها مظنة لأحدهما كالنظر‎. ‎شرح المنهج: 4/ 125 - 126‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وقد عرض لها العلامة الحصكفي في الدر المختار في كتاب الحظر والإباحة في‏‎ ‎الفصل الذي خصصه ‏‏للنظر والمس فقال: "وما حل نظره حل لمسه إلا من أجنبية فلا يحل مس‎ ‎وجهها وكفها، وإن أمن من ‏الشهوة، ‏لأنه أغلظ، ولذا يثبت به حرمة المصاهرة‎‏. ‏ ‎
‎وهذا‎ ‎في الشابة، أما العجوز التي لا تشتهى فلا بأس بمصافحتها ومس يدها إذا أمن الفتنة‎. ‎الدر ‏‏المختار: 5/ 235‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وكره الإمام‏‎ ‎أحمد‎ –‎رضي الله‎ ‎عنه- مصافحة النساء، وشدد أيضًا حتى لمحرم وجوزه لوالد ويتوجه، ‏‏ولمحرم، وجوز أخذ يد‎ ‎عجوز شوهاء‎. ‎ابن مفلح.كتاب الفروع: 5/ 158‏‎‏ ‏ ‎
‎وبعد عرض نصوص فقه‎ ‎المذاهب الأربعة يبدو أنها مجمعة على حرمة مصافحة الأجنبية الشابة ‏بدون ‏حائل، لكن‎ ‎الذي يؤخذ أنها لم تعرض إلى الاستدلال على ذلك، والأدلة عليه قائمة، وأهمها ما يلي‎‏: ‏ ‎
‎‏1- ‏‎ ‎المصافحة مباشرة، وهي اتصال البشرة بالبشرة، وهو محرم في غير الزوجة، وما‎ ‎ملكت ‏اليمين، ‏وملامسة أيضًا من اللمس وهو إلصاق الجارحة بالشيء وهو عرف في اليد‎ ‎لأنها آلته الغالبة، وهو ‏أيضًا ‏محرم في غير ما ذكر أولًا‎‏. ‏ ‎‎‏ ‏‎
‎‏2-‏‎ ‎السنة‎: ‎روى‎ ‎مالك‎ ‎في الموطأ في كتاب الجامع فيما جاء في البيعة عن أميمة بنت‏‎ ‎رقية أنها ‏قالت: ‏أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة بايعنه على الإسلام،‎ ‎فقلنا: يا رسول الله نبايعك على ‏أن لا ‏نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا‎ ‎نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا ‏نعصيك ‏في معروف، فقال‎ ‎رسول الله صلى الله عليه وسلم‎:‎‏ ((‏‎ ‎فيما استطعتن وأطقتن‎ ‎‏))‏‎ ‎قال: فقلنا: الله ‏ورسوله أرحم ‏بنا من أنفسنا، هلم‎ ‎نبايعك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‎:‎‏ ((‏‎ ‎إني لا ‏أصافح النساء‎ ‎‏))‏‎ ‎الحديث‎ ‎قال‎ ‎الباجي‎ ‎قوله صلى الله عليه وسلم‎>> ‎إني لا‎ ‎أصافح النساء‎>> ‎يريد لا أباشر ‏أيديهن بيدي، يريد –‏والله أعلم- الاجتناب، وذلك‏‎ ‎من حكم مبايعة الرجال المصافحة، فمنع من ذلك في ‏مبايعة النساء لما فيه من ‏مباشرتهن‎ . ‎المنتقى: 7/ 308‏‎ ‎وروى‎ ‎البخاري‎ ‎في كتاب التفسير‎ ‎في باب‎‏{‏‎ ‎إذا ‏جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ‎ ‎‏}‏‎ ‎عن‎ ‎عائشة‎ ‎أنها‎ ‎قالت: "والله ما مست يده امرأة في المبايعة" قال الحافظ‎ ‎ابن ‏حجر‎ ‎في‎ ‎الفتح: وقد جاء في أخبار ‏أخرى أنهن كن يأخذن بيده عند المبايعة من فوق ثوب، أخرجه‎ ‎يحيى بن ‏سلام في تفسيره عن الشعبي‎. ‎الجامع ‏الصحيح: 8/ 627‏‎ ‎قال‎ ‎الزرقاني‎ : ‎معقبًا على كلام‎ ‎الحافظ ابن حجر‎ ‎‎وأخرجه ابن عبدا لبر عن عطاء وعن ‏قيس ابن أبي حازم أن النبي صلى الله تعالى‎ ‎عليه وعلى آله وسلم: ‏إذا بايع لم يصافح إلا وعلى يده ثوب‎ . ‎الزرقاني‎: ‎شرحه على الموطأ: 4/ 399‏‎‏ ‏ ‎‎‏ ‏‎
‎‏ وكون النسوة يصافحن النبي صلى الله‏‎ ‎عليه وسلم عند المبايعة من فوق ثوب تفسر اشتراط الفقهاء ‏‏الذين نقلت عنهم نصوصهم عدم‎ ‎الحائل في حرمة مصافحة الأجنبية‎‏. ‏ ‎
‎‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‎:‎‏ ((‏‎ ‎لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من‎ ‎حديد خير له أن ‏يمس ‏امرأة لا تحل له‎ ‎‏))‏‎، رواه‎ ‎الطبراني‎ ‎والبيهقي‎ ‎، ورجال الطبراني ثقات رجال الصحيح‎. ‎محمد صديق ‏حسن ‏خان‎ ‎القنوجي البخاري. حسن الأسوة فيما ثبت عن الله ورسوله في النسوة: 522‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ والمس على ما جاء في لسان العرب له معنيان: حقيقي، وهو مسك الشيء بيدك‎.. ‎ويقال: مسست ‏‏الشيء أمسه مسًا: إذا لمسته بيدك، وله معنى مجازي وهو الجماع، مس‎ ‎المرأة وماسها: أتاها، وهو عرف ‏في ‏اليد لأنها آلته الغالبة،‎ ‎اللسان: 26/ 218‏‎ - ‎‏219‏‎ ‎ومن أجل ذلك سقت الحديث دليلًا على حرمة ‏المصافحة‎‏. ‏ ‎
‎‏3-‏‎ ‎المصافحة‎ ‎باليد ذريعة إلى الزنا، وأصل من أصول‎ ‎التشريع الإسلامي‎ ‎سد ذرائع الفساد،‎ ‎حدث‎ ‎عبد ‏‏الله بن المبارك‎ ‎عن أشياخ‎ ‎الشام‎ : ‎من أعطى‎ ‎أسباب الفتنة من نفسه أولًا، لم ينج منها آخرًا، وإن كان ‏جاهدًا‎". ‎ابن مفلح‎. ‎كتاب الفروع: 5/ 158‏‎‏ ‏‎
‎قال هذا في السلف الصالح لهذه الأمة فما بالك بهذا‎ ‎الخلف الموجود في بلاد الغربة التي لا قيد فيها ‏يقيد ‏العلاقات الجنسية، واليد هي‎ ‎المفتاح السحري في هذا المجال، فمن أعطت يدها لا تستطيع أن تمنع ما ‏وراء ‏ذلك من‎ ‎كبيرة الزنا، والوسيلة تأخذ حكم المقصد كما هي القاعدة‎‏. ‏ ‎
‎‏ وبناء على ذلك،‏‎ ‎وانطلاقًا منه أفتي أخواتي بحرمة مصافحة الرجل للأجنبية ولو متجالة‎‏. ‏ ‎
‎‏ حرره محيي‏‎ ‎الدين قادي الفقير إلى مولاه الغني. والله أعلم‎‏. ‏ ‎‏ ‏ ‎‏ ‏
السؤال‎ ‎التاسع عشر‎
‏ ‎
‎ما حكم استئجار الكنائس أماكن لإقامة الصلوات الخمس، أو صلاة‎ ‎الجمعة والعيدين مع وجود ‏التماثيل، ‏وما تحتويه الكنائس عادة علمًا بأن الكنائس في‎ ‎الغالب أرخص الأماكن التي استئجرها من ‏النصارى وبعضها ‏تقدمه الجامعات والهيئات‎ ‎الخيرية للاستفادة منه في المناسبات هذه بدون مقابل؟‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وفي الجواب عن هذا السؤال‎ ‎أفيد –والله الموفق للصواب- فأقول: قال العتبي: وحدثني عن‎ ‎ابن ‏القاسم‎ ‎عن مالك عن نافع أن‎ ‎عمر بن الخطاب‎ ‎كان يكره الصلاة في الكنائس‎ ‎التي فيها الصور، قال مالك: ‏وأنا أكره ‏الصلاة في الكنائس لأن موضعها نجس، ووطئهم‎ ‎بأقدامهم فيها‎. ‎العتبية مع البيان والتحصيل: ‏‏17/ 305‏‎‏ ‏ هذا ما قاله‎ ‎صاحب العتبية،‎ ‎وقال شارحها‎ ‎ابن رشد‎ : ‎وفي قوله: "التي فيها‎ ‎الصور" دليل على أنه إنما كرهت ‏‏الصلاة فيها إذا كانت عامرة، لأن العامرة هي التي‎ ‎تكون فيها الصور‎‏ . ‏ ‎
‎‏ وقد اختلف في علة الكراهة على ثلاثة أقوال‎‏: ‏ ‎
‎‏ الأول‏‎: ‎قال مالك: هي النجاسة الآتية من وطء أقدامهم يدخلونه فيها من النجاسات‎‏. ‏
الثاني‎: ‎قال‎ ‎ابن حبيب‎ : ‎لأنها بيوت متخذة للكفر‎‏. ‏
الثالث‎: ‎قيل: مجموعة الأمرين‎‏. ‏ ‎
‎فمن صلى فيها فهل يعيد في الوقت، أو يعيد أبدًا، أو لا‎ ‎يعيد أصلًا؟‎‏ ‏ ‎
‎‏ فعلى القول بأن علة الكراهة نجاستها، لم تجب عليه إعادة أن صلى على‏‎ ‎ثوب بسطه، وأن صلى ‏دون ‏أن يبسط فالإعادة أبدًا، على قول ابن حبيب، لأن الأصل عنده‎ ‎أن من صلى على ثوب نجس عامدًا يعيد ‏أبدًا، ‏وقيل يعيد في الوقت، وقيد ذلك بغير‏‎ ‎المضطر إلى النزول أما المضطر فلا يعيد أبدًا، ولا وقتًا من أجل ‏أن ‏نجاستها متيقنة،‎ ‎وهو قول‎ ‎سحنون‎ . ‎البيان والتحصيل: 16/ 305‏‎‏ ‏ ‎
‎وقد حرر‎ ‎النفراوي المالكي هذه المسألة تحريرًا دقيقًا، تعلق فيه بأمور ثلاثة‎‏: ‏ ‎
‎‏1-‏‎ ‎أن‎ ‎كراهة الصلاة في الكنائس كراهة تنزيه‎‏. ‏
2- ‏‎ ‎أن الكراهة في العامرة‎ ‎والخاربة، صلى على فرشها، أو غير فرشها، حيث صلى فيها اختيارًا‎‏. ‏ ‎
‎‏3- ‏‎ ‎أن الإعادة‎ ‎في الوقت مشروطة بشرط هي‎‏: ‏ ‎
‎‏1-‏‎ ‎أن يصلي فيها اختيارًا‎‏. ‏ ‎
‎‏2-‏‎ ‎أن تكون عامرة‎‏. ‏ ‎
‎‏3-‏‎ ‎أن يصلي على فرشها‎‏. ‏ ‎
‎ونظير ذلك من صلى على نجاسة ناسيًا‎‏. ‏ ‎
‎‏ وأما لو صلى‏‎ ‎فيها مكرهًا، أو كانت خارجة، ولو صلى على فرشها، أو عامرة وصلى على شيء ‏‏طاهر فلا‎ ‎إعادة‎‏. ‏ ‎
‎‏ والخلاصة: أن الكراهية معلقة بالصلاة فيها على وجه الاختيار، ولو صلى‎ ‎على فرش طاهر والإعادة ‏‏مقيدة بالقيود الثلاثة‎‏. ‏‎
‎‏ ويلزم من الإعادة الكراهة، ولا‏‎ ‎يلزم من الكراهة الإعادة‎‏. ‏ وجاء عنه أيضًا أن الصلاة تكره في الأماكن التي فيها‎ ‎صور وتماثيل‎. ‎الفواكه الدواني: 1/ 150‏‎ ‎هذا ما ‏يتعلق ‏بالصلاة في البيع‎ ‎والكنائس‎‏. ‏ ‎
‎‏ وأما اتخاذ الكنائس مساجد فجائز لحديث عثمان بن أبي العاصي‏‎:‎‏ ((‏‎ ‎أن رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم‎ ‎أمره أن يجعل مسجد أهل‎ ‎الطائف‎ ‎حيث كانت طواغيتهم‎ ‎‏))‏‎. ‎ابن‎ ‎تيميمة الجد، منتقى الأخبار، كتاب ‏الصلاة، ‏باب اتخاذ متعبدات الكفار ومواضع القبور‎ ‎إذا نبشت مساجد: 2/ 150‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وقال‏‎ ‎الزركشي‎ ‎من فقهاء‎ ‎الشافعية: إن‎ ‎عمر بن الخطاب‎ ‎رضي الله عنه قال لنصراني: إنا لا ندخل‎ ‎‎عليكم بيعكم من أجل الصور التي فيها‎ . ‎أخرجه البخاري تعليقًا بلفظ: أنا‎ ‎لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل ‏‏التي فيها، عمدة القارئ: 4/ 122‏‎ ‎وعن أبي‎ ‎موسى الأشعري أنه صلى في كنسية، وعن‎ ‎الحسن‎ ‎والشعبي‎ ‎‎الترخيص في الصلاة في البيع والكنائس‎. ‎الزركشي، أعلام المساجد: 384‏‎‏ ‏ ‎
‎هذا ما دامت الكنائس مرخصًا في الصلاة فيها فهل يجوز استئجارها لاتخاذها‎ ‎مسجدًا؟ نعم، يجوز ‏ذلك، ‏لأن التجارة مع الكافر في أرض الحرب جائزة على الجملة‎ ‎بقيودها واستئجار مكان ما ليجعل مسجدًا ‏جائز ‏أيضًا جاء في المدونة: أرأيت إن أكريت‎ ‎دارًا على أن يتخذوها مسجدًا عشر سنين؟ قال: ذلك جائز، ‏قلت: فإن ‏مضت العشر سنين؟‎ ‎قال: إذا انقضت الإجارة رجعت الدار إلى ربها، قلت: أتحفظه عن مالك؟ قال: ‏لا‎. ‎المدونة: 4/ 423‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وانطلاقًا من كل ذلك وترتيبًا عليه أفتي بالترخيص‏‎ ‎في صلاة الجمعة وغيرها من الصلوات بالكنائس ‏‏والبيع بعد أن تطهر بالماء احتياطًا،‎ ‎وتغطى الصور والتماثيل فيها بستائر تحجبها عن أعين المصلين، لأن ‏‏الأرض كلها مسجد‎ ‎للمسلم. والله أعلم‎‏. ‏ ‎‎‏ ‏
السؤال‎ ‎العشرون‎
‏ ‎
‎‏ ما حكم ذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وما يقدمونه من‏‎ ‎طعام في مطاعمهم مع عدم العلم ‏‏بالتسمية عليها؟‎‏ ‏ ‎
‎وعن هذا السؤال أفيد والله ولي‏‎ ‎الفتح فأقول: لا بد من محاولة تحديد أهل الكتاب وهم: على ما قال ‏‏حافظ المذهب في‎ ‎عصره الشيخ سيدي محمد المهدي الوزاني: اليهود والنصارى‎‏. ‏ ‎
‎‏ وأما الصائبة فهم‏‎: ‎طائفة من اليهود والنصارى يعبدون الكواكب السبعة أو الملائكة، وليسوا من أهل‏‎ ‎‎الكتاب، وكذلك المجوس وهم قوم يعبدون النار‎‏. ‏ ‎
‎وقيل: الشمس، وقيل اعتزلوا النصارى‎ ‎ولبسوا المسوح، وقيل: اخذوا من دين النصارى شيئًا ومن ‏دين ‏اليهود شيئًا، وهم‎ ‎القائلون بأن للعالم إلهين: النور، والظلمة، وقيل: هم قوم يستعملون النجاسات،‎ ‎‎والأصل ‏نجوس بالنون فأبدلتم ميمًا، وعزا كل هذه المعاني إلى بعض المفسرين‎ ‎المعيار الجديد: 1/ 257‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ ولم يتعرض -رحمه الله- للسامرة، وهم على‏‎ ‎ما قال الخشري: طائفة من اليهود من بني يعقوب ‏عليه ‏السلام تنكر ما عدا نبوة موسى‎ ‎وهارون ويوشع ابن نون من أنبياء بني إسرائيل، تنكر المعاد ‏الجسماني ‏كالنصارى، ولا‎ ‎يرون‎ ‎لبيت المقدس‎ ‎حركة كاليهود، ويحرمون من جبال‎ ‎نابلس‎ ‎ويزعمون أن ‏بأيديهم توراة ‏بدلها لهم أحبار اليهود‎ ‎الشرح الصغير له: 3/ 4‏‎ - ‎‏5‏‎ ‎وقد عدهم خليل بن إسحاق من أهل ‏الكتاب الحلال ‏طعامهم وقال وإن سامريا‏‎ ‎المختصر : 83‏‎ ‎أي وإن كان فاعل الذبح والنحر سامريا ومبالغته ‏مشعرة بأن‎ ‎الصابئ ليس كذلك، بينما السامري قد أخذ ببعض اليهود، والصابئ قد أخذ ببعض‏‎ ‎النصرانية، ‏فما وجه الفرق ‏الخرشي بينهما فقال: لعل أخذ الصابئ بالنصرانية دون أخذ‎ ‎السامري باليهودية‎" ‎المختصر: ‏‏5‏‎‏ ‏ ‎‏ ‏‎
‎‏ وقول الشيخ‏‎ ‎المهدي‎ : ‎اليهود والنصارى وكذلك من تهود أو تنصر، فالعبرة أنهم أتباع للديانة‎ ‎‎الموسوية ‏أو العيساوية سواء كانوا ممن دعاهم موسى وعيسى عليهما السلام إلى اتباع‎ ‎الدين، أو ممن ‏دخلوا في الدينين ‏اختيارًا فإن موسى وعيسى دعوا بني إسرائيل خاصة،‎ ‎وقد تهود من العرب أهل‎ ‎اليمن‎ ‎، ‏وتنصر من العرب ‏تغلب، وبهراء، وكلب،‎ ‎ولخم، نجران وبعض ربيعة، وغسان فهؤلاء أيضًا من أهل الكتاب ‏عند الجمهور عدا‎ ‎علي بن أبي طالب‎ ‎فإنه قال: لا تحل ذبائح نصارى تغلب، وقال: أنهم لم يتمسكوا‎ ‎من ‏النصرانية بشيء سوى ‏شرب الخمر، وعزاه‎ ‎القرطبي‎ ‎إلى‎ ‎الشافعي‎ ‎، وروى الربيع عن‎ ‎الشافعي‎ : ‎لا خير في ‏ذبائح‎ ‎نصارى العرب من ‏تغلب، وعن الشافعيين: من كان من أهل الكتاب قبل البعثة المحمدية فهو‏‎ ‎من أهل ‏الكتاب، ومن دخل في دين ‏أهل الكتاب بعد نزول القرآن فلا يقبل منه إلا‎ ‎الإسلام، ولا تقبل منه الجزية أي ‏كالمشركين‎‏. ‏ ‎
‎وأما المجوس فليسوا أهل الكتاب‎ ‎بالإجماع‎ ‎، فلا تؤكل ذبائحهم، وشذ من جعلهم أهل كتاب، وإن كان ‏‏لهم‎ ‎كتاب ولكنه ليس بسماوي فللأتباع زرادشت كتاب: "الزندفستا" وهؤلاء هم محل الخلاف‎‏. ‏ ‎
‎‏ وأما أتباع ماني، والمعروفون بالمانوية، فليس لهم كتاب، وهم أباحيون‏‎ ‎الأستاذ الإمام محمد الطاهر ‏ابن ‏عاشور، التحرير والتنوير: 6‏‎/ ‎‏120‏‎ – ‎‏121‏‎ ‎بتصرف‎ ‎مع العلم أن اتباع الكتب السماوية غير التوراة ‏والإنجيل ‏من أهل الكتاب الذين‎ ‎أبيح لنا طعامهم، وكذلك المسلم المتهود أو المتنصر ليس من أهل الكتاب، ‏وأما‎ ‎المشركون وعبدة الأوثان، ومن بقيت عندهم أثارة من ملة إبراهيم مع عبادتهم للأوثان‎ ‎والأصنام ‏فليسوا من ‏أهل الكتاب بلا خلاف‎‏. ‏ ‎
‎‏ والخلاصة: أن الكتابي هو الذي يدين‎ ‎باليهودية، ولو سامريًا، أو النصرانية، ممن دعاهم موسى ‏‏وعيسى عليهما السلام أو‎ ‎دخلوا في الديانتين بعد ذلك، قبل الإسلام أو بعده، خلافًا للشافعي رضي الله عنه‎ ‎‎فيمن دخل فيهما بعد الإسلام‎‏. ‏ ‎
‎‏ وبعد هذه المحاولة لضبط مدلول أهل الكتاب،‏‎ ‎والتي لها أهمية كبرى بالنسبة للسؤال الذي يهم ‏الإخوة ‏المغتربين، ويهم المسلمين‎ ‎عامة، والمسلمين العرب خاصة في‎ ‎مصر‎ ‎وسورية‎ ‎ولبنان‎ ‎وفلسطين‎ .. ‎‎نأتي إلى ‏الجواب عن حكم ذبائح أهل الكتاب فنقول: قال‎ ‎فقهاء المالكية: يشترط لحل ذبيحة الكتابي يهوديًا ‏أو نصرانيًا‎‏: ‏ ‎
‎‏1-‏‎ ‎أن لا يذبح‎ ‎الكتابي ذبيحته لصنم، وهي الأنصاب المذكورة في القرآن الكريم، والمراد بما يذبح‎ ‎‎للصنم، أي ما يكون مستحقًا له دون غيره في زعم الكتابي، لأنه مما أهل به لغير الله،‎ ‎أي بأن قال: باسم ‏‏الصنم بدل باسم الله، فإن ذكر اسم الله مع اسم الصنم، أكل تغليبا‎ ‎ًلاسم الله، مع أنه يبعد ذكر اسمه تعالى مع ‏‏قصده اختصاص الصنم بما ذبح إذ لا يصدق‎ ‎عليه مع ذكر اسم الله جل جلاله لأنه يذبح لصنم ما يستحقه ‏دون ‏غيره في زعمه، وكذلك‎ ‎ما ذبحوه لعيسى أو لمريم أو لكنيسة، وذكروا اسم الله عليه أكل ولو قدموا ‏غيره لأنه‎ ‎يعلو ولا يعلى عليه، قاله الأمير في المجموع‎ ‎راجع الشرح الصغير للدردير مع‎ ‎حاشية الصاوي ‏عليه: 1/ ‏‏314‏‎‏ ‏ ‎
‎‏2-‏‎ ‎وهو متعلق بمن يستحل منهم أكل الميتة‎ ‎المحرمة علينا بالخصوص في القرآن الكريم وهو أن لا ‏‏يغيب الكتابي حال ذبحها عنا، بل‎ ‎لابد من حضور مسلم عارف بالذكاة الشرعية، خوفًا من كونه قتلها أو ‏‏نخعها، فإن غاب لم‎ ‎تؤكل، وهذا التفصيل هوا لمشهور من المذهب،‎ ‎قال‎ ‎ابن رشد الجد‎ ‎، القياس أنه إذا كان ‏‏يستحل الميتة، لم تؤكل ذبيحته، ولو لم يغب عليها، لأن‎ ‎الذكاة لابد فيها من النية وإذا استحل الميتة فكيف ‏‏ينوي الذكاة؟ وإن ادعى أنه نواها‎ ‎فكيف يصدق؟ وقبله ابن ناجي وابن عرفة‎‏ . ‏ ‎
‎‏3- ‏‎ ‎وهو خاص باليهود، أن يكون ما‎ ‎ذبحوه مما يحل لهم في شريعة الإسلام فإن ذبح اليهودي ما ‏لا ‏يحل له في شرعنا من ذي‎ ‎الظفر أو المخلب أو الحافر كالإبل وحمر الوحش والنعام، والأوز، وكل ما ‏ليس ‏مشقوق‎ ‎الظلف، ولا منفرج القوائم، فلا يحل لنا أكله أن ذبحه اليهودي، وليس من ذي الظفر‏‎ ‎الدجاج ‏والحمام ‏لأنهما ليسا من ذي الظفر، إذ هما مشقوقًا الأصابع وليس بينهما‎ ‎اتصال، فإن ذبح اليهودي الدجاج ‏والحمام حل ‏لنا أكله‎‏. ‏
وأما ما هو مشقوف‎ ‎الظلف كالبقرة والغنم إذا ذبحه اليهودي حل لنا أكله ودليل حرمة ذي الظفر ‏على ‏اليهود‎ ‎في شرعنا قوله تعالى‎‏{‏‎ ‎وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ‎‏ }. ‏ ‎
‎وأما‎ ‎النصارى فلم يحرم عليهم شيء في شرعنا الإسلامي الحنيف، بقيت مسألة شحوم البقر‎ ‎والغنم ‏فهي ‏حرام على اليهود بنص القرآن الكريم إلا ما استثنى منها، قال الله‎ ‎تعالى‎‏{‏‎ ‎وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا ‏عَلَيْهِمْ ‏شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا‎ ‎حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ‎ ‎‏}‏‎ ‎فإذا‎ ‎ذبح اليهودي البقر والغنم كره ‏للمسلم ‏أكل الشحوم، وهذا أحد الأقوال الثلاثة وقيل‎ ‎يجوز أكلها بلا كراهة، وقيل يمنع، ذكرها المحقق ‏البناني ونسبها ‏إلى‎ ‎ابن‎ ‎رشد الجد‎ .. ‎ثم قال: والأصل في هذا اختلافهم في تأويل قول الله سبحانه‎ ‎وتعالى‎:‎‏{‏‎ ‎‎وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا ‏الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ‎ ‎‏}‏‎ ‎هل المراد بذلك ما‎ ‎يأكلون لم يجز أكل شحومهم؟ لأن الله سبحانه وتعالى ‏حرمها عليهم في ‏التوراة على ما‏‎ ‎أخبر به القرآن الكريم، فليس مما يأكلون‎‏. ‏ ‎
‎‏ وأما ما حرم على اليهود في الديانة‏‎ ‎اليهودية كالطريفة، وهي أن توجد الذبيحة فاسدة الرئة، أي ‏ملتصقة ‏بظهر الحيوان كره‎ ‎لنا أكله من غير تحريم على المشهور، وإنما كانت الطريفة محرمة عند اليهود ‏لأن ذلك‎ ‎علامة على أنها لا تعيش من ذلك فلا تعمل فيها الذكاة عندهم، كالحيوان المنفوذ‎ ‎المقاتل عندنا، ‏وأما شراء ‏الطريفة فلا يجوز ويفسخ إذا وقع، وقيل يكره، فيكون القول‎ ‎بفسخ بيعها محمولًا على الندب، ‏قاله علي ‏الأجهوري ويكره للإمام أن يبقى اليهود‎ ‎جزارين، وفي المدونة‎: ‎كره‎ ‎مالك‎ ‎الشراء‎ ‎من‎ ‎مجازر ‏اليهود وقال: نهى ‏عمر أن يكونوا في أسواقنا جزارين أو صيارفة وأمر أن يقاموا‎ ‎من الأسواق‎ ‎،‎ ‎وقال‎ ‎ابن ‏حبيب‎ ‎عن مطرف‎ ‎وعبد الملك‎ ‎ينهى عن الشراء منهم ولا يشتري منهم إلا رجل سوء ولا يفسخ شراؤه، وقد ‏ظلم نفسه‎ ‎ويكره ‏للإمام أيضًا أن يبقيه جزارًا في البيوت على القول بصحة استنابته، وإنما كره‎ ‎من اليهود ‏ما كره لعدم نصحهم ‏للمسلمين‎‏ . ‏ ‎‏ ‏‎
‎‏4-‏‎ ‎أن يكون ما ذبحه‎ ‎الكتابي ملكًا له، فإن كان ما ذبحه ملكًا للمسلمين أو مشتركًا بينه وبينه، فيكره‎ ‎‎لنا ‏أكله على أرجح الأقوال، وقيل يجوز بلا كراهة وقيل: يمنع‎ ‎الدردير، الشرح‎ ‎الكبير وحاشية الدسوقي ‏عليه: 2/ ‏‏130‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ وقد جاءت خلاصة ما بينته في قول‎ ‎خليل بن إسحاق المالكي: وأن سامريًّا أو مجوسيًّا تنصر وذبح ‏‏لنفسه مستحلة وأن أكل‎ ‎الميتة إن لم يغب، إلى أن قال: "وذبح لصنم وذبح غير حل إذا ثبت بشرعنا، وإلا ‏كره‎ ‎كجزارته‎" ‎المختصر: 33‏‎‏ ‏ ‎
‎‏5-‏‎ ‎أن لا يكون ما ذبح الكتابي مما حرمها لله‏‎ ‎علينا بعينه كالخنزير والدم، أو مما حرمه علينا ‏بوصفه ‏كالميتة، إذا كانوا يستحلون‎ ‎ذلك، فلا يباح لنا أكله بذكاتهم‎ ‎الأستاذ الإمام محمد الطاهر بن عاشور،‎ ‎‎التحرير ‏والتنوير: 6/ 122 بتصرف‏‎‏ ‏ ‎
‎بقيت مسألة هامة وهي: إذا خالفت ذكاته‎ ‎ذكاتنا مخالفة تقصير لا زيادة كالذكية بالضرب على الرأس ‏‏فتموت أو فتل العنق فتمزق‎ ‎العروق، قال جمهور الفقهاء: لا تؤكل،‎ ‎وقال‎ ‎أبو بكر بن العربي‎ ‎من المالكية: ‏‏تؤكل لأنها طعامهم وطعام أحبارهم ورهبانهم، وإليكم فتواه بنصها‎ ‎قال: ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق ‏‏الدجاجة، ثم يطبخها: هل يؤكل معه، أو تؤخذ‎ ‎طعامًا منه؟ فقلت: تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانهم ‏‏وإن لم تكن هذه ذكاة‎ ‎عندنا، ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقًا، وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا‎ ‎في ‏‏ديننا إلا ما كذبهم الله سبحانه فيه، ولقد قال علماؤنا: إنهم يعطوننا أولادهم‎ ‎ونسائهم ملكًا في الصلح، فيحل ‏لنا ‏وطؤهن فكيف لا تحل ذبائحهم، والأكل دون الوطء في‎ ‎الحل والحرمة؟‎ " ‎أحكام القرآن: 2/ 556‏‎‏ ‏ ‎
‎‏ ومنذ أفتى‏‎ ‎القاضي أبو بكر بن العربي بما أفتي والفقهاء مهتمون بفتواه في كتبهم وفتاويهم‎ ‎‎ومجالس ‏دروسهم، على اختلاف مواقفهم من الفتوى، فاستبعدها خليل في توضيح قائلًا: لأن‎ ‎معنى طعامهم ‏الحلال لهم، ‏وأهل شرعهم مطبقون على منع ذلك وتحريمه‎ ‎محمد المهدي‎ ‎الوزاني، المعيار الجديد: 1/ 258‏‎ ‎‎،‎ ‎وقال‎ ‎المواق‎ ‎‎: ‎انظروا ما عقروه من الإنسي، وقالوا: إنه ذكي عندهم، كان سيدي ابن سراج رحمه الله‎ ‎‎يقول: أما على ‏مذهب المدونة إنا لا نستبيح الوحشي بعقرهم، فمن باب أولى الإنسي وعلى‎ ‎القول ‏بالاستباحة علله اللخمي بأنه ‏ذكاة عندنا وعقرهم الإنسي ليس بذكاة عندنا فلا‎ ‎نسستبيحه بذلك فما وقع‎ ‎لابن ‏العربي‎ ‎فهو هفوة، وقد اتبع ‏الفقهاء في‎ ‎أحكام القرآن وفي غيره من كتبه‎ ‎التاج والإكليل: 3/ 214‏‎ ‎وقد ‏وصفها‎ ‎بالمرجوحية والضعف باش ‏مفتي‎ ‎تونس‎ ‎العارف بالله سيدي إبراهيم الرياحي‎ ‎رحمه الله في جواب له ‏عن سؤال وجهه إليه الشيخ أحمد بن ‏أبي الضياف، ووصفاه الأستاذ‎ ‎الإمام سيدي محمد الطاهر ابن عاشور ‏رحمه الله في التحرير والتنوير بأنها ‏‏"شذوذ‎" ‎التحرير والتنوير: 6/ 122‏‎‏ ‏‎
‎ولكن إلى جانب المستبعدين فتوى‎ ‎ابن العربي‎ ‎كثير من المؤيدين لها من أثبات الفقهاء قديمًا وحديثًا، ‏‏فهذا‎ ‎أبو عبد الله الحفار إمام غرناطة، ومحدثها ومفتيها يقول: لا إشكال فيها عند التأمل؛‎ ‎لأن الله تعالى أباح ‏لنا ‏أكل طعامهم الذي يستحلونه في دينهم على الوجه الذي أبيح‎ ‎لهم من ذكاة فيما شرعت لهم فيه الذكاة ‏على ‏الوجه الذي شرعت‎‏. ‏ ‎
‎‏ ولا يشترط أن تكون‏‎ ‎ذكاتهم موافقة لذكاتنا في ذلك الحيوان الذكي، ولا يستثنى من ذلك إلا ما حرمه ‏‏الله‎ ‎سبحانه علينا على الخصوص كالخنزير وإن كان من طعامهم، ويستحلونه بالذكاة التي‎ ‎يستحلون بها ‏بهيمة ‏الأنعام وكالميتة، وأما ما لم يحرم علينا على الخصوص فهو مباح‎ ‎لنا كسائر أطعمتهم، وكل ما يفتقر ‏إلى ‏الذكاة من الحيوانات فإذا ذكوا على مقتضى‎ ‎دينهم حل لنا أكله ولا يشترط في ذلك موافقة ذكاتهم ‏لذكاتنا، وذلك ‏رخصة من الله‎ ‎وتيسير علينا‎ ‎الونشريسي، المعيار: 2/ 9‏‎‏ ‏ ‎
‎وكذلك ابن ناصر‎ ‎حين سئل عن طعام اليهود والنصارى الصابئين والمجوس أيحل أكله أم لا؟ وه